الخزانة الثالثة..
أقسام المخلوقات:
الله ﷿ هو خالق كل شيء، وجميع مخلوقاته في العالم العلوي والعالم السفلي شاهدة بوحدانية الله، ومسبحة بحمده، وخاضعة لأمره، ومستجيبة لمشيئته ومسرعة إلى إرادته: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾ [النحل: ٤٩ - ٥٠].
والمخلوقات التي خلقها الله ﷿ على قسمين:
أحدهما: مخلوقات غير مكلفة:
وهم عالم الجماد، وعالم النبات، وعالم الحيوان.
الثاني: مخلوقات مكلفة وهم ثلاثة أصناف:
الملائكة.
والجن.
والإنس.
فالملائكة: خلقهم الله من نور، وكلهم مؤمنون؛ لكنهم مسخرون، فهم يسبحون بالليل والنهار لا يفترون.
قال الله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ [التحريم: ٦].
والجن: خلقهم الله من نار، ومنهم المؤمن والكافر، فهم مخيرون، وأعظم كفار الجن إبليس وذريته، وأبوهم الجان،كما قال سبحانه: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ [الحجر: ٢٧].
والإنس: خلقهم الله من تراب، وهم مخيرون، ومنهم المؤمن والكافر.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
وأعظم كفار الإنس فرعون الذي قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤].
وقال: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]
وأبوهم جميعاً آدم ﷺ، ولا شك أن المخلوق المكلف أفضل من غير المكلف، والملائكة أفضل من الجن، والبشر المؤمنون أفضل من الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤].
فالله ﷿ خالق كل شيء، هو خالق هذا الكون العظيم، العلوي منه والسفلي، سماواته وأرضه، وشمسه وقمره، وليله ونهاره، وما في السموات والأرض من خلق، ومن أمم، ومن سنن، ومن جماد ونبات، ومن إنسان وحيوان: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والله وحده هو الذي خلق هذا الليل الطامي، السادل، الشامل، الساكن، البارد.
وهو سبحانه الذي خلق هذا الفجر الأبيض المتفتح في سدف الليل، وهو سبحانه خالق هذا الصبح الذي إذا تنفس دب النشاط في الحياة والأحياء، وتحركت الكائنات في طلب الرزق والمعاش: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾ [التكوير: ١٧ - ١٨].
وهو سبحانه خالق هذه الظلال السارية الجارية يحسبها الرائي ساكنة، وهي تدب سائرة في هدوءِ ولطف.
وهو سبحانه خالق هذا النبات النامي المتطلع أبداً إلى النمو والحياة والعلو.
وهو سبحانه خالق هذا الطير الرائح الغادي القافز الراتب،والواثب الذي لا يستقر على حال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ [الملك: ١٩].
فمن هداه إلى داره، ومن ساقه إلى طعامه، ومن أمسكه في الجو؟.
وهو سبحانه خالق هذه الخلائق الذاهبة الآيبة، الغادية الرائحة، مما لا يحصيه إلا الله من الحيوانات، والبهائم، والأنعام، وهي تتجول في البر والجو والبحر، في تدافعٍ وانطلاق وانتظام وانسجام.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ [الأنعام: ٣٨].
فسبحان الخلاق العليم الذي هذا خلقه، وهذا مُلكه، وهذا تدبيره، وهذا رزقه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
التفكر في خلق السماوات والأرض وما بينهما:
الله ﷿ خالق كل شيء: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
فربنا ﷿ هو الخلاق العليم الحكيم في خلقه وتدبيره: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
خلق سبحانه القمر وجعله للتوقيت الشهري، وخلق الشمس وجعلها للتوقيت اليومي، وبها يتبين الليل من النهار، والقمر آية الليل، والشمس آية النهار، وجعل سبحانه في طلوع القمر مصالح، وفي غروبه مصالح، ففي طلوعه نفعٌ لمن ضل الطريق، وفي غروبه نفعٌ لمن هرب من عدو.
قال الله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٧ - ٤٠].
