الخزانة الثامنة..
• حاجة الناس إلى بعثة الأنبياء، وإرسال الرسل:
قد يقول قائل من الناس ما حاجة الناس إلى الأنبياء والرسل؟.
أليس قد فطر الناس على الإيمان به وتوحيده؟.
وكذا أعطانا الله ﷿ العقول التي نعرف بها دلائل وجود الله، والإيمان به؟ فما الحاجة للرسل؟.
والجواب: أن فطرة الله للإنسان سليمة وكافية، ولكن قد تحرفها البيئة، كما قال النبي ﷺ: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبوِاه يهودانه، أو يُنَصرَّانه، أو يُمَجِّسانه» متفق عليه.
وقال ﷿ في الحديث القدسي: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ فَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا» أخرجه مسلم.
وكذا يمكن للهوى والشهوات أن تحرف هذه الفطرة السليمة: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾ [القصص: ٥٠].
فالله خلق الإنسان مخيرًا، إما أن يؤمن وإما أن يكفر، إما أن يطيع وإما أن يعصي، فالهوى والشهوات قد تحرف الإنسان عن هذه الفطرة: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
وكذلك الصحبة الفاسدة قد تحرف الفطرة السليمة كما قال النبي ﷺ: «الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ» أخرجه أحمد والترمذي.
وكذا العقل محدود، لا يعرف كل شيء، كالبصر لا يرى كل شيء، وكالسمع لا يسمع كل شيء، لهذا كان من حكمة الله ورحمته إرسال الرسل إلى الخلق، لشدة حاجة الخلق إليهم:﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
وقد من الله ﷿ على البشرية بإرسال الرسل كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
فمن كمال رحمة الله بخلقه أن يرسل إليهم الرسل، ولا يتركهم هملاً كالبهائم.
فأولًا: أن الناس لو تركوا دون إرشاد وهداية، لضلوا الطريق، ولهذا أثنى الله على نفسه بإرسال الرسل إلى الناس في كل زمان وفي كل مكان حتى ختمهم بمحمدٍ ﷺ: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢)﴾ [الجمعة: ٢].
وثانيًا: أن الشيطان عدو الإنسان، يضله ويغويه ويجره إلى المهالك، كما قال الله ﷿ لآدم ﷺ: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧].
وقال ﷿: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
وقال ﷿ عن الشياطين: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾ [الزخرف: ٣٧].
فكان من رحمة الله توالي إرسال الرسل الذين جعلهم الله سببًا لخلوص الناس من أسر الشيطان: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وثالثًا: أن الله خلق الناس، ليختبرهم أيهم أحسن عملًا كما قال ﷿: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾ [العنكبوت: ٣ - ٢].
وقال ﷿: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ [الكهف: ٧].
فأرسل الله الرسل، ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده، وليدلوا الناس كيف يعبدون الله؟ وكيف يتقربون إلى الله؟ وكيف يرضون الله؟.
قال الله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾ [النساء: ١٦٥].
فلن يستطيع الناس أبدًا أن يصلوا إلى الأقوال الحسنة، والأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، وكيفية العبادات إلا بواسطة الرسل الذين جبلهم الله عليها، وأرسلهم بها، وجملهم بها، ليكونوا قدوةً للناس: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِ رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ [التوبة: ١٢٨].
وقال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].
وقال النبي ﷺ: «بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاقِ» أخرجه البزار وفي روايةٍ: «صالح الأخلاق» أخرجه أحمد.
ورابعًا: أن الإنسان يعلم بشيءٍ من الوجود الذي يشاهده، أما الآخرة، والجنة والنار، وحياة الإنسان في القبر، فهذا لا يعرفه إلا من جهة الرسل والكتب السماوية، فإذا عرفها الإنسان استقام على أوامر الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ [الكهف: ١٠٧ - ١٠٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣٢].
