فقه حمل الأمانة (٤)
إن الإيمان أمانة الله في الأرض، ولا بدَّ من الابتلاء، ليعلم الله الصادق من الكاذب كما قال سبحانه: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)} [العنكبوت: ٢، ٣].
ومن الفتن أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله، ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدافع عنه، ولا يملك النصر لنفسه ولا المنعة، ولا يجد القوة التي يواجه بها الطغيان.
وهذه هي الصورة البارزة للفتنة، ولكنها ليست أعنف صور الفتنة، فهناك فتن كثيرة في صور شتى، ربما كانت هي أمر وأدهى.
هناك فتنة الأهل والأحباء الذين يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه، وهو لا يملك عنهم دفعاً.
وقد يهتفون به ليسالم أويستسلم، وينادونه باسم الحب والقرابة، واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى أو الهلاك.
وهناك فتنة إقبال الدنيا على المبطلين، ورؤية الناس لهم ناجحين ومرموقين، تهتف لهم الدنيا، وتصاغ لهم الأمجاد، وهو مهمل منكر لا يحس به أحد، ولا يحامي عنه أحد، ولا تقضي له حاجة، ولا يشعر بقيمة الحق الذي معه، إلا القليلون من أمثاله، الذين لا يملكون من أمر الحياة شيئاً.
وهناك كذلك فتنة الغربة في البيئة، حين يرى المؤمن كل من حوله غارقاً في تيار الضلالة، سابحاً في بحر الشهوات، وهو وحده موحش غريب طريد.
وهناك كذلك فتنة من نوع آخر، فتنة أن يجد المؤمن أمماً ودولاً غارقة في الرذيلة، وهي مع ذلك راقية في مجتمعها، يجد الفرد فيها من الرعاية والحماية ما يناسب قيمة الإنسان، ويجدها غنية قوية، وهي مشاقة لله ورسوله.
وهناك فتنة أكبر من هذا كله، إنها فتنة النفس والشهوة، وجاذبية الأرض، والرغبة في المتاع والسلطان، وفي الدعة والراحة، وصعوبة الاستقامة على صراط الله، مع المعوقات والمثبطات في أعماق النفس، وفي ملابسات الحياة، وفي منطق البيئة.
فإذا طال الأمد، وأبطأ نصر الله، كانت الفتنة أشد وأقسى، وكان الابتلاء أشد وأعنف، ولم يثبت إلا من عصم الله.
وهؤلاء هم الذين يحققون في أنفسهم حقيقة الإيمان، ويؤتمنون على تلك الأمانة الكبرى.
أمانة السماء في الأرض.
وأمانة الله في قلب الإنسان.
وما بالله حاشا لله أن يعذب المؤمنين بالابتلاء.
وأن يؤذيهم بالفتنة.
ولكنه الإعداد الحقيقي لتحمل الأمانة.
فهي في حاجة إلى إعداد خاص لا يتم إلا بالمعاناة العملية الشاقة.
وإلا بالاستعلاء الحقيقي على الشهوات.
وإلا بالصبر الحقيقي على الآلام.
وإلا بالثقة الحقيقية في نصر الله أو في ثوابه.
على الرغم من طول الفتنة.
وشدة الابتلاء.
واقتحام الأهوال.
والنفس تطهرها الشدائد، فتنفي عنها الخبث، وتستجيش كامن قواها، وتطرقها بعنف وشدة فيشتد عودها.
وكذلك تفعل الشدائد بالمؤمنين، فلا يبقى صامداً إلا أصلبهم عوداً، وأشدهم اتصالاً بالله، وثقة فيما عنده.
وهؤلاء هم الذين يسلمون الراية في النهاية مؤتمنين عليها، بعد الاستعداد والاختبار.
وإن هؤلاء الأخيار ليتسلمون الأمانة، وهي عزيزة على نفوسهم بما أدوا لها من غالي الثمن، وبما بذلوا لها من الصبر على المحن، وبما ذاقوا في سبيلها من الآلام والتضحيات.
