قصة موسى عليه السلام (٦)
قال اللهُ تَعَالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ﴾.
ويقال: إنّه انفلق اثنتي عشرةَ طريقًا، لكلِّ سِبطٍ طريقٌ يسيرون منه، حتى قيل: إنَّه صار أيضًا شبابيك ليرى بعضهم بعضًا، وفي هذا نظر، لأنّ الماء جُرم شفَّاف إذا كان من ورائه ضياءٌ حَكَاه.
وهكذا كان ماءُ البحر قائمًا مثل الجبال، مكفوفًا بالقدرةِ العظيمةِ الصّادرة من الذي يقول للشيء: كن، فيكون، وأَمَرَ الله ريحَ الدّبور (١) فَلقحت حال البحر فأذهبته حتى صار يابسًا لا يعلق في سنابك الخيول والدواب.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٧ - ٧٩].
والمقصود أنّه لما آل أمر البحر إلى هذه الحال بإذن الربّ العظيم الشديد المحال، أمر موسى ﵇ أن يجوزه ببني إسرائيل، فانحدروا فيه مسرعين مستبشرين مبادرين، وقد شاهدوا من الأمر العظيم ما يحيّر الناظرين، ويهدي قلوب المؤمنين، فلما جاوزوه وجاوزه وخرج آخرهم منه وانفصلوا عنه، كان ذلك عند قدوم أوَّل جيش فرعون إليه ووفودهم عليه، فأراد موسى ﵇ أن يضرب البحر بعصاه ليرجع كما كان عليه لئلا يكون لفرعون وجنوده وصول إليه، ولا سبيل عليه، فأمره القديرُ ذو الجلال أن يترك البحر على هذه الحال كما قال، وهو الصَّادق في المقال: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٨) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (١٩) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨) فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٧ - ٣٣].
فقوله تعالى: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا﴾ أي: ساكنًا على هيئته لا تغيّره عن هذه الصفة.
قاله عبد الله بن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والربغ، والضحاك، وقتادة، وكعب الأحبار، وسِمَاك بن حرب، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغيرهم، فلما تركه على هيئته وحالته، وانتهى فرعون فرأى ما رأى وعاين ما عاين، هالَهُ هذا المنظر العظيم، وتحقّق ما كان يتحقّقه قبل ذلك من أنّ هذا من فِعل ربّ العرش الكريم، فأحجم ولم يتقدَّم، وندم في نفسه على خروجه في طلبهم، والحالة هذه حيث لا ينفعه الندم، لكنه أظهر لجنوده تجلّدًا، وعاملهم معاملة العدا، وحملته النفس الكافرة، والسجيّة الفاجرة على أن قال
لمن استخفَّهم فأطاعوه، وعلى باطله تابعوه: انظروا كيف انحسر البحرُ لي لأدرك عبيدي الآبقين من يدي، الخارجين عن طاعتي وبلدي، وجعل يوري في نفسه أن يذهب خلفهم ويُجوّز أن ينجو، وهيهات، ويقدم تارة ولكنه يحجم تارات.
فذكروا أن جبريل ﵇ تبدَّى في صورة فارسٍ راكبٍ على رَمَكَةٍ حائل (٢)، فمرَّ بين يدي فحلِ فرعون لعنه الله فَحمحم إليها وأقبل عليها، وأسرع جبريل بين يديه، فاقتحم البحر واستبق الجواد وقد أجاد، فبادر مسرعًا هذا وفرعون لا يملك من نفسه شيئًا ولا لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فلما رأته الجنود قد سلك البحر اقتحموا وراءه مسرعين، فحصلوا في البحر أجمعين أكتعين أبصعين، حتى هَمَّ أولُهم بالخروج منه، فعند ذلك أمر الله تعالى كليمَه فيما أوحاه إليه أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فارتَطَم عليهم البحرُ كما كان، فلم ينج منهم إنسان.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ أي: في إنجائه أولياءه فلم يَغْرَق منهم أحد، وإغراقه أعداءه فلم يخلص منهم أحدٌ، آية عظيمةٌ، وبرهان قاطع على قدرته تعالى العظيمة، وصدق رسوله فيما جاء به عن ربّه من الشريعة الكريمة والمناهج المستقيمة.
وقال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٠ - ٩٢].
يخبر تعالى عن كيفية غرق فرعون زعيم كَفَرة القبط، وأنّه لما جعلت الأمواج تخفضه تارةً وترفعه أخرى، وبنو إسرائيل ينظرون إليه وإلى جنوده ماذا أحلَّ الله به وبهم من البأس العظيم، والخطب الجسيم، ليكون أقرَّ لأَعْيُن بني إسرائيل، وأشفى لنفوسهم، فلما عاين فرعون الهلَكة، وأُحيط به، وباشر سكرات الموت، أناب حينئذٍ وتاب، وآمن حين لا ينفع نفسًا إيمانُها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦ - ٩٧].
وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ [غافر: ٨٤ - ٨٥].
