الخزانة العاشرة..
• فقه الإيمان باليوم الآخر:
الدنيا دار الإيمان والعمل، و الآخرة دار الثواب والعقاب،فالآخرة خافضة رافعة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ [الواقعة: ١ - ٣]
والدنيا دار تكليف، و الآخرة دار تشريف، والدنيا دار تكميل محبوبات الرب من الإيمان، والتقوى، وأنواع العبادات والطاعات، و الآخرة دار تكميل محبوبات العبد من رؤية الرب، والقرب منه، وسماع كلامه، وأنواع الشهوات في الجنات.
إن الجسد وعاءٌ للنفس التي تسعد إذا آمنت وتشقى إذا كفرت، أما الروح فهي أداة تشغيل هذا الإنسان إذا وجدت في الجسم نطق اللسان وسمعت الأذن، وتحركت اليد، وأبصرت العين، فإذا خرجت تعطلت هذه الأجهزة عن العمل فمات الإنسان، وصار مجموعة من اللحم الذي يتعفن إن لم يُدفن: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾ [الذاريات: ٢١].
ففي الإنسان نفسٌ هي الخالدة التي تسعد بالإيمان بالله،وتشقى بالكفر والبعد عن الله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
أما الأجسام فهي أوعية تتشابه، فجسد النبي كجسد فرعون، وجسد المؤمن كجسد الكافر، من ناحية أعضاء الجسد، فالتشابه موجود، يدٌ كيد، ورجلٌ كرجل، ووجهٌ كوجه، فالأجساد البشرية متشابهة؛ لأنهم بنو رجلٌ واحد، وامرأةٌ واحدة.
والذي يميز بين النبي وفرعون، وبين المؤمن والكافر، هو الإيمان والتقوى، والذي يميز بين النبي وفرعون أن نفس النبي ﷺ آمنت بالله، وعرفت الله وتزكت بعبادة الله، واتصفت بالصفات التي يحبها الله، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
أما نفس فرعون، فنفسه بعيدة عن الله، وانقطاعها عن ربها جعلها تسفُل وتشقى، وتتألم وتتعذب، ونفس النبي علت وسعُدت بإيمانها بالذي خلقها: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٩].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧)ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) (٥)﴾ [الفجر: ٢٧ - ٢٨].
أما الكافر فشقي بكفره؛ لأنه لم يستعمل ما وهبه الله من آلاتٍ يعرف بها ربه: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
والروح من عالم الغيب لا يعلم ماهيتها إلا الله، ولكن تُعرف آثارها: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ [الإسراء: ٨٥].
والنفس البشرية هي التي تُحاسب يوم القيامة على ما تعمل وتختار.
قال الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ [الشمس: ٧ - ١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥٣)﴾ [يوسف: ٥٣].
والدنيا فيها للإنسان عدة خيارات: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (١) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ١ - ٣].
فإذا مات الإنسان فليس هناك في الآخرة إلا جنة أو نار:أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ [السجدة: ١٨ - ٢٠].
فليس من بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار، وكل مسلم يدخل المسجد طول عمره ليصلي، وسوف يدخل يومًا من الأيام، مرًة واحدة ليصلى عليه، وهناك تبدأ أحكام الدار الآخرة: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
ومن مات فقد قامت قيامته، وبدأت في حقه أحوال الآخرة في القبر من نعيم أو عذاب، فالقبر إما روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤].
واليوم الآخر يبدأ لكل إنسان من حين موته، فمن مات فقد قامت قيامته، وينتهي بالاستقرار في الجنة أو النار حسب إيمان الإنسان أو كفره.
﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ [الشورى: ٧].
ويبدأ اليوم الآخر بفناء هذا العالم بنفخة إسرافيل: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ [الزمر: ٦٨].
ثم بعد الحساب يكون القرار في دار القرار: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ [الروم: ١٤ - ١٦].
• آثار الإيمان باليوم الآخر:
من آمن بالله واليوم الآخر أطاع ربه فيما أمر به، واجتنب ما نهى الله عنه: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨].
