الخزانة العاشرة..
• فقه تربية الأنبياء والرسل:
الله ﷿ هو رب العالمين، الذي يربي أنبياءه ورسله بأنواعٍ من التربية، ليظهر لهم ولأقوامهم أنواع قدرة الله، ويربي الإيمان واليقين في نفوسهم، ويبتليهم بأنواع البلاء والشدائد، ليظهر عبوديتهم لله في حال السراء والضراء، ويظهر كمال صبرهم على أذى الخلق، ثم ينصرهم ويمكن لهم في الأرض: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١١٠)﴾ [يوسف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
وقد ابتلى الله إبراهيم صلى الله عليه وسلمبأنواعٍ من البلاء، حتى ألقاه قومه في النار، فأنجاه الله ﷿، وأكرمه بأنواعٍ من الكرامات.
فإبراهيم ﷺ ضحى بالحياة، فوهب الله له الحياة فورًا: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وضحى بالبلد وهو العراق، فأعطاه الله ﷿ أحسن بلد وهي مكة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧)﴾ [البقرة: ١٢٧].
فبنى أحسن البيوت في أحسن البقاع وهو مكة.
وضحى ﷺ بالولد وهو إسماعيل، فأنجاه الله من الذبح، وأخرج الله من نسله أحسن ولد وهو محمدٌ ﷺ.
وضحى ﷺ بأم الولد هاجر، وتركها بواد غير ذي زرع، فجعل الله خطواتها نسكًا يتعبد به الناس إلى يوم القيامة في السعي في الحج والعمرة، وصارت أمًا للعرب.
فمن العبد الصبر أولًا على البلاء، ومن الله النصر بعد ذلك.
والله ﷿ أظهر قدرته في تربية موسى ﷺ منذ ولادته إلى قرب وفاته فيقصته مع الخضر، وفي تربية موسى إظهار أنواعٍ من قدرة الله، وتربية الإيمان واليقين، ونصر أهل الحق على أهل الباطل، والصبر على دعوة الخلق، ورحمة الناس، وقد ربى الله موسى صلى الله عليه وسلمبثلاثة أنواع من التربية:
الأولى: التربية البدنية في قصر فرعون، ليرى آثار النعمة، ولكنه سئمها وملها، فأخرجه الله منها.
الثانية: التربية الأخلاقية في رعي الغنم في مدين عشر سنين، لتصلح أخلاقه مع البهائم، لتصلح وتزكو أخلاقه مع البشر، لأن الله ﷿ يعده للرسالة، وسوف يرسله إلى فرعون وإلى بني إسرائيل.
الثالثة: التربية الإيمانية في الوادي المقدس طوى، حين رجع بأهله في قصة العصا كما قال ﷿ في سورة طه: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨) قَالَ أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١)﴾ [طه: ٩ - ٢١].
وقد أظهر الله ﷿ قدرته في عصا موسى من وجوه:
حين ألقاها موسى في الوادي المقدس طوى فصارت حيةً تسعى، وحين ألقاها أمام فرعون فصارت ثعبانًا مبينًا وحية تسعى، وحين ألقاها أمام فرعون والسحرة يوم الزينة فصارت تلقف ما يأفكون، وحين ضرب بها البحر فانفلق اثني عشر طريقًا يَبَسا، وحين ضرب بها الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا.
فهذه خمس معجزات أظهرها الله نصرةً لنبيه موسى ﷺ، وقد ذكر الله قصة موسى ﷺ في القرآن في ثمانية وعشرين جزءًا، في سورٍ مختلفة، ومناسباتٍ متعددة، وفصلها في سورة الأعراف وطه والشعراء والقصص، ليربي القلوب على الإيمان واليقين، وبيان قدرة الله ﷿.
وفي ضرب الحجر بالعصا خمس معجزات:
الأولى: ضرب اليابس باليابس، فتخرج منه عيونٌ جارية، فالعصا يابس والحجر يابس، وخرجت منه العيون الجارية:﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾ [البقرة: ٦٠].
الثانية: خروج الماء من ضرب الحجر بالعصا.
الثالثة: كمية الماء، أثنتا عشرة عينا.
رابعًا: نوع الماء، لكل سبط من بني إسرائيل نوع من الماء لا يصلح للأخر.
خامسًا: وقوف الماء عند عدم الحاجة إليه
فلا إله إلا الله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
وحين لحق فرعون وجنوده بموسى وقومه، أظهر الله قدرته بالعصا والبحر، ففي بحر واحد، بأمر واحد، في وقت واحد، أظهر الله قدرته، فأنجى موسى وقومه، وأغرق فرعون وجنوده كما قال سبحانه: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)﴾ [الشعراء: ٦٠ - ٦٨].