وهكذا دعا موسى على فرعون وملئه أن يطمس على أموالهم، ويشدد على قلوبهم، فلا يؤمنوا ﴿حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ أي: حين لا ينفعهم ذلك، ويكون حسرة عليهم، وقد قال تعالى لهما، أي لموسى وهارون، حين دعوا بهذا ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾، فهذا من إجابة الله تعالى دعوة كليمه وأخيه هارون ﵉.
ومن ذلك الحديث الذي رواه الإمام أحمد ؛ حَدَّثَنَا سليمان بن حَرب، حَدَّثَنَا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مِهران، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "لما قَالَ فِرْعَوْنُ: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ قال: قالَ لي جِبْرِيْلُ: لَوْ رَأيْتَنِي وَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ حَالِ البَحْرِ فَدَسَسْتُهُ في فِيْهِ مَخَافَةَ أَنْ تَنَالَهُ الرَّحْمَةُ" ورواه الترمذي وابن جرير، وابن أبي حاتم عند هذه الآية؛ من حديث حمّاد بن سلمة.
وقال الترمذي: حديث حسن.
وقال أبو داود الطيالِسِي،: حَدَّثَنَا شعبة، عن عدي بن ثابت وعطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير، عنِ ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "قال لي جِبْريلُ: لَوْ رَأَيْتَني وَأَنا آخُذُ مِنْ حَالِ البَحْرِ فَأدُسّه في فمِ فِرْعَوْنَ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الرَّحْمَةُ".
ورواه الترمذي وابن جرير من حديث شعبة وقال الترمذي: حسن صحيح غريب، وأشار ابن جرير في روايةٍ إلى وقفه.
وقال ابن أبي حاتم: حَدَّثَنَا أبو سعيد الأشج، حَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، عن عمر بن عبد الله بن يعلى الثقفي، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: لما غرّق الله فرعون، أشار بإصبعه ورفع صوته: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ قال: فخافَ جبريل أن تسبق رحمةُ الله فيه غضَبَه، فجعل يأخذ الحالَ بجناحَيه فيضرب به وجهه فيرمسه، ورواه ابن جرير من حديث أبي خالد به.
وقد رواه ابن جرير من طريق كثير بن زاذان، وليس بمعروف، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: قال
رسول الله ﷺ: "قال لي جِبْريْلُ: يا مُحَمد لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنا أغُطّهُ وَأَدُسُّ مِنَ الحالِ في فِيْهِ مَخَافَةَ أنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللهِ فَيَغْفِر لَهُ".
يعني: فرعون).
وقد أرسله غير واحد من السّلف كإبراهيم التيمي، وقتادة، وميمون بن مهران، ويقال: إن الضحاك بن قيس خطب به الناس.
وفي بعض الروايات أنّ جبريل قال: ما بغضت أحدًا بغضي لفرعون حين قال: أنا ربكم الأعلى، ولقد جَعَلت أدسُّ في فيه الطين حين قال ما قال.
وقوله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ استفهام إنكارٍ، ونصّ على عدم قبوله تعالى منه ذلك، لأنه -والله أعلم- لو رُدَّ إلى الدنيا كما كان لعادَ إلى ما كان عليه، كما أخبر تعالى عن الكفار إذا عايَنُوا النارَ وشاهدوها أنَّهم يقولون: ﴿يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال الله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: ٢٧ - ٢٨] وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ قال ابن عباس وغير واحد: شكَّ بعضُ بني إسرائيل في موت فرعون، حتى قال بعضهم: إنه لا يموت، فأمر الله البحر فرفعه على مرتفع.
قيل: على وجه الماء، وقيل: على نَجْوَةٍ (٣) من الأرض وعليه درعُه التي يعرفونها من ملابسه ليتحقّقوا بذلك هلاكه، ويعلموا قدرة الله عليه.
ولهذا قال: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ أي: مصاحبًا درعك المعروفة بك ﴿لِتَكُونَ﴾ أي أنت آية ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ﴾ أي من بني إسرائيل، دليلًا على قدرة الله الذي أهلكه.
ولهذا قرأ بعض السلف: ﴿لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْقَكَ آيَةً﴾.
ويحتمل أن يكون المراد ننجّيك مصاحبًا درعك لتكون درعُك علامةً لمن وراءك من بني إسرائيل على معرفتك وأنّك هُلِكْت.
والله أعلم.
وقد كان هلاكه وجنوده في يوم عاشوراء، كما قال الإمام البخاري في "صحيحه": حَدَّثَنَا محمد بن بشار، حَدَّثَنَا غُندَر، حَدَّثَنَا شعبة، عن أبي بشير، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس قال: قدم النبي ﷺ المدينة واليهودُ تصوم عاشوراء فقالوا: هذا يوم ظهر فيه موسى على فرعون، قال
النبي ﷺ "أَنْتُم أَحَقُّ بموسَى مِنْهُم فَصَامُوا".
