الخزانة الأولى..
• أركان الإيمان ستة وهي:
أن تؤمن بالله.
وملائكته.
وكتبه.
ورسله.
واليوم الآخر.
والقدر خيره وشره.
• فقه الإيمان بالقضاء والقدر:
القدر هو: علم الله ﵎ بكل شيء، وبكل ما أراد إيجاده أو وقوعه من العوالم والخلائق، والأحداث والأشياء،وتقدير ذلك وكتابته كله في اللوح المحفوظ: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
والقدر سر الله في خلقه، لم يطلع عليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا ذكي فطن.
والإيمان بالقدر: هو التصديق الجازم بأن كل ما يقع في هذا الكون، وكل ما يقع من الخير والشر فهو بقضاء الله وقدره وإذنه، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، وهو الحكيم العليم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
• وأحكام الله على عباده ثلاثة أقسام:
أحدها: الحكم الكوني القدري الذي يجري على العبد بغير اختياره، ولا طاقة له بدفعه، ولا حيلة له في منازعته، كطوله، ولونه، وكونه ذكرًا أو أنثى، والأحداث والمصائب التي تجري بغير اختياره كالزلازل والبراكين، والعواصف، والغرق، والحرق، ونحو ذلك، فهذا حقه أن يُتلقى بالاستسلام والمسالمة، وترك المخاصمة، وأن يكون فيه العبد كالميت بين يدي الغاسل.
• وعليه فيه عبوديات أخرى:
وهي أن يشهد عزة الحاكم في حكمه، وعدله في قضائه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الكتاب الأول سبق بذلك قبل بدء الخليقة، فقد جف القلم بما سيلقاه كل عبد، فمن رضي فله الرضا،ومن سخط فله السخط: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
وقال النبي ﷺ: «وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ» أخرجه الطبراني.
ويشهد كذلك أن القدر ما أصابه إلا لحكمة اقتضاها اسم الحكيم ﷻ، وأن القدر قد أصاب مواقعه، وحل في المحل الذي ينبغي له أن ينزل به، وأن ذلك موجب أسمائه الحسنى، وصفاته العلا، وموجب حكمه وعدله وإحسانه إلى خلقه، فله عليه أكمل حمد وأتمه، كما له الحمد على جميع أفعاله وأوامره: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
الثاني: الحكم الكوني القدري الذي للعبد فيه كسب واختيار وإرادة، كقدر المرض، والجوع، والعطش، فهذا حقه أن يدفع وينازع بكل ممكن، ولا يسالم البتة، بل ينازع بالحكم الكوني أيضًا، فينازع حكم الحق بالحق للحق، فيكون منازعًا للقدر، لا واقفًا مع القدر، ويفر من قدر الله إلى قدر الله كما أمر الله، فقال: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠].
ويدفع قدر الله بقدر الله، فإذا جاء قدر الله من الجوع أو العطش، أو قدر الله من البرد أو الحر، أو قدر الله من الألم أو المرض، دفعه بقدر أخر من الأكل، والشرب، واللباس، والدواء، وهكذا لو وقع حريق في داره، فهو بقدر الله فلا يستسلم له، بل ينازعه ويدفعه، ويطفئه بالماء أو غيره من الأسباب، كما يطفئ قَدر الله بقدرِ الله، حتى يطفئ قَدر الله بقدرِ الله، وما خرج في ذلك عن قدر الله.
وهكذا لو أصابه مرض بقَدر الله دافع هذا القدر، ونازعه بقدرِ آخر، يستعمل فيه الأدوية الدافعة للمرض كما أمر الله، فما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه،وجهله من جهله: «فَتَداووا، ولا تَداووا بِحَرام» أخرجه أبو داود والترمذي.
فحق هذا الحكم الكوني القدري أن يحرص العبد على مدافعته ومنازعته بكل ما يمكنه من الأسباب التي نصبها الله وأمره بها، وهذا واجبه الشرعي في تلك الحال، أن يمتثل أمر الله، ويتعبد لله بامتثال أمره، فيكون قد دفع القدر بالقدر، ونازع الحكم بالحكم، وبهذا أُمر، بل هذا حقيقة الشرع والقدر.
فلو أن عدوًا للإسلام قصده، لكان هذا بقدر الله، ويجب على المسلم دفع هذا القدر بقدر يحبه الله ويأمر به، وهو الجهاد في سبيل الله بيده وماله وقلبه، دفعًا لقَدر الله بقدرِ الله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)﴾ [البقرة: ١٩٤].
