الخزانة الثامنة..
• خلود أهل الجنة والنار:
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٠٧)﴾ [هود: ١٠٦ - ١٠٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ [النساء: ١٢٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ [المائدة: ٣٦ - ٣٧].
وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: «إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ثُمَّ يُذْبَحُ ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا مَوْتَ وَيَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ».
متفق عليه.
• أكثر أهل الجنة والنار:
الرجال في الجنة أكثر من النساء، والنساء في النار أكثر من الرجال، والحور أكثر من الرجال في الجنة.
عن ابن عمر ﵁ قال: أن رسول الله ﷺ قال: «اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاء».
متفق عليه.
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﷺ: «أُرِيْتُ النَّارَ، فَإذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ يَكْفُرْنَ، قِيلَ أَيَكْفُرْنَ بِاللهِ؟، قَالَ:يَكْفُرنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إلَى إحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيئاً، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيراً قَطُّ».
متفق عليه.
وعن عمران ابن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إن أَقل سَاكنيِ الجنة النِسَاءِ».
أخرجه مسلم.
وعن ابن هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إنّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إضَاءَةً، لا يَبُولُونَ، وَلا يَتَغَوَّطُونَ، وَلا يَتْفِلُونَ، وَلا يَمْتَخِطُونَ، أَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَرَشْحُهُمُ المِسْكُ، وَمَجَامِرُهُمُ الألُوَّةُ، وَأَزْوَاجُهُمُ الحُورُ العِينُ، عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيْهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعاً فِي السَّمَاءِ».
متفق عليه.
• حجاب الجنة والنار:
عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ».
متفق عليه.
قرب الجنة والنار:
عن عبد الله ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، والنار مثل ذلك».
أخرجه البخاري.
• احتجاج الجنة والنار؛ وحكم الله بينهما:
عن أبى هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «تَحَاجَّتِ النَّارُ، وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ، وَالْمُتَجَبِّرِينَ،وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ، وَسَقَطُهُمْ، وَعَجَزُهُمْ، فَقَالَ اللهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ مِلْؤُهَا».
متفق عليه.
• اتقاء النار وطلب الجنة:
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١)وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣١ - ١٣٢].
وعن عدى أبن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ ذكر النار فأشاح بوجهه وتعوذ منها، ثم ذكر النار فأشاح بوجهه فتعوذ منها ثم قال: «اتّقُوا النّارَ ولَو بشِقّ تَمرَة فمَن لم يجِدْ فبكَلِمةٍ طيبة».
متفق عليه.
وعن أبى هريرة ﵁ إن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَأْبَى قَالَ مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى».
متفق عليه.
اللهم إنا نسألك الجنة، وما قرب إليها من قولٍ أو عمل، ونعوذ بك من النار، وما قرب إليها من قولٍ أو عمل: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].
﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾ [المؤمنون: ١٠٩].
﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم/ ٨].
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر: ١٠].
اللهم يا من بدأ خلقي، وساق إلى رزقي، وشق سمعي وبصري، ارحم ضعف بدني، وشدة فاقتي، يا أرحم الرحمين.
اللهم يا كريم يا رحمن يا رحيم ارحم وجوهًا خرت لعظمتك ساجدة، و ألسنةً نطقت بتوحيدك وذكرك، ولهجت بحمدك وشكرك، وقلوبًا ذلت لعز ربوبيتك وألوهيتك خاشعة.
وعقولًا تصاغرت لكبريائك خائفة، وعيونًا من خشيتك باكية وجوارحًا سعت إلى أماكن عبادتك طائعة، يا واسع الرحمة، يا سريع الرضا، يا مجيب الدعاء.
اللهم يا مالك الملك العظيم نحن عبادك الضعفاء نسألك ألا تحرق أبداننا بنار السموم، ولا تسلط نار جهنم على وجوهنا، يا رب العالمين، يا أرحم الراحمين، يا راحم المساكين، ارزقنا الجنة وما قرب إليها من قولٍ أو عمل، وأجرنا من النار وما قرب إليها من قولٍ أو عمل.
اللهم إنا نسألك برحمتك التي وسعت كل شيء، وبقوتك التي قهرت بها كل شيء، وبعزتك التي لا يقوم لها شيء، وبعظمتك التي ذل لها كل شيء، وبوجهك الباقي بعد فناء كل شيء أن تنصر دينك، وكتابك، وسنة نبيك، وعبادك المؤمنين، وأن ترزقنا الجنة، وتنجينا من النار، يا أكرم الأكرمين.
• فقه الإيمان باليوم الآخر:
الإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان.
وأصحاب العقول والفطر السليمة يؤمنون أن هذه الحياة الدنيا لا يمكن أن تبلغ فيها الإنسانية كمالها وسعادتها، ولا يمكن أن يبلغ فيها العدل تمامه، مهما اجتهد الناس في العدل والفضائل.
بل لابد من حياة أخرى يتحقق فيها الكمال المقدر للإنسان والعدل المطلق على الأعمال، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فليس الموت هنا هو نهاية المطاف، بل إن الموت ما هو إلا مرحلة من المراحل التي يمر بها الإنسان؛ فقد كان في عالم الغيب قبل أن يستقر في رحم أمه، ثم انتقل إلى عالم الشهادة في الدنيا، ومنها إلى رحم الأرض في القبر، ثم الانتقال إلى عالم الغيب عند قيام الساعة وهناك يستقر في دار القرار، في الجنة أو النار.