فسبحان من خلق القمر وصوره ونوره، وعلي البروج دوره، وإذا شاء نوره، وإذا شاء كوره، وخلق سبحانه الشمس، وملأها بالنور والحرارة، ففي طلوعها مصالح للإنسان والحيوان والنبات، وفي غروبها مصالح من سكون الخلائق،وهدوئها واستعدادها لعمل جديد في يوم جديد: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ [فصلت: ٣٧].
أما النجوم فقد خلقها الله ﷿ لثلاث:
o علامات يهتدي بها
o ورجومًا للشياطين
o وزينة للسماء.
وهي أقسام:
غاربة لا تطلع كالكواكب الجنوبية، وطالعة لا تغرب كالكواكب الشمالية، ومنها ما يغرب تارة، ويطلع أخرى، ومنها ثوابت، ومنها سيارات، ومنها بيضاء، ومنها حمراء، ومنها كبير، ومنها صغير.
فسبحان الخلاق العليم الذي خلقها لحكمه ونفع عباده:﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ [النحل: ١٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ [فصلت: ١٢].
والله ﷿ خلق السموات، وملأها بمن خلقهم من نور، وهم الملائكة، فهي مكان الطاعات التي كلها نور، فليس في السماء موضع قدم فيه معصية، بل كل العالم العلوي طاعات، وكله نور.
وخلق سبحانه الأرض وملأها بكل ما يحتاجه الإنسان والحيوان، وأسكن فيها آدم ﷺ وذريته الذين خلقهم الله منها، وجعلهم خلفاء فيها.
فهي أمهم التي فيها جميع حوائجهم: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾ [عبس: ٢٤ - ٣٢].
فالأرض مائدة مفتوحة لآدم وذريته، فيها أنواع الأشجار والثمار والحبوب، والمعادن واللباس والمياه وغيرها من النعم التي لا تُعد ولا تحصى.
فهذه النعم العظيمة جعلها الله للإنسان في الأرض، مع أن الدنيا سجن المؤمن فكيف الحال في الجنة التي فيها ما لا عينُ رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢)وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣) وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤].
والأرض هي أم الإنسان الكبرى، ومواليدها تزيد على أربعين مليون من المواليد، من أنواع الأشجار والنباتات التي لا يحصيها إلا الله.
فالأرض أم الإنسان الكبرى، وهي أشفق من الأم الآدمية؛ لأن الأرض تطعمك بأمر الله من ألوان الطعام، وتسقيك من أنواع الشراب، والأم إنما تسقيك لوناً واحداً هو الحليب: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٧ - ٨].
وإكراماً لهذا الإنسان سيعيده الله إليها إذا مات، فهي أمه التي خُلق منها، ثم يخرجها منها إلى دار القرار في الجنة إن كان مؤمناً، وإلى النار إن كان كافرًا: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه: ٥٥].
والله سبحانه لما خلق السماء والأرض جعل بينهما ما يشبه عقد النكاح، بإنزال الماء من السماء على الأرض،ليخرج به من بطن الأرض أنواع المواليد من الحبوب والثمار والأشجار والنبات التي جعلها الله رزقًا لبني آدم:﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧]
فهذه حكمة إنزال الماء، وإظهار الثمرات، أن نعرف هذه الأمور الخمسة التي ذكرها الله، والله قادرًا على خلق هذه الثمار بدون وسائط ولا تعب؛ ولكن الله يريد بذلك تنبيه الناس إلى أنهم إذا تحملوا المشاق في الحرث والغرس والبناء من أجل تحصيل المصالح الدنيوية، فلأن يتحملوا أقل المشاق لطلب المنافع الأخروية التي هي أعظم وأولى، كما قال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٦].
والله قادراً على خلق الشفاء من دون الدواء، بل قادرٌ على أن يسلم الإنسان فلا يمرض أبداً، لكنه أجرى العادة بتوقيفه عليه رحمة بالإنسان وتنبيهاً له؛ بأن يتحمل مرارة الدواء دفعاً للضرر والمرض الذي يصيب البدن، فلأن يتحمل مشاق التكليف دفعاً لضرر العقاب أولى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ [الضحى: ٤].
فللدنيا حرث، وللأخرة حرث، والعاقل يختار ما يبقى على ما يفنى، والكل من عطاء الله وحده: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (٢٠) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾ [الإسراء: ١٨ - ٢١].
***
مختارات

