الخزانة التاسعة..
• فقه الإيمان بالرسول ﷺ.
يجب على كل مسلم أن يؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
ودين الله الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه واحد؛ هو الإسلام، كما قال ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩].
وهذا الدين لا يقبل الله غيره بعد نزوله على محمد ﷺ:﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
أما الشرائع فمختلفة، وقد اكتملت ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلمفلا يقبل الله بعدها من أحدٍ غيرها، كما قال ﷿: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾ [المائدة: ٤٨]
وأول واجب بعد معرفة الله معرفة كتبه ورسله التي نعبد الله بموجبها، فكما يجب علينا أن نؤمن بالله ربًا وملكًا وإلهًا، فكذلك يجب علينا الإيمان بالرسول ﷺ نبيًا ورسولًا: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
ونؤمن بما أرسله الله به: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦) وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧) وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٤٨)﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٨].
الواجب الثاني: كما يجب علينا أن نوحد الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ونوحده بعبادته وحده لا شريك له، فكذلك يجب علينا توحيد الرسول ﷺ بالإتباع، وتوحيده بالإتباع يكون بخمسة أمور هي:
إتباعه صلى الله عليه وسلمفي نيته وفكره، وفي توحيده وإيمانه، وفي أقواله الحسنة، وفي أعماله الصالحة، وفي أخلاقه العظيمة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
ومن آمن بالله، واتبع غير رسول الله، فقد ضل سواء السبيل: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
الثالث: قد جمع الله محاسن الأقوال والأعمال والأخلاق في الأنبياء والرسل، ثم جمعها في سيد الأنبياء والرسل محمدٍ ﷺ، ثم أثنى عليه بها فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
ثم فرق الله تلك المحاسن والأخلاق في أمة سيد الأنبياء والرسل، ثم أثنى عليهم بها فقال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (١١٠)﴾ [آل عمران: ١١٠].
فالرسول ﷺ أسوة حياة، ومبلغ رسالة، فيجب علينا الاقتداء به في كل ذلك: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الرابع: توحيد الرسول ﷺ في الإتباع.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾ [الفتح: ٨ - ٩].
فكما يجب علينا أن نؤمن ونعرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، كما قال سبحانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
فكذلك يجب علينا أن نؤمن ونعرف رسول الله صلى الله عليه وسلمبأسمائه وصفاته وأفعاله وأخلاقه، لنقتدي به:﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
الخامس: كما يجب علينا أن نعلم أن الله هو الرحمن الرحيم، فكذلك يجب علينا أن نعلم أن أرحم الخلق بالخلق هم الأنبياء والرسل، لكمال معرفتهم بالله، وما يحبه ويرضاه، وأعظمهم رحمةً بالخلق إمامهم وسيدهم الذي أرسله الله رحمةً للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧].
وصفه ربه بكمال الرحمة فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فعلينا أن نتخلق بأخلاقه، ونتأدب بآدابه، لأنه أسوة لكل مسلم
السادس: ومن سأل ربه الهداية صادقًا هداه، وفتح له أبواب معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وفتح له أبواب معرفة حياة رسوله ﷺ، ليعبد ربه حقًا كأنه يراه، ويتمكن من الاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلمفي جميع أحواله:﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)﴾ [النساء: ٦٩ - ٧٠].
السابع: معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله معرفةً علمية إيمانية، تثمر تكبير الله وتعظيمه، وحمده وشكره، ومحبته وعبادته، وتصديق أخباره، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وتوحيده والإيمان به: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وكذلك معرفة الرسول ﷺ، ومعرفة أقواله وأفعاله وأخلاقه وسنته، تثمر الإيمان به، وتصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبد الله إلا بما شرع: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].
• أصول أخلاق الرسول ﷺ.
فرق الله أحسن الأخلاق، وأجمل الصفات، في الأنبياء والرسل، ثم جمعها في سيد الأنبياء والرسل، ثم فرقها في أمة سيد الأنبياء والرسل، فكانوا خير أمةٍ أُخرجت للناس.
وأخلاق النبي صلى الله عليه وسلمأحسن الأخلاق،وأجمعها وأكملها: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وأخلاق النبي ﷺ تقوم على ستة أصول هي:
الأول: رجاحة عقله ﷺ، وصحة رأيه، وصدق فراسته، وصواب تدبيره، وحسن تآلفه للناس: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران: ١٥٩].
فما استُغفِل صلى الله عليه وسلمفي مكيدة، ولا استُعجِز في شديدة، حكيمٌ حليمٌ يضع الأمور مواضعها، فصلوات الله وسلامه عليه.
الثاني: ثباته في الشدائد وهو مطلوبٌ من أعدائه، وصبره على البأساء والضراء وهو مكروب، نفسه مع اختلاف الأحوال ساكنة، لا يجور في شديدة، ولا يستسلم لعظيمة، وهو مع الضعف يصبر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي، وقد لقي من قريش صنوف الأذى وما تشيب له النواصي، كما قال ﷺ: «لَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَأُخِفْتُ فِي اللَّهِ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ» أخرجه أحمد.