فهؤلاء هم الذين يشعرون بقيمة الأمانة، فلا يهون عليهم أن يسلموها رخيصة، بعد كل هذه التضحيات والآلام.
فأما انتصار الإيمان والحق في النهاية، فأمر تكفل به الله، وما يشك مؤمن في وعد الله، فإن أبطأ فلحكمة مقدرة فيها الخير للإيمان وأهله، وليس أحد بأغير على الحق وأهله من الله.
وحسب المؤمنين الذين تصيبهم الفتنة.
ويقع عليهم البلاء.
أن يكونوا هم المختارين من الله، ليكونوا أمناء على حق الله ودينه، وأن يشهد الله لهم بأن في دينهم صلابة.
فهو يختارهم للابتلاء حسب إيمانهم.
سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أشد الناس بلاء؟ فقال: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» أخرجه الترمذي وابن ماجه (١).
والذين يفتنون المؤمنين ويعملون السيئات، فما هم بمفلتين من عذاب الله ولا ناجين مهما انتفخ باطلهم وانتفش: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)} [العنكبوت: ٤].
فلا يحسبن مفسد أنه مفلت ولا سابق، ومن يحسب هذا فقد ساء حكمه، وفسد تقديره: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)} [النساء: ١٢٣].
فإن الله عزَّ وجلَّ الذي جعل الابتلاء سنة، ليمتحن إيمان المؤمن، ويميز بين الصادقين والكاذبين، هو الذي جعل أخذ المسيئين سنة لا تتبدل ولا تتخلف ولا تحيد.
وإذا كانت الفتنة سنة جارية لامتحان القلوب، وتمحيص الصفوف، فخيبة المسيئين، وأخذ المفسدين، سنة جارية لا بدَّ أن تجيء.
وهذه النفوس التي تحتمل تكاليف الإيمان، ومشاق الجهاد، إنما تجاهد لنفسها ولخيرها، واستكمال فضائلها، ولإصلاح أمرها وحياتها، وإلا فما بالله من حاجة إلى أحد، وإنه لغني عن كل أحد: {وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٦)} [العنكبوت: ٦].
فلا يقفن أحد في وسط الطريق يطلب من الله ثمن جهاده.
ويمن عليه وعلى دعوته.
ويستبطئ المكافأة على ما ناله.
فإن الله لا يناله من جهاد العبد شيء.
وليس في حاجة إلى جهد بشر ضعيف هزيل.
وإنما هو فضل من الله أن يعينه في جهاده.
وأن يستخلفه في الأرض به، وأن يأجره في الآخرة بثوابه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٧)} [العنكبوت: ٧].
فليطمئن المؤمن على ماله عند الله، وليصبر على تكاليف الجهاد، وليثبت على مرارة الفتنة والابتلاء: {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)} [الشورى: ٣٦].
ومن أدى الأمانة فاز بالجنة والرضوان، ومن ضيع الأمانة باء بالنار والخسران: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)} [السجدة: ١٨ - ٢٠].
هذا مبدأ الجزاء العادل الذي يفرق بين المحسنين والمسيئين في الدنيا والآخرة، والذي يعلق الجزاء بالعمل على أساس العدل والإحسان.
فما يستوي المؤمنون والفاسقون، في طبيعة ولا شعور ولا سلوك، حتى يستووا في الجزاء في الدنيا والآخرة سواء.
المؤمنون متجهون إلى الله مؤمنون به عاملون بمنهجه.
والفاسقون منحرفون شاردون، مفسدون في الأرض، لا يلتقون مع المؤمنين على منهج الله في الحياة.
فلا عجب أن يختلف طريق المؤمنين وطريق الفاسقين في الآخرة، وأن يلقى كل منهما الجزاء الذي يناسب رصيده، وما قدمت يداه.
(١) حسن: أخرجه الترمذي برقم (٢٣٩٨)، وهذا لفظه، صحيح سنن الترمذي رقم (١٩٥٦).
وأخرجه ابن ماجه برقم (٤٠٢٣)، صحيح سنن ابن ماجه رقم (٣٢٤٩).
انظر السلسلة الصحيحة رقم (١٤٣).
مختارات

