الخزانة التاسعة..
• براهين البعث:
ذكر الله في القرآن الكريم أربعة براهين تدل على بعث الإنسان بعد الموت وهى مذكورة في سورة البقرة وهى كالتالي:
١ - برهان بدأ خلق الإنسان.
٢ - وبرهان خلق السموات والأرض.
٣ - وبرهان إحياء الأرض بعد موتها.
٤ - وبرهان إحياء بعض الأموات في الدنيا والناس ينظرون.
• وتكرر هذا في سورة البقرة خمس مرات:
أولًا: برهان بدأ خلق الإنسان.
فالذي خلقه أولًا قادرٌ على إعادته ثانيًا.
قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ [مريم: ٦٦ - ٦٧]
وقال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩]
الثاني: برهان خلق السماوات والأرض.
فمن خلق هذه الأجرام العظيمة، قادرٌ على إعادة هذا الإنسان الضعيف المسكين، كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ [الأحقاف: ٣٣].
الثالث: برهان إحياء الأرض بعد موتها.
فمن أحيا الأرض بعد موتها، فأنبتت من كل زوجٍ بهيج، قادر على إحياء الإنسان بعد الموت، كما قال سبحانه:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ [فصلت: ٣٩].
وقال الله ﷿: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ [الحج: ٥ - ٧]
الرابع: برهان إحياء بعض الأموات.
وقد ورد في خمسة مواضع من سورة البقرة، فمن أحيا نفسًا في الدنيا بعد أن ماتت، قادرٌ على أن إحياء جميع الأنفس في أي وقت، وهذه المواضع:
أولًا: بعث بني إسرائيل بعد موتهم، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾ [البقرة: ٥٥ - ٥٦].
ثانيًا: قتيل بني إسرائيل، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾ [البقرة: ٧٢ - ٧٣].
الثالث: الألوف الذين خرجوا خوفًا من الطاعون من بني إسرائيل، فأماتهم الله ثم أحياهم، كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ [البقرة: ٢٤٣]
الرابع: عزير وحماره، كما قال سبحانه: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾ [البقرة: ٢٥٩].
الخامس: طيور إبراهيم ﷺ التي أحياها الله بعد موتها، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾ [البقرة: ٢٦٠].
• فقه الإيمان باليوم الآخر:
هل عرفت أحدًا غير الله خلقك؟
قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
هل عرفت أحدًا غير الله ينعم عليك ويرزقك؟: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
هل عرفت أحدًا غير الله هداك؟
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ [الأنعام: ١٦١].
والله الذي لا إله غيره، ولا رب سواه، لو عرفت أحداً قادراً على عقوبتك لما عصيته، والله سبحانه عليمٌ بكل شيء، قديرٌ على كل شيء، يسمع كل شيء، ويرى كل شيء، وأنت عبده تحت قدرته وتصرفه، وهو عليمٌ بك لا يخفى عليه شيء من أمرك ولا شأنٌ من شئونك: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
فيا أيها الإنسان الغافل لو حذرك الطبيب من أكله تحبها؛ فإنك سوف تمتنع عنها حفاظاً على صحتك، فهل يكون الطبيب أصدق وأرحم عندك من الله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
فما أجهل وما أسفه من لم يؤمن بالله، ولم يؤمن باليوم الآخر: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾ [المؤمنون: ٧٤].
والإيمان باليوم الآخر من أعظم أركان الإيمان بعد الإيمان بالله، فمن آمن باليوم الآخر آمن بأنه سوف يقف بين يدي الله يوم القيامة، سيقف بين الذي خلقه ورزقه، وهداه وأسكنه في ملكه، وأطعمه من رزقه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وسوف تُسأل أيها الإنسان عن كل شيء فعلته لمَ فعلته؟، وعن كل شيء لمَ تفعله لمَ لم تفعله؟: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
ماذا سمعت؟، وماذا رأيت؟، وماذا أعطيت؟، ولما أعطيت؟ ماذا أجبتم المرسلين؟ وماذا كنتم تعبدون؟.
ماذا قلت؟
فإذا تيقنت أن الله سوف يسألك، وسوف يحاسبك، وسوف يثيبك أو يعاقبك حسب عملك، فإنك لابد أن تستقيم على أوامر الله، وتُخلص عملك لله، لتنال ثوابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)
نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
والكفار ليس لهم همٌ إلا الدنيا، ولا شأن لهم بالآخرة، فهمهم في الدنيا الغنى والجاه والمناصب، لماذا؟ لأنهم لا يعرفون الآخرة، ولا يؤمنون بها لذا يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾ [المؤمنون: ٣٧].
