الخزانة الثانية..
• التفكر في خلق الرياح:
الله ﷿ هو خالق كل شيء، وله الخلق والأمر كله.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
خلق الله العالم العلوي، وخلق العالم السفلى، وخلق ما بينهما من الشمس والقمر والنجوم والكواكب، والسحاب والرياح، فخلق الله ﷿ الرياح العظيمة، وحكمها بقدرته،وصرفها بمشيئته: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة: ١٦٤].
والرياح نوعان:
رياح الرحمة.
ورياح العذاب.
فرياح الرحمة هي:
المبشرات، والناشرات، والذاريات، والمرسلات، والرخاء، واللواقح.
ورياح العذاب هي:
العاصف، والقاصف، وهما في البحر، والعقيم والصرصر، وهما في البر.
والرياح مختلفة المهاب وهى نوعان:
رياح البر.
ورياح البحر.
أما رياح البر فأربع:
o الشمال تهب من جهة الشمال
o والجنوب تهب من جهة الجنوب
o والصبا تهب من جهة المشرق
o والدبور تهب من جهة المغرب.
وما بين كل واحدة من هذه المهاب فهي نكباء.
أما رياح البحر فأربع:
العاصف.
والقاصف.
والريح.
الطيبة.
وقد أخبر الله ﷿ عن رياح الرحمة بصيغة الجمع، لاختلاف منافعها من إثارة السحاب، وتلقيح النبات، ونقل البذور، وتغذية النبات: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ [الأعراف: ٥٧].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ [الروم: ٤٨ - ٥٠].
وأما ريح العذاب فإنها واحدة تُرسل من جهة واحدة لإهلاك ما أمرت بإهلاكه كالجيش العظيم الذي لا يقاومه شيء، ولها صفات في القوة بحسب جُرم من أرسلت عليه كالصرصر والنحس، والعاتية والعقيم: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾ [الحاقة: ٤ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [فصلت: ١٦].
وقد سخر الله للسحاب عدة رياح:
رياح تثيره، ورياح تحفظه.
ثم رياح تحمله في الجو كالجمل الذي يحمل الراوية.
ثم رياح يؤلف بين قطعه حتى يجتمع.
ثم رياح تلقحه بالماء.
ثم رياح تُسيره وتسوقه إلى حيث شاء الله.
ثم رياح تفرقه إذا نزل لئلا ينزل مجتمعاً فيهلك الدور والنبات والناس والزرع: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فسبحان الرب العظيم الذي خلق ما نراه كالسماء والأرض، وما لا نراه كالروح والريح، وجعل الكل تحت قبضته وقهره:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
التفكر في خلق الشمس والقمر والكواكب:
عظمة المخلوق تدل على عظمة الخالق ﷻ، والشمس آية من آيات الله العظيمة ومخلوقاته العجيبة التي نراها في كل يوم، فبطلوع الشمس وغروبها يصلح أمر العالم، فإذا طلعت تحرك الناس في معايشهم، ونضجت ثمارهم التي تخرج من أشجارهم، وإذا غربت هدأ الكون، واستراح الناس من التعب، ولو لم تغرب لكان الحرص الشديد على المعاش يحمل الناس على المداومة على العمل: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ [النبأ: ١٠ - ١١].
ولولا الغروب لحميت الأرض بدوام شروق الشمس، واحترق كل ما عليها من إنسان أو حيوان أو نبات، فمن ﵀ ﷿ أن جعلها تطلع في وقت، وتغيب في وقت، ليحصل العمل والهدوء.
وارتفاع الشمس وانخفاضها جعله الله سببًا لإقامة الفصول الأربعة التي تتم بها مصالح النبات والحيوان والإنسان، وهى الشتاء والربيع، والصيف والخريف.
أما حركة الشمس فبها ينشر الله النور والحرارة في العالم.
والله ﷿ أنار الكون كله بكوكبِ واحد فكيف بنوره ﷻ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].
فبحركة الشمس ينشر الله النور والحرارة في العالم، ولو كانت واقفة في مكان واحد لأشتد الحر في ذلك الموضع، واشتد البرد في سائر المواضع الأخرى، فاحترق من في الموضع الأول، وتجمد من في الموضع الثاني؛ ولكن الحكيم العليم الرحيم جعلها تجرى من جهة إلى جهة، فلا يبقى موضع مكشوف إلا أخذ حظه من الإنارة والحرارة:﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩) لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٤٠)﴾ [يس: ٣٨ - ٤٠].
فهم يسبحون في هذا الفضاء، ويعبدون الله بكمال طاعته سبحانه.
وأما منافع ميلها في حركتها عند خط الاستواء فلأجل أن تحصل منافعها للمخلوقات في كل بقعة.
فسبحان الخلاق العليم الحكيم في خلقه وتدبيره: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦].
والمشرق والمغرب للشمس والقمر فيه آيات عظيمة.
فالمشرق والمغرب في القرآن على ثلاثة أوجه:
الأول: مفرد يدل على جهة الشروق والغروب، كما قال سبحانه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ [المزمل: ٩].
الثاني: مثنى يدل على مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، فمشرق الشتاء تكون الشمس في أقصى الجنوب، ومشرق الصيف تكون الشمس في أقصى الشمال، وبينهما مسافات عظيمة لا يعلمها إلا هو: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ [الرحمن: ١٧].
الثالث: جمع إما باعتبار الشارق والغارب؛ لأن الشارق والغارب كثير، الشمس والقمر والنجوم، كل أولئك لهم مشرق ومغرب، أو باعتبار مشرق كل يوم ومغربه، لأن كل يوم للشمس والقمر مشرق ومغرب.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (٤٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٤١)﴾ [المعارج: ٤٠ - ٤١].
وخلق الله ﷿ الشمس كتلة عظيمة من اللهب، فسبحان من خلقها، وسبحان من ملأها بالنور وسبحان من ملأها بالحرارة وملا الكون بنورها، وهى أكبر من الأرض بأضعاف كثيرة لا يعلمها إلا الله، والمسافة بين الشمس والأرض مسافة عظيمة لا يعلمها إلا الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢)﴾ [العنكبوت: ٦٢].
وحرارة الشمس عند سطحها تقارب ستة ألاف درجة، وحرارتها في جوفها تقارب عشرين مليون درجة مئوية، ويمتد لهبها فوقها نص مليون كيلو متر.
والشمس تمد الكون بالنور والحرارة، وهى تجرى في الكون لا تقف أبدًا، ولا يصل للأرض من حرارة الشمس إلا النزر اليسير من حرارة الشمس وأما البقية فتصب في الفضاء العظيم الواسع الذي خلقه الله ﷿، وملأه بالنور، والحرارة، والبرودة، والهواء، ومع هذا القدر اليسير فكم فيه من البركة والخير لأهل الأرض.
والشمس حرارتها ونورها وجريانها وارتفاعها بمقدار، فلو ارتفعت قليلًا لتجمد كل شيء ولو نزلت قليلًا لتبخر كل شيء في الأرض: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٣].
***
مختارات