الثالث: الحكم الديني الشرعي، وهو الدين الذي شرعه الله لعباده، فهذا حقه أن يتلقى بالتسليم والقبول، بل بالانقياد المحض، وترك المنازعة: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
وهذا تسليم العبودية المحضة، فلا يعارض، ولا يرى إلى خلافه سبيلًا البتة، وإنما هو الانقياد التام، والتسليم والإذعان، والقبول لما جاء به الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
وهذه هي حقيقة القلب السليم، الذي سلم من كل شبهة تعارض إيمانه وإقراره، وسلم من كل شهوة تنازع مراد الله من تنفيذ حكمه، فهذا حق الحكم الديني الشرعي: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
• فقه حقيقة الإيمان بالقضاء والقدر:
الطاعات والمعاصي كلها واقعة بقضاء الله وقدره، وإذنه وعلمه، وكلها عدل، والعدل: وضع الشيء في موضعه.
والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، كتعذيب المطيع ومن لا ذنب له، فهذا قد نزه الله نفسه عنه بقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ [النساء: ٤٠].
والله سُبْحَانَهُ هو الملك الحق الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، وهو سُبْحَانَهُ، وإن أضل من شاء وقضى بالمعصية والغي على من شاء، فذلك محض العدل فيه؛ لأنه سُبْحَانَهُ وضع الإضلال والخذلان في موضعه اللائق به، كما وضع الهداية والنصر في موضعه اللائق به، فالله أعلم حيث يجعل رسالته وهدايته.
فأفعاله سُبْحَانَهُ كلها حق وعدل، وسداد وصواب، ورحمة وإحسان، والله سُبْحَانَهُ قد أوضح السبل، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وأزاح العلل، ومكن من أسباب الهداية والطاعة، بالأسماع والأبصار والعقول، وهذا عدله، ووفق ﷿ من شاء بمزيد عناية، وأراد من نفسه أن يعينه ويوفقه فهذا فضله وإحسانه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١].
وخذل سُبْحَانَهُ من ليس بأهل لتوفيقه وفضله، وخلى بينه وبين نفسه، ولم يرد سُبْحَانَهُ من نفسه أن يوفقه، فقطع عنه فضله، ولم يحرمه عدله، إما جزاء منه للعبد على إعراضه عنه، وإيثار عدوه عليه في الطاعة، وتناسي ذكر الله وشكره، فهو أهل أن يخذله ويتخلى عنه، كما قال سُبْحَانَهُ:﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
وإما أن لا يشاء الله له الهداية ابتداءً، لعلمه منه سُبْحَانَهُ أنه لا يعرف قدر نعمة الهداية ولا يشكر الله عليها، ولا يثني عليه بها، ولا يحبها، فلا يشاءها له لعدم صلاحية محله لها، كما قال سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ [الأنفال: ٢٣].
فإذا قضى الله ﷿ على هذه النفوس بالضلال والمعصية، كان ذلك محض العدل، كما قضى على الحية والعقرب بأن تُقتل، وذلك محض الإحسان والعدل، وإن كان مخلوقًا على هذه الصفة لحكمة يعلمها الله.
وبسبب الجهل، وقلة المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، كثير من الخلق غير راضِ عن الله ﷿، معترض على أسمائه وصفاته وأفعاله، ومعترضُ على دينه وشرعه، ومعترضُ على قضائه وقدره، فما أسفه هؤلاء: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ [الأنعام: ٣٥].
واعرف ربك حقاً، لتؤمن به حقاً: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
حتى قال بعضهم: أرأيت إن منعني الله الهدى، وقضى عليا بالردى، أحسن إلي أم أساء؟.
فهذا و أمثاله يقال له: إن منعك الله ما هو لك فقد ظلم وأساء، وإن منعك ما هو له، فهو يختص برحمته من يشاء، وأعلم بمن يصلح لكرامته، فأنت مملوك لله: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
ويهون الرضا بما يقضيه الله من المصائب، علم العبد بأن تدبير الله خيرً من تدبيره، والرضا بالألم لما يُتوقع من جزيل الثواب المدخر، والرضا به لا لحظ وراءه، بل لكونه مراد المحبوب ﷻ.
فيكون ألذ الأشياء عنده ما فيه رضا محبوبه، ورضا ربنا ﷿أن يسلم العبد القلب والقالب لربه: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].