والذي يكَذب باليوم الآخر لا يخرج منه خير: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ [الماعون: ١ - ٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
وقد أكثر الله ﷿ من ذكر الإيمان باليوم الآخر لعظمة هوله، وأنه مستقر الخلق إما في النعيم أو العذاب، ولأن من آمن به سارع إلى الطاعات، وابتعد عن المعاصي؛ ولأن الكفار كانوا ينكرون البعث بعد الموت، فكرر الله ذلك في القرآن، وكرره ليؤكد وقوعه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية: ٢٤].
وقال الكفار: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ [ق: ٣].
وكذا أهل الكتاب يؤمنون باليوم الآخر، ولكن تصوراتهم عنه غير صحيحة، ففصل الله أحوال اليوم الآخر، واليهود، والنصارى أسقطوا من التوراة والإنجيل كل ما يتعلق باليوم الآخر، فجاء القرآن ببيان كل ما يجري في ذلك اليوم من البعث والحساب والجزاء والصراط وغير ذلك.
ولأن النصارى يؤمنون بأن المسيح عيسى بن مريم هو الذي يحاسب الناس، ولأن إنكار البعث شائعٌ في الأمم السابقة فأكثر الله من ذكر البعث، وفصل أحواله من أجل ذلك: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨)﴾ [آل عمران: ١٣٨].
ولكثرة نسيان الخلق للموت وما بعد الموت، أكثر الله ﷿من ذكره ليتذكر الناس الموت، ويقوموا بالمسارعة إلي الطاعات، وكسب الحسنات، والحذر من المعاصي، فالحياة ساعة، وكل إنسانٍ يصبح على ظهر الأرض، ويمسي في بطنها: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٦].
ولا تكاد سورةٌ، أو صفحةٌ في القرآن إلا ذكر الله فيها اليوم الآخر، ويقرنه كثيرًا بالإيمان بالله، كما قال سبحانه:﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
وليس مع من أنكر البعث، واليوم الآخر، أي دليلٌ سوى قصور عقله، وجهله بربه، وسفاهته، فأنى للجاهل الفاني، أن يحيط بقدرة الملك، الحكيم، القادر، فماذا قال الكافر؟.
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٧٧ - ٨٣].
والإيمان باليوم الآخر دل عليه القرآن والسنة، والعقل والفطرة والحس: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧].
فسبحان القادر على خلق الصغير والكبير، وإخراج الضد من الضد، وإعادة ما شاء، متى شاء مرةً أخري: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم: ٢٧].
فما أجهل الكافر بقدرة الله القوي الجبار: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ [الرعد: ٥].
والله سبحانه رءوفٌ بالعباد، لا يترك الناس هملاً يفعلون ما يشاؤون من خير أو شر، ويظلم بعضهم بعضًا، ثم لا يحاسبون، ويبقون في هذه الدنيا كالبهائم بلا حدٍ ولا قيد، ولا أمرٍ ولا نهي، هذا ينافي حكمة الله العزيز الحكيم، وينافي عدله، وإحسانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ [المؤمنون: ١١٥].
وقد نزه الله نفسه أن يخلق خلقه هكذا هملًا: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ [المؤمنون: ١١٦].
وقد وصف الله الجنة، وأكثر من وصفها، ليُقبل الناس على الطاعات، وينفروا من المعاصي، وصف الله الجنة بالعلو والصفاء، والسرور والفُسحة، والسلام والسعادة، وحضور الملائكة المقربين، والخلود والنعيم، وغير ذلك من صفات الكمال والعزة: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (٢١) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣)تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (٢٦)﴾ [المطففين: ١٨ - ٢٦].
ووصف الله النار بالسفول، والظُلمة والضيق، ودار اللعنة والشقاء، وحضور إبليس والشياطين، وغير ذلك من صفات النقص، والذلة، كما قال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١)وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)﴾ [المطففين: ٧ - ١٧].
فسجين كتابٌ مرقوم، سجين هي النار، ومكانها تحت الأرض السابعة السفلى، وفيها إبليس وذريته وأتباعه،فسجين كتابٌ مرقوم فيه جميع أعمال الفجار: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾ [المطففين: ٨ - ٩].
وكتاب الأبرار فوق السموات مرقومٌ فيه جميع أعمال الأبرار.
***
مختارات