وقال ﷿ عن الكفار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)﴾ [النساء: ٥٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
وخامسًا: أن الناس بحاجة إلى قدوةٍ معصومٍ يفعل كل خير، ويجتنب كل شر، ويتخلق بكل خُلُقٍ حسن، ليقتدوا به كما قال ﷿: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤].
وسادسًا: ما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويسخطه، وما هي أسماؤه وصفاته، وكيف تعبد الله بما يرضيه، هذا كله لا يمكن معرفته إلا عن طريق رسل الله وكتبه كما قال النبي ﷺ: «صَلوا كَمَا رَأيْتُمُوني أُصَلِّي» أخرجه البخاري.
وقال ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ» أخرجه مسلم.
وكذا الصيام والزكاة: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
• أقسام الناس في إتباع الرسل.
انقسم الناس فيما جاء به الرسول ﷺ إلى ثلاث فرق:
الفرقة الأولى: فرقةٌ امتنعوا من إتباعه ﷺ كاليهود والنصارى والمشركين ونحوهم، فهؤلاء كفار، يجب معاملتهم بما أمر الله ورسوله به.
والفرقة الثانية: قسمٌ آمن بالله ورسوله، ظاهرًا وباطنًا، واتبعوا ما جاء به الرسول ﷺ وهؤلاء خيار الناس بعد الأنبياء بعد الأنبياء.
والقسم الثالث: قسمٌ أظهروا الإيمان بألسنتهم، ولم يدخل الإيمان في قلوبهم، وهؤلاء قسمان:
الأول: منافقون في أصل الدين، بأن يظهروا الإسلام، ويبطنوا الكفر، وهؤلاء الذين ذكرهم الله في القرآن، وهم أهل النفاق الأكبر.
والثاني: منافقون في بعض أمور الدين، كالمنافق الذي إذا حدث كذب، وإذا خاصم فجر، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر.
فجهاد الكفار يكون بجهادهم حتى يؤمنوا، أو يؤدوا الجزية، ليكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة:﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ [البقرة: ١٩٣].
وجهاد المنافقين النفاق الأكبر يكون بإقامة الحدود عليهم، لأنهم خرجوا عن الدين أو بعضه، فيجب إقامة الحد عليهم، فيؤمر المنافق بالإسلام، فإن قبِل الإسلام وإلا ضُرب وحُبس حتى يؤدي الواجب، ويترك المحرم، وإن امتنع عن الإقرار بما جاء به الرسول ﷺ ضُربت عنقه.
وإن كان في طائفةٍ ممتنعة قوتلوا، كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣].
والذين أرسل الله إليهم الرسول ﷺ ثلاثة أقسام:
مهتدون.
ومغضوبٌ عليهم.
وضالون.
فالمهتدون: هم الذين عرفوا الحق واتبعوه، وهم المؤمنون أهل الصراط المستقيم، المُنعم عليهم.
والمغضوب عليهم: هم الذين عرفوا الحق ولم يتبعوه، كاليهود.
والضالون: هم من عبد الله بلا علمٍ كالنصارى الذين عرفوا الحق وضلوا عنه، فلم يعبدوا الله، أو عبدوه بغير شريعة وقد ذكر الله هؤلاء في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٧].
فالمنعم عليهم المؤمنون، والمغضوب عليهم اليهود ومن قلدهم، والضالون النصارى ومن تابعهم.
• واجب الأمم نحو الأنبياء الرسل.
للرسل والأنبياء على أممهم حقوقٌ كثيرة، وأهمها وأوجبها ما يلي:
الأول: يجب علينا أن نؤمن بجميع الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله هدايةً لعباده: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
فنؤمن بجميع الأنبياء والرسل، من ذكرهم الله في القرآن، ومن لم يذكرهم، فلا نفرق بين أحدِ منهم في الإيمان، كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].
فيجب علينا الإيمان بجميع الأنبياء والرسل كما قال الله ﷿: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦)﴾ [البقرة: ١٣٦].