وعلى العبد أن يعمل عمل رجل يعلم أنه لا ينجيه إلا عمله،ويتوكل على ربه توكل رجل يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١].
فليس لأحد أن يصعد على السطح، ثم يلقي نفسه، ثم يقول:مقدر علي هذا، ولكن نتقي ونحذر، فإن أصابنا شيء علمنا أنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.
ولا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطئه لم يكن ليصيبه، والقدر الإلهي كله عدل ورحمة، وحكمة وإحسان: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
ففي كل حادثة سببان:
الأول: سبب ظاهري يحكم الناس على وفقه، وكثيرًا ما يظلمون ويخطئون.
الثاني: سبب حقيقي يجري القدر الإلهي على وفقه.
فإذا ألقي مثلًا أحد الأشخاص في السجن بتهمة السرقة التي لم يرتكبها، ولكن قضى القدر الإلهي عليه بسجنه لجناية له خفية، أو تربية له، فيعدل من خلال ظلم البشر له نفسه ويستقيم: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾ [النساء: ١٩].
وفي امتحان العلماء والدعاة والصالحين، انطواء على سببين:
أحدهما: خدمة الدين خدمة عالية فائقة، حتى أثار حفيظة أهل الدنيا والأعداء، وقد نظر البشر إلى هذا السبب، فحصل الظلم منهم.
الثاني: لما لم يبين كل منا إخلاصًا تامًا، ولا أظهر تساندًا في نصرة الحق، نظر القدر الإلهي إلى هذا السبب و عدل في حقنا رحمةً بنا.
إن كل شيء في هذا الكون إنما يحصل بقضاء الله وقدره خيرًا أو شرًا: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
فهل يرضى المسلم بما قدر الله من المعاصي التي نهى الله عنها؟.
جوابه: أننا لسنا مأمورين بأن نرضى بكل ما قضى الله وقدر، ولكننا مأمورون بأن نرضى بكل ما أمرنا الله أن نرضى به كطاعة الله ورسوله، وأن نرضى بدينه وشرعه، وأن نرضى بالقضاء الذي هو صفة الله أو فعله، لا بالمقضي الذي هو مفعوله، فإن الله لا يحب الفساد، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب المعاصي والفواحش:﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨].
فالمعاصي لها وجهان:
الأول: وجه إلى لعبد من حيث هي فعله وصنعه وكسبه.
الثاني: ووجه إلى الرب من حيث أنه هو قضاها وخلقها وقدرها، وأذن بوقوعها لحكمة يعلمها، فنرضى من الوجه الذي يضاف به إلى الله، ولا نرضى من الوجه الذي يضاف به إلى العبد: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ [القمر: ٤٩].
• اختيار الرب تعالى لعبده نوعان:
الأول: اختيار ديني شرعي، فالواجب على العبد أن لا يختار في هذا النوع غير ما اختاره الله له، لأن الله ﷿ أعلم بما يصلح العبد وما يفسده، وما ينفعه وما يضره: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ [الأحزاب: ٣٦].
الثاني: اختيار كوني قدري لا يسخطه الرب، كالمصائب التي يبتلي الله بها الناس، فهذا لا يضر الإنسان فراره منها إلى القدر الذي يدفعها عنه، ويدفعها ويكشفها كدفع قدر المرض بقدر الدواء، وقدر الجوع بقدر الأكل، بل هو مأمور بذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
وأما القدر الذي يسخطه الله، ولا يحبه ولا يرضاه، مثل قدر المصائب والمعاصي، فالعبد مأمور بسخطها، ومنهي عن الرضا بها، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾ [الأعراف: ٢٨].
ومشيئة الله ومحبته بينهما فرق، فقد يشاء الله ما لا يحبه، وقد يحب الله ما لا يشاء كونه.
فالأول: وهو أن يشاء ما لا يحبه، كمشيئة الله لخلق إبليس وجنوده، ومشيئته العامة لجميع ما في الكون مع بغضه لبعضه، كالنعم والمصائب، والطاعات والمعاصي.
الثاني: كمحبته إيمان الكفار، وطاعات الفجار، وعدل الظالمين، وتوبة الفاسقين، ولو شاء الله لوجد ذلك كله، فإن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون أبدًا، لأن الله بيده الملك وله الخلق والأمر كله، فإذا علم العبد أن القضاء غير المقضي، وأنه سبحانه لم يأمر عباده بالرضا بكل ما خلقه وشاءه، زالت الشبهات، ولم يبقى بين شرع الرب وقدره تناقض.