والله يصبره ويقول له: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ [الروم: ٦٠].
ينتقل ﷺ من محنةٍ إلى محنة أشد، ومن عظيمةٍ إلى عظيمةٍ أشد، وهو ثابت، لكمال إيمانه بربه، وكمال يقينه عليه، وكمال ثقته بالله، ورضاه بما قدّره، كلما ازداد بلاؤه ازداد رضاه عن ربه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
الثالث: زهده ﷺ في الدنيا، وإعراضه عنها، وقناعته منها باليسير، فلم يمل إلى خضرتها، ولم تلهه حلاوتها، وقد ملك من أقصى الحجاز إلى أقصى العراق، ومن أقصى اليمن إلى أقصى عمان، ومع ذلك كان أزهد الناس في ما يقتني، وأعرضهم عن كل ما يلهي.
وكان يمر عليه الشهر والشهران وما يوقد في بيته نار، لم يحفر بئرًا، ولم يجرِ نهرًا، ولم يشيد قصرًا، ولم يورث أهله مالًا أو متاعًا، ليصرفهم عن الدنيا كما صرف نفسه عنها، رضي من الدنيا بالميسور النزر، وقنع منها بالعيش الكدر، فصلوات الله وسلامه عليه.
الرابع: تواضعه ﷺ، فهو أشد الناس تواضعًا للناس، وكان هينًا لينًا لطيفًا، تأخذه الجارية، وتأخذ بيده الجارية حيث شاءت، لا يمنعها، وهو سيد الخلق، يمشي في الأسواق، ويجلس على التراب، ويخفض الجناح، ويتواضع للأصحاب، ولم يتميز بطعامٍ، أو شرابٍ، أو لباسٍ، أو مركوبٍ، أو دار، ولكن تميز بالتواضع والحلم، والصبر والرحم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
الخامس: حلمه ووقاره، فلم يكن بالطائش ولا المُستَفَز، بل كان أحلم الناس مع كل الناس أعداؤه وأتباعه، ابتلي بجفوة الأعراب، واستكبار الأشرار، وكيد الكافرين، وحسد الكافرين، ومكر اليهود والمنافقين، فكان أحلم الناس على الناس، يُظلم فيصبر، ويؤذى فيحلُم،ويسلب حقه فيعفو: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
السادس: حفظه للعهد ووفاؤه بالوعد، فما نقض عهدًا، ولا أخلف وعدًا أبدًا، يرى النقض والغدر من مساوئ الأخلاق، فما كان خائنًا ولا غادرًا ولا ناكثًا، هو صلى الله عليه وسلمأكرم الناس بماله، ونفسه، ووقته، وخُلُقه،فصلوات الله وسلامه عليه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
مراتب الأنبياء والرسل.
الله ﷿ خص كل طائفةٍ من الأنبياء والرسل بنوعٍ من الإكرام والفضل ومحاسن الأخلاق:
الأولى: مرتبة الملك والسلطان والقوة، وقد أعطى الله داوود وسليمان من هذا الباب نصيبًا عظيما.
الثانية: مرتبة البلاء الشديد، والمحنة العظيمة، وقد خصّ الله أيوب ﷺ بهذه المرتبة العظيمة.
الثالثة: مرتبة من جمع بين الملك، وشدة البلاء، وهو يوسف ﷺ فإنه نال البلاء العظيم في أول الأمر، ثم وصل إلى الملك في آخر الأمر، فقال زاهداً فيه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ [يوسف: ١٠١].
الرابعة: قوة المعجزات، وكثرة البراهين الدالة على وحدانية الله، والمهابة العظيمة، والصولة الشديدة، والتخصيص بالتكريم، والتكليم، والتقريب، وهذا كان في حق موسى وهارون عليهما الصلاة والسلام: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ [النساء: ١٦٤].
الخامسة: الزهد الشديد، والإعراض عن الدنيا وزينتها، وترك مخالطة الخلق إلا فيما فرض الله من الدعوة إليه، وإقامة شعائره، وهذا كان في حق زكريا ويحيى وعيسى والياس، ولهذا وصفهم الله بالصالحين.
السادسة: الأنبياء الذين لم يبق لهم أتباعٌ من الخلق، وهم إسماعيل واليسع ويونس ولوطًا، كما قال سبحانه: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٤) وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (٨٦) وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨) أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾ [الأنعام: ٨٣ - ٨٩].
السابعة: من جمع هذه الفضائل والصفات، وأعطي منها حظًا عظيمًا وهو سيد الخلق محمدٌ صلى الله عليه وسلمالذي أمر الله الناس جميعًا بالاقتداء به إلى يوم القيامة: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال ﷿ عن أخلاقه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وفي هذه الإكرامات والفضائل والأخلاق يقول الله ﷿لنبيه ﷺ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
***
مختارات