الثاني: يجب علينا طاعة الأنبياء والرسل، لأن طاعتهم من طاعة الله الذي أرسلهم، فطاعتهم طاعةٌ لله، ومعصيتهم معصيةٌ لله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾ [النساء: ٨٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ (٦٤)﴾ [النساء: ٦٤].
وطاعة الأنبياء والرسل فيها الفوز والفلاح والهداية، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
فيجب علينا طاعتهم، وعدم مخالفتهم.
الثالث: الإيمان بأن كل رسولٍ بلغ رسالة ربه إلى الناس على الوجه الأكمل، وأنه لم يمت حتى بلّغ قومه البلاغ المبين،كما قال ﷿ عن الأنبياء: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩].
وقال الله ﷿ عن الأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
الرابع: الإيمان بأن جميع الأنبياء والرسل كانوا من الرجال، لأن النبوة والرسالة تحتاج إلى القوة والشجاعة والقتال، وإمامة الناس في الصلاة، وليس ذلك من شأن النساء:﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩].
الخامس: يجب أن نعتقد أن الرسل أحسن الناس قولًا وعملًا وخُلُقًا، وأدبًا، وعبادةً ودعوة، لأنهم قدوة البشر في الفضائل والصدق والقول والعمل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
ويجب أن نعتقد أن الله ﷿ عصمهم من الصغائر والكبائر، قبل البعثة وبعد البعثة، ومعصية آدم ﷺ وغيره من الأنبياء من باب ترك الأولى، أو قبل التكليف بالرسالة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ [الأنعام: ٩٠].
السادس: يجب علينا أن نؤمن بأن الرسل بشر، خصّهم الله بمزايا أخلاقية، ولم يخصّهم بطبائع غير الطبائع البشرية.
فصفات الأنبياء والرسل ثلاثة أقسام:
الصفات الواجبة.
والصفات المستحيلة.
والصفات الجائزة.
فالصفات الواجبة للأنبياء هي العصمة، والتبليغ، والصدق والفطنة: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ [الزمر: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ (٦٧)﴾ [المائدة: ٦٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤].
والصفات المستحيلة هي الخيانة، وكتمان ما أنزل الله، والكذب، والبلادة، لأن الله ﷿ خص الأنبياء بأحسن الصفات: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ (٧٥)﴾ [الحج: ٧٥].
أما الصفات الجائزة عليهم فهي أنهم يأكلون ويشربون، ويتزوجون وينامون ويمرضون ويموتون، ويمشون في الأسواق، وغير ذلك من طبائع البشر: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ [آل عمران: ١٤٤].
السابع: أن نؤمن أن الأنبياء والرسل عبيدٌ لله، لا يملكون شيئًا من خصائص الربوبية أو الألوهية، فهم بشرٌ لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعًا ولا ضرًا: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨)﴾ [الأعراف: ١٨٨].
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ (٧)﴾ [الفرقان: ٧].
فمن دعا الأنبياء والرسل لكشف الكربات، أو شفاء المرضى، فقد أشرك بالله غيره: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وقال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ [الإسراء: ٢٢].
الثامن: أن الله أيدهم بالمعجزات التي تثبت رسالتهم، وتدل على صدقهم، كما جعل الله النار بردًا وسلامًا على إبراهيم ﷺ، وكما فجر الحجر بالماء لموسى ﷺ، وكما أحيا الموتى لعيسى ﷺ بإذن الله، وغيرها من الكرامات التي أكرمهم الله بها، كما حصل لمريم مع ابنها حين أشارت إليه:
قال الله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١].
وقال ﷿ لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ [مريم: ٢٥].
والخارق للعادة قسمان:
مذمومٌ.
وممدوح.
فالممدوح ما أيد الله به الأنبياء والرسل والأولياء، كالمعجزة والكرامة، والإرهاص والمعونة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ (١٠١)﴾ [الإسراء: ١٠١].
والمذموم كالشعوذة والسحر والكهانة والاستدراج.
فصلوات الله وسلامه على أنبياء الله ورسله.
***
مختارات