فالرضا بالقضاء الديني الشرعي واجب، وهو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان كما قال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٥].
والرضا بالقضاء الكوني القدري الموافق لمحبة العبد وإرادته ورضاه، من الصحة والعافية والغنى، واللذة، أمر لازم بمقتضى الطبيعة، لأنه ملائم للعبد موافق له، محبوب له:﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤]
فليس في الرضا به عبودية، بل العبودية في مقابلته بالشكر والاعتراف بالمنة، ووضع النعمة موضعها التي يحب الله أن توضع فيها، وألا يعصي المُنعم بها، وأن يرى التقصير في جميع ذلك.
والرضا بالقضاء الكوني القدري الجاري على خلاف مراد العبد ومحبته، مما لا يلائمه ولا يدخل تحت اختياره من المصائب والمكاره ذاك مستحب، فإن الله يختار لعبده ما يشاء، واختيار الرب أحسن من اختيار العبد، وهذا كالمرض والفقر، والحر والبرد وهذا الخلق له، ونحو ذلك من المصائب التي تصيب العبد: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
والرضا بالقدر الجاري عليه باختياره مما يكرهه الله، ويسخطه، وينهى عنه، كأنواع الظلم والفسوق والعصيان، محرم يعاقب عليه العبد، وهو مخالفة لله ﷿، فإن الله لا يرضى بذلك ولا يحبه ولا يأمر به، بل يكرهه ويسخطه وينهى عنه: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
• فقه أسرار الإيمان بالقضاء والقدر:
إن قيل: كيف يريد الله أمرا لا يحبه و لا يرضاه؟.
قيل الله ﷿ يكره الشيء ويبغضه في ذاته، ولا ينافي ذلك إرادته لغيره، وكونه سببًا إلى ما هو أحب إليه من غيره، كالمعاصي الموجبة للتوبة التي يحبها الله ويفرح بها، فقد خلق الله ﷻ إبليس الذي هو مادة لفساد الأديان، والأعمال، والأخلاق، والاعتقادات، والإرادات.
وهو سبب شقاوة العبيد، ووقوع ما يغضب الرب ﵎، فهو مبغوض للرب مسخوط له، لعنه الله وغضب عليه ومقته، ومع هذا فهو وسيلة إلى محاب كثيرة للرب تعالى ترتبت على خلقه، وجودها أحب إليه من عدمها، ومن هذه المحاب، أن تظهر للعباد قدرة الرب في خلق المتضادات.
فخلق سبحانه إبليس هذه الذات التي هي أخبث الذوات وشرها، في مقابلة خلق جبريل ﷺ التي هي أشرف الذوات، وسبب كل خير.
وكما خلق سبحانه الليل والنهار، والحر والبرد، والحياة والموت، والذكر والأنثى، والماء والنار، والخير والشر، ونحو ذلك، وخلق ذلك يدل على كمال قدرته وتدبيره وعزته وسلطانه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦].
فتبارك الله خالق هذا وهذا، ومدبر هذا وهذا، ومخرج المنافع والمضار من هذا وهذا.
ومنها ظهور آثار أسمائه وصفاته وأفعاله القهرية، كالقهار، وذو الانتقام، والعدل، وشديد العقاب، وسريع الحساب، والعزيز، والجبار، فإن هذه الأسماء والأفعال من كمال ذاته.
فلابد من وجود متعلقها، ولو كان الخلق كلهم على طبيعة الملائكة طاعات بلا معاصي، لم يظهر أثر هذه الأسماء والصفات والأفعال.
ومنها ظهور آثار أسمائه المتضمنة لحلمه، وعفوه، ومغفرته، ورحمته، وستره، وتجاوزه عن حقه، فلولا خلق ما يكره من الأسباب المفضية إلى ظهور آثار هذه الأسماء، لتعطلت هذه الحكم والفوائد.
ومنها ظهور آثار أسماء الحكمة والخبرة، فهو سبحانه هو الحكيم الخبير، الذي يضع الأشياء مواضعها، وينزلها منازلها اللائقة بها، فلا يضع الشيء في غير موضعه: ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ [الأنعام: ٨٣].