ففي عصا موسى ﷺ خمس آيات:
جعلها الله لموسى آية، ولبني اسرائيل سقاية، وللسحرة هداية، ولفرعون وجنوده نهاية، ولمن جاء بعدهم عبرة وآية:﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
• ثمرات الإيمان الأنبياء والرسل:
للإيمان بالأنبياء والرسل عدة ثمرات:
الأول: معرفة رحمة الله ﷿ بعباده وعنايته بهم، حيث أرسل إليهم الرسل، ليهدونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، وكيف يعبدونه، ويبينون لهم دينه، ويبينون ما للعباد من الثواب والعقاب إن آمنوا أو كفروا.
الثانية: حمد الله وشكره على هذه النعمة.
.
الثالثة: محبة الرسل، والثناء عليهم من غير إطراء، لأنهم رسل الله قاموا بعبادته، وإبلاغ رسالته، والنصح لعباده، ورحمة خلقه.
الرابعة: الاقتداء بهم بما أرسلهم الله به، من التوحيد وصدق الإيمان، وحسن الخلق، وكمال الأدب، ودوام الذكر والشكر، والطاعة لله ﷿، والدعوة إليه، وتعليم شرعه،والإحسان إلى خلقه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ [الأحزاب: ٢١].
• أفضل الأنبياء والرسل محمدٌ ﷺ.
نسبه ونشأته:
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النظر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
ونسبه الشريف ﷺ محفوظٌ إلى آدم ﷺ.
وأمه آمنة بنت وهب، ماتت قبل بعثته
ولد ﷺ عام الفيل الموافق لعام ٥٧٠ ميلادي، ومات والده عبد الله وهو حملٌ فيبطن أمه، ولما وُلِد كفله جده عبد المطلب، وماتت والدته آمنة وهو ابن ست سنين، ولما مات جده كفله عمه أبو طالب.
وعاش ﷺ عظيم الأخلاق، حسن السيرة، طيب الشمائل، حتى لقّبه قومه بالأمين، وعلى رأس الأربعين من عمره نُبّئَ محمدٌ صلى الله عليه وسلمإذ جاءه الحق وهو بغار حراء يتعبد لله، وأخبره أنه رسول الله، ثم بدأ صلى الله عليه وسلميدعو للإيمان بالله ورسوله، ويدعوا الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه، فلقي ﷺصنوفًا من الأذى.
فصبر حتى أظهر الله دينه، وهاجر إلى المدينة، فشُرعت الأحكام، وعزّ الإسلام، وكمُل الدين، ثم مات صلى الله عليه وسلميوم الاثنين من ربيعٍ الأول لعام أحد عشر من الهجرة، وعمره ثلاثٌ وستون سنة، ولحق بالرفيق الأعلى بعدما بلغ البلاغ المبين، وجاهد في الله حق جهاده، ودل الأمة على كل خير، وحذرها من كل شر، وتركها على البيضاء ليلها كنهارها.
فصلوات الله وسلامه عليه.
• خصائصه ﷺ:
من خصائص النبي صلى الله عليه وسلمأنه خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسالته عامة للثقلين، أرسله الله رحمةً للعالمين وأُسري به إلى بيت المقدس، وعُرج به إلى السماء، وناداه ربه بوصف النبوة والرسالة، وأُعطي جوامع الكلم، وقد خصه الله دون الأنبياء بخمس.
قال النبي ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلِي: كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَحُرِّمَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ طَيِّبَةً: مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَيَرْعَبُ مِنَّا عَدُوُّنَا مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ».
متفقٌ عليه.
ومما يخصه ﷺ دون أمته:
الوصال في الصيام، والزواج بلا مهر، ونكاح أكثر من أربع نساء، ولا تنكح أزواجه من بعده، وعدم أكل الصدقة، وأنه يسمع ما لا يسمع الناس، ويرى ما لا يرى الناس، كما رأى جبريل صلى الله عليه وسلمعلى صورته التي خلقه الله عليها، وأنه لا يُورث.
وأزواجه ﷺ هن أمهات المؤمنين في الدنيا والآخرة، وكلهن مسلماتٍ طيباتٍ، طاهراتٍ نقياتٍ صالحات تقياتٍ، مبرآتٍ من كل سوء يقدح في أعراضهن، وعددهن إحدى عشرة زوجة، وهن على الترتيب:
خديجة بنت خويلد، وعائشة بنت أبي بكر، وسودة بنت زمعة، وحفصة بنت عمر، وزينب بنت خزيمة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، وأم حبيبة بنت أبي سفيان، وصفية بنت حُيي، وميمونة بنت الحارث ﵅ أجمعين.