إنهم يعصون الله، ويتمرغون في الشهوات فقط لماذا؟: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (٢٧)﴾ [النبأ: ٢٧].
فيا أيها المسلم احذر أن تكون كالكفار الذين لا يرون إلا الدنيا، لا يرون إلا المال، لا يرون إلا التمرغ في الشهوات المختلفة في كل وقت: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧].
والمصيبة أن الشيطان غر أكثر المسلمين وجرهم إلى حياة الشهوات والبهائم، وزهدهم في الآخرة: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
والدنيا محسوسة نراها بالحواس الخمس:
السماء والأرض، والشمس والقمر، والنبات والحيوان والإنسان، والجبال والبحار، وكلها آيات: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٠ - ٢٢].
ومن تفكر في هذه المخلوقات وصل إلى ربه الذي خلها: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
أما الآخرة فهي خبرٌ ورد في القرآن، وهى من علم الغيب، فالمؤمن انتفع بالمحسوسات، وآمن بالخبر عن الغيب،والكافر يعيش في الدنيا ولا يؤمن بالآخرة: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن/ ٧].
• كيف يدخل الإيمان في القلب:
يدخل الإيمان إلى القلب من ثلاثة أبواب، أو من أحدهما:
باب المحسوسات.
وباب المعقولات.
وباب الإخباريات.
فأولاً: الأشياء المادية التي ظهرت عينها، وظهرت آثارها، دائرة الإيمان بها الحواس الخمس كالشمس والقمر، والجبال والأشجار و غيرها من الأشياء المحسوسة، فهذه تُدرك كُلها بالحواس الخمس، والنظر والتدبر فيها من أعظم وسائل الإيمان، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾ [الأنبياء: ٣٠].
ثانيًا: الأشياء التي غابت عينها، وبقيت آثارها، أداة الإيمان بها العقل، ومهمة العقل أن يرى أو يسمع شيئًا محسوسًا، ثم يحكم على صانعه كالبناء يدل على الباني، فيرى المحسوس، ويستنبط منه شيئًا غائبًا عنه.
فالأثر يدل على المؤثر، والصور تدل على المصور، والخلق يدل على الخالق، والنعم تدل على المُنعم وهكذا، والله سبحانه لا يُرى وهو يرى كل شيء من مخلوقاته: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
فالله سبحانه لا تُرى ذاته، ولكن نرى آياته ومخلوقاته، ونرى آثار أفعاله.
فالمخلوقات كلها تدل على الخالق، والنعم كلها تدل على المُنعم، والصور تدل على المُصور، فكل الكون أثرٌ من أفعال الله ﷿، فيمكن أن تؤمن بالله بعقلك: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
فخلق الله في الإنسان العقل، ليكون أداة للإيمان بالله، فالكون كله يدلك على الله الذي خلقك، فإذا أعملت عقلك في الكون قال لك العقل: لابد لهذا الكون من مُكون، ولابد لهذا الخلق من خالق وهنا انتهى دور العقل:﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ [البقرة/ ١٦٤].
ثالثًا: الشيء الذي غابت عنك عينه، وغابت عنك آثاره، فأداة الإيمان به هو الخبر الصادق عن الله ورسوله كأخبار اليوم الآخر والجنة والنار، فالقرآن أخبرك عن اليوم الآخر، والوعد والوعيد، فكل شيءٍ عجز عنه العقل أخبرك الله به بالنقل والوحي: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله ﷿: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢ - ٣].
فالإيمان باليوم الآخر إيمانٌ إخباري، والإيمان بالله ورسوله إيمانٌ عقلي، والإيمان بالله عن طريق الأشياء إيمانٌ حسي.
والحقيقة أن الإيمان بالآخرة إيمانٌ إخباري وعقلي، ففي هذه الدنيا الحظوظ موزعة بين الناس فشقيٌ وسعيد، وغني وفقير، وظالمٌ ومظلوم، فالعقل يقول: لابد من يوم يُثاب فيه المُحسن على إحسانه، ويُعاقب الظالم على ظلمه:﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢ - ٩٣].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦)﴾ [الغاشية: ٢٥ - ٢٦].
وأعقل الناس من جعل له في الآخرة مُلكًا ينعم به، في مقعد صدق عند مليكٍ مقتدر: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
أعقل الناس من عمر دنياه بما يحبه الله ويرضاه، فإذا قدم على ربه وجده ولقاه: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن/ ٧].
***
مختارات