فلا يصح أن يضع الثواب موضع العقاب، ولا العقاب موضع الثواب، ولا العز مكان الذل، ولا الذل مكان العز، ولا يضع العطاء موضع الحرمان، ولا يضع الحرمان موضع العطاء، ولا الإنعام مكان الانتقام، ولا الانتقام مكان الإنعام وهكذا.
ولا يأمر بما ينبغي النهي عنه، ولا ينهى عما ينبغي الأمر به، فهو أعلم حيث يجعل رسالته، وأعلم بمن يصلح لقبولها، ويشكره على وصولها، وأعلم بمن لا يصلح لذلك: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾ [الأنعام: ٥٣].
وهو الحكيم من أن يمنعها أهلها، أو أن يضعها عند غير أهلها، فلو قدر عدم الأسباب المكروهة البغيضة له، لتعطلت هذه الآثار، ولم تظهر لخلقه، ولتعطلت تلك الحكم والمصالح المترتبة عليها، كالتوبة من الذنوب.
وفوتها شر من حصولها، وفواتها شرً من حصول تلك الأسباب، وهذا كالشمس، والمطر، والرياح، فهذه فيها من المصالح ما هو أضعاف أضعاف ما يحصل بها من الشر والضرر.
ومنها حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق إبليس لما حصلت، فإن الله يحب عبودية الجهاد، ولو كان الناس كلهم مؤمنين لتعطلت هذه العبودية وتوابعها من الموالاة في الله، والمعاداة فيه، وعبودية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعبودية الصبر، وعبودية مخالفة الهوى، وعبودية التوبة من الذنوب، وهكذا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾ [البقرة: ٢١٦].
ومنها عبودية التوبة والاستغفار، هو سبحانه يحب التوابين،ولو عُطلت الأسباب التي يتاب منها من المعاصي وغيرها لتعطلت عبودية التوبة والاستغفار: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
ومنها أن يتعبد الخلق لله بالاستعاذة من عدوه، وسؤاله أن يجيرهم منه، ويعصمه من كيده: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
ومنها عبودية مخالفة عدوه الشيطان، ومراغمته في الله، وإغاظته فيه، وهي من أحب العبودية إليه، فإنه سبحانه يحب من وليه أن يغيظ عدوه ويراغمه إرضاء لربه.
ومنها أن عبيده سبحانه يشتد خوفهم وحذرهم إذا رأوا ما حل بعدوه، لما خالف أمر ربه، بطرده ولعنه فيلزمون طاعة ربهم ولا يعصونه.
ومنها أن نفس اتخاذه عدوًا من أكبر أنواع العبودية لله وأجلها، وهو محبوب للرب، وهم ينالون ثواب مخالفته ومعاداته من ربهم.
ومنها أن الطبيعة البشرية مشتملة على الخير والشر، والطيب والخبيث، وذلك كامن فيها كمون النار في الزناد.
فخلق سبحانه الشيطان مستخرجا لما في طبيعة أهل الشر من القوة إلى الفعل، وخلق الرسل وأرسلهم إلى عباده، ليستخرجوا ما في طبيعة أهل الخير من القوة إلى الفعل.
فاستخرج أحكم الحاكمين ما في قوة هؤلاء من الخير الكامن فيها، ليرتب عليه آثاره، وما في قوة أولئك من الشر ليرتب عليه آثاره، وتظهر حكمته في الفريقين.
فالملائكة ظنت أن وجود من يسبح بحمده ويقدسه ويعبده أولى من وجود من يعصيه ويخالفه، فأجابهم سبحانه بأنه يعلم من الحكم والمصالح في خلق هذا الإنسان ما لا تعلمه الملائكة، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠]
فقد يريد الله أمراً لا يحبه ولا يرضاه؛ لأنه يفضي إلى ما يحبه ويرضاه ﷻ، ومن ذلك أن ظهور كثير من آيات الله، وعجائب صنعه، حصل بسبب وقوع الكفر والشرك من النفوس الكافرة الظالمة: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
كآية الطوفان، وآية الريح، وآية إهلاك ثمود بالصيحة، وآية انقلاب النار بردًا وسلامًا على إبراهيم، وآية قلع قرى قوم لوط، وقلبها عليهم، وآيات موسى مع فرعون وبني إسرائيل كفلق البحر، وانفجار عيون الماء من الحجر، وانقلاب العصا حية، ونحو ذلك من الآيات.
فلولا كفر الكافرين، وعناد الجاحدين، لما ظهرت هذه الآيات الباهرة، ومع ظهورها فما أقل من يؤمن بها:﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٤٠)﴾ [الشعراء: ١٣٩ - ١٤٠].