مات قبله منهن: خديجة وزينب بنت خزيمة، وتوفيت التسع الباقيات بعده، وأفضل أزواجه صلى الله عليه وسلمخديجة وعائشة ﵅ أجمعين.
• أما أولاد الرسول صلى الله عليه وسلمفقد وُلد للرسول صلى الله عليه وسلمثلاثة أبناء:
القاسم وعبد الله من خديجة، وإبراهيم من سريته مارية القبطية، وجميعهم ماتوا صغارًا.
• أما البنات فولد له صلى الله عليه وسلمأربع بنات:
زينب، ورقية، وأم كلثوم، وفاطمة، وكلهن وُلدن من خديجة، وتزوجن ومتن قبله إلا فاطمة ماتت بعده، وجميعهن مسلماتٍ طيباتٍ طاهرات، ﵁ أجمعين.
• أصحاب النبي ﷺ:
أما أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلمفهم خير القرون، ولهم فضلٌ عظيم على جميع الأمة، اختارهم الله لصحبة نبيه، فآمنوا باله ورسوله، وقاموا بنصرة الله ورسوله، وهاجروا من أجل الدين، وآووا ونصروا من أجل الدين، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم حتى رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأفضلهم المهاجرون ثم الأنصار.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلمقال: «خيرُ الناسِ قَرْني، ثُم الذينَ يَلونَهُم، ثم الذينَ يَلونَهُم، ثُم يجيءُ مِنْ بَعْدِهم أقوام تَسْبِقُ شهادَةُ أحَدِهِمْ يَمينَهُ، ويَمينُهُ شَهادَتَهُ» متفقٌ عليه.
ومن علامات الإيمان محبة الصحابة جميعًا بالقلب، والثناء عليهم باللسان، وكذلك آله ﷺ والترضي عنهم، والاستغفار لهم، والكف عما شجر بينهم، وعدم شتمهم، وذلك لما لهم من المحاسن والفضائل، والمعروف والإحسان، ونصرة الله ورسوله بالطاعة والجهاد في سبيل الله، والدعوة إليه،والهجرة والنصرة بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله ﵃ أجمعين: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)﴾ [التوبة: ١٠٠].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾ [الأنفال: ٧٢].
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فلو أنَّ أحدَكُم أنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا؛ ما بَلَغَ مُدَّ أحدِهِم ولا نَصِيْفَهُ».
متفقٌ عليه.
اللهم صل على محمدٍ، وعلى آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميدٌ مجيد
اللهم ارض عن الصحابة أجمعين، وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
• وظائف الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام.
الله ﷿ بعث أنبياءه ورسله إلى عباده لحكمٍ عظيمة، ومن ذلك:
أولًا: عبادة الله وحده لا شريك له، ودعوة الناس إلى ذلك.
: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٣٦)﴾ [النحل: ٣٦].
وقال ﷿: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٠٨)﴾ [يوسف: ١٠٨].
ثانيًا: قيادة الأمة في الدين والدنيا، كما قال ﷿: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾ [ص: ٢٦].
وقال ﷿ لمحمدٍ ﷺ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].
فمهمة الأنبياء إخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم، وإخراج الناس من الضلالة إلى الهداية، ومن الشقاء إلى السعادة، في الدنيا والآخرة، وإجابة سؤال الناس: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ [النحل: ٤٣].
ثالثًا: إيضاح الحق والأوامر والنواهي والأحكام للناس،وتفصيل الأحكام المجملة في القرآن: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].
وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ [النحل: ٤٤].
• وللسنة مع القرآن ثلاثة أحوال:
الأول: أن تكون السنة مؤكدة لما أكد عليه القرآن من الأخبار والأحكام، فالقرآن دعا إلى الصلاة والزكاة، والصوم والحج، وصلة الأرحام، ومحاسن الأخلاق، والسنة جاءت بنصوصٍ تؤكد ذلك، كما قال النبي ﷺ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَلَاةِ، وَصِيَامِ رَمَضَانَ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ».
متفقٌ عليه.
الثاني: أن تكون السنة النبوية مفصِّلة لما أُجمل في القرآن، فالقرآن أمر بالوضوء والصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها، والسنة جاءت ببيان ذلك المجمل كما قال ص ﷺ:«وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أخرجه البخاري.
وقال ﷺ: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ» أخرجه مسلم.
الثالث: أن تكون السنة جاءت بأحكامٍ سكت عنها القرآن، كتحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، وتحريم أكل كل ذي نابٍ من السباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير، فالقرآن وحيٌ من الله، والسنة كذلك: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ١ - ٤].
رابعًا: الشهادة على الأمة بأنهم بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة،وقاموا بواجبهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ [النساء: ٤١].
***
مختارات