وعلم الساعة غيبٌ من جملة الغيب، الذي استأثر الله بعلمه فلم يطلع عليه أحدًا من خلقه لا ملك مقرب، ولا نبيٌ مرسل، ولا ذكىٌ فطن، ليبقى الناس من الساعة على حذر دائم، وتوقع دائم، واستعداد كامل، لاتخاذ الزاد المناسب ليوم القيامة: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٦].
ومن رحمة العزيز الرحيم أن وضع لها أمارات، وعلامات تدل على قرب حدوثها تذكيرًا بليغًا مُشاهدًا للعباد، مؤذنًا بدنوها، ودعوة لهم للتأهب لما بعد الموت بالإيمان والعمل الصالح.
وبقيام الساعة ينتهي عالم الشهادة الحاضر، ويبدأ يوم القيامة بكل أهواله، فالساعة هي موعد الحكم العدل بين الخلق، والموعد المرتقب للجزاء الكامل على الأعمال:﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ [طه: ١٥ - ١٦].
ولا ريب في وقوع الساعة ومحاسبة الخلق كما أكده ﷾بقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧)﴾ [التغابن/ ٧].
وفى قوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ [غافر: ٥٩].
وقد بين الله ﷿ أن وقت قيام الساعة قريبٌ، لنستعد لها بطاعة الله ورسوله كما قال سبحانه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ [القمر: ١].
ولقربها الشديد أخبر الله تعالى عنها كأنها قد وقعت فقال:﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ [النحل: ١].
وقال النبي ﷺ: «بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ».
متفق عليه.
وما بقى من الزمن بعد بعثة النبي ﷺ بمقدار ما تزيد الأصبع الوسطى عن السبابة، ولكن مقياس الزمن عند الله فلا نستعجل، فكل آتِ قريب: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ [الحج: ٤٧].
والساعة جزءٌ من أربعة وعشرين جزءاً من الليل أو النهار، وجمعها ساعات، هذا هو المعروف عُرفًا.
والساعة هي الوقت الذي تقوم فيه القيامة، سميت بذلك لقربها، وسرعة الحساب فيها.
• والساعة تطلق على ثلاث معاني:
الأولى: الساعة الصغرى، وهى موت الإنسان، فمن مات فقد قامت قيامته.
الثانية: الساعة الكبرى، وهى القيامة الكبرى التي يُبعث فيها الناس من قبورهم للحساب والجزاء ثم القرار في دار القرار في الجنة أو النار.
الثالثة: الساعة تطلق أحيانًا ويراد بها موت أهل القرن الواحد.
الإيمان باليوم الآخر هو الركن الخامس من أركان الإيمان.
• والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:
الأول: الإيمان بأن اليوم الآخر لابد كائن.
الثاني: الإيمان بما سيكون في هذا اليوم العظيم من الأهوال، والحساب والموازين، والصراط والحوض، والجنة والنار.
الثالث: الإيمان بما سيكون في القبر من فتنة القبر، وسؤال الملكين الميت عن ثلاثة أشياء:
من ربك؟.
وما دينك؟.
من نبيك؟.
والساعة لا تقوم إلا على شرار الخلق، فيقُبض الصالحون الأمثل فالأمثل، حتى ينعدم أصل التوحيد في العالم؛ ولا يقال في الأرض الله الله، ويعود الناس إلى جاهليتهم الأولى، ويصبحون عبيدًا لشهواتهم، ويتلاعب بهم الشيطان، ثم يأمرهم بعبادة الأوثان، والتسافد في الطرقات، فالساعة تقوم على شرار الخلق.
أما أهل الإيمان فتأتى ريح تهب عليهم، فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة، ويُحشر الناس إلى ربهم في يوم القيامة.
• صفة الحشر يوم القيامة:
الحشر على قسمين:
أحدهما: حشر المؤمنين.
الثاني: حشر الكافرين.
حشر المؤمنين: يحشر المؤمنون إلى ربهم وفداً مكرمين: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ [مريم: ٨٥].
ويحشر الكفار إلى نار جهنم، ويحشر الكفار على وجوههم عميًا وبكمًا وصمًا في مبدأ الأمر، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ [الإسراء: ٩٧].
ثم يرد الله على الكفار سمعهم وأبصارهم ونُطقهم زيادة في عذابهم فيرون النار كما قال سبحانه: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ [الكهف: ٥٣].
ويتكلمون، كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ [السجدة: ١٢].
وبعد الحشر يكون الحساب، فقد جعل الله الدنيا دار الإيمان والعمل، وجعل الآخرة دار الجزاء والحساب، والله وحده مالك يوم الدين؛ إذ لابد من يوم يظهر الله فيه عدله في التفريق بين المحسن والمسيء، وبين المطيع والعاصي، وبين المؤمن والكافر، وبين الظالم والمظلوم، وذلك هو يوم البعث والجزاء، يوم العدل الذي يحكم الله فيه بين العباد فلا ظلم ولا جور.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ [النجم: ٣١].
ومن سلط الظالم على المظلوم وآذن له ثم إنه لا ينتقم منه، فذلك أما للعجز أو للجهل أو لكونه راضيًا بذلك الظلم، وهذا كله مُحالٌ في حق الله ﷻ، فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين ويجازى المحسن على إحسانه، ويحاسب المسيء على إساءته، فلما لم يحصل ذلك في الدنيا؛ وجب أن يحصل في الدار الآخرة، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾ [القلم: ٣٥ - ٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ [إبراهيم: ٤٢].
***
مختارات