ومنها أن خلق الأسباب المتقابلة التي يقهر بعضها بعضًا، ويكسر بعضها بعضا، هو من شأن كمال الربوبية، والقدرة النافذة، والملك الكامل، وإن كان شأن الربوبية شاملًا كاملًا في نفسه، ولو لم تُخلق هذه الأسباب لكان ظهور آثارها وأحكامها في عالم الشهادة تحقيق لذلك الكمال الإلهي، فالعبودية والآيات والعجائب والفوائد التي ترتبت على خلق ما لا يحبه الله ولا يرضاه وتقديره ومشيئته أحب إليه سبحانه من فواتها وتعطيلها بتعطيل أسبابها.
فإن قيل: فإن كانت هذه الأسباب مرادة للرب، فهل تكون مرضية محبوبة له؟.
قيل: هو ﷾ يحبها من جهة إفضائها إلى محبوبه، وإن كان يبغضها لذاتها.
فإن قيل هل يمكن حصول تلك الحكم بدون هذه الأسباب؟.
قيل هذا سؤال باطل، إذ هو فرض وجود الملزوم بدون لازمه كفرض وجود الابن بدون الأب، والحركة بدون المتحرك، والتوبة بدون التائب.
وسر المسألة أن الرضا بالله يستلزم الرضا بأسمائه وصفاته، وأفعاله وأحكامه، ولا يستلزم الرضا بمفعولاته كلها، بل حقيقة العبودية أن يوافق العبد ربه في رضاه وسخطه، فيرضى منها بما يرضى به، ويسخط منها ما يسخطه.
فإن قيل كيف يجتمع الرضا بالقضاء الذي يكرهه العبد من المرض والفقر والإثم مع كراهته له؟.
قيل: لا تنافي في ذلك، فإنه يرضى به من جهة إفضائه إلى ما يحب، ويكرهه من جهة ألمه به، كالدواء الكريه الذي يعلم أن فيه شفاءه، فإنه يجتمع فيه رضاه به، وكراهته له.
فإن قيل: كيف يحب الله لعبده شيء، ولا يعينه عليه؟.
قيل: لأن إعانته عليه قد تستلزم فوت محبوب له أعظم من حصول تلك الطاعة التي رضيها له.
وقد يكون وقوع تلك الطاعة منه يتضمن مفسدة هي أكره إليه سبحانه من محبته لتلك الطاعة كما قال سبحانه عن المنافقين: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (٤٦)لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)﴾ [التوبة: ٤٦ - ٤٧].
والطاعة: هي موافقة الأمر الشرعي، لا موافقة القدر والمشيئة، ولو كانت موافقة القدر طاعة لله، لكان إبليس من أعظم المطيعين لله، ولكان قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط وقوم فرعون كلهم مطيعون لله، فيكون سبحانه قد عذبهم أشد العذاب على طاعته، وانتقم منهم لأجلها، وهذا غاية الجهل بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
والله ﷿ خالق كل شيء وربه ومليكه، والعبد مأمور بطاعة الله ورسوله ومنهي عن معصية الله ورسوله ﷺ، فإن أطاع ربه كان ذلك نعمة من الله يُثاب عليها، وإن عصا ربه كان مستحقًا للذنب والعقاب، وكان لله عليه الحجة البالغة، وكل ذلك كائن بقضاء الله وقدره.
لكن الله ﷿ يحب الطاعة، ويأمر بها، ويرغب فيها، ويثيب أهلها على فعلها، ويكرمهم، ويبغض المعصية، وينهى عنها، ويحذر منها، ويعاقب أهلها ويهينهم، وما يصيب العبد من النعم فالله أنعم بها عليه، وما يصيبه من الشر فبذنوبه، وكل ذلك كائن بمشيئة الله وقدره: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
فلا بد للعبد أن يؤمن بقضاء الله وقدره، وأن يوقن بشرع الله وأمره، فإذا أحسن حمد الله، وإذا أساء استغفر الله، وآدم ﷺ، لما أذنب تاب فاجتباه ربه وهداه: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وإبليس لما أذنب أصر واستكبر، واحتج بالقدر وكفر، فلعنه الله وأقصاه.
فمن أذنب وتاب كان آدميًا، ومن أذنب واحتج بالقدر كان إبليسيًا: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١].
***
مختارات