وأصل هذا الحديث في "الصحيحين" وغيرهما.
والله أعلم.
* * *
فصل فيما كان من أمر بني إسرائيل بعد هلاك فرعون
قال الله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (١٣٦) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٩) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٤٠) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٣٦ - ١٤١].
يذكر تعالى ما كان من أمر فرعون وجنوده في غرقهم، وكيف سلبَهم عِزَّهم ومالَهم وأنفسهم، وأورث بني إسرائيل جميع أموالهم وأملاكهم، كما قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩]، وقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]، وقال هاهنا: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ أي: أهلك ذلك جميعه وسلبهم عزَّهم العزيزَ العريضَ في الدنيا، وهلك الملك، وحاشيته، وأمراؤه، وجنودُه، ولم يبقَ ببلد مصرَ سوى العامَّة والرعايا.
فذكر ابن عبد الحكم في "تاريخ مصر" أنّه من ذلك الزمان تسلَّط نساءُ مصر على رجالها؛ بسبب أن نساء الأمراء والكبراء تزوجْن بمن دونَهُنَّ
من العامة، فكانت لهنَّ السَّطوة عليهم، واستمرت هذه سُنَّة نساء مصر إلى يومك هذا.
وعند أهل الكتاب: أنَّ بني إسرائيل لما أُمِروا بالخروج من مصر جعل الله ذلك الشهر أول سَنَتهم، وأُمروا أن يذبح كلُّ أهل بيت حَمَلًا من الغنم، فإن كانوا لا يحتاجون إلى حَمَل فليشترك الجار وجاره فيه، فإذا ذبحوه فلينضحوا من دمه على أعتاب أبوابهم ليكون علامة لهم على بيوتهم ولا يأكلوه مطبوخًا ولكن مشويًا برأسه وأكارعه وبطنه، ولا يُبقوا منه شيئًا، ولا يكسروا له عظمًا، ولا يُخرجوا منه شيئًا إلى خارج بيوتهم، وليكن خبزهم فطيرًا سبعة أيام، ابتداؤها من الرابع عشر من الشهر الأوّل من سَنتهم، وكان ذلك في فصل الربيع، فإذا أكلوا فلتكن أوساطهم مشدودةً، وخفافهم في أرجلهم، وعصيهم في أيديهم، وليأكلوا بسرعةٍ قيامًا.
ومهما فَضُل عن عشائهم فما بقي إلى الغد فليحرقوه بالنار، وشُرعَ هذا لهم عيدًا لأعقابهم مادامت التوراة معمولًا بها، فإذا نُسخت بَطَل شرعُها.
وقد وقع.
قالوا: وقتل الله ﷿ في تلك الليلة أبكارَ القِبط وأبكارَ دوابهم؛ ليشتغلوا عنهم، وخرج بنو إسرائيل حتى انتصف الليل، وأهل مصر في مناحةٍ عظيمةٍ على أبكار أولادهم وأبكار أموالهم، ليس من بيت إلا وفيه عويلٌ.
وحين جاء الوَحي إلى موسى خرجوا مُسرعين، فحملوا العجينَ قبل اختماره وحملوا الأزواد في الأردية وألقوها على عواتقهم.
وكانوا استعاروا من أهل مصر حُليًّا كثيرًا، فخرجوا وهم ستمئة ألف رجلٍ سوى الذراري بما معهم من الأنعام، وكانت مدة مقامهم بمصر أربعمئة سنةٍ وثلاثين سنةً.
هذا نصُّ كتابهم.
وهذه السَّنة عندهم تسمى سنة الفسخ، وهذا العيد عيد الفسخ.
ولهم عيد الفَطير وعيد الحَمَل وهو أَوَّل السنة.
وهذه الأعياد الثلاثة آكد أعيادهم، منصوص عليها في كتابهم.
ولما خرجوا من مصر أخرجوا معهم تابوت يوسف ﵇وخرجوا على طريق بحر سوف.
وكانوا في النهار يسيرون والسحاب بين أيديهم يسير أمامهم، فيه عامود نور، وبالليل أمامهم عامود نار، فانتهى بهم الطريق إلى ساحل البحر، فنزلوا هنالك، وأدركهم فرعون وجنوده من المصريين وهم هناك حلول على شاطئ اليم، فقلق كثير من بني إسرائيل،حتى قال قائلهم: كان بقاؤنا بمصر أحبَّ إلينا من الموت بهذه البرِّيَّة.
وقال موسى ﵇ لمن قال هذه المقالة: لا تخشَوا فإن فرعون وجنوده لا يرجعون إلى بلدهم بعد هذا.
قالوا: وأمر الله موسى ﵇ أن يضرب البحر بعصاه وأن يقسمه وليَدْخُلَ بنو إسرائيل في البحر
واليَبَس.
وصار الماء من هاهنا وهاهنا كالجبلين، وصار وسطه يَبَسًا، لأن الله سلَّط عليه ريحَ الجنوب والسَّموم، فجاز بنو إسرائيل البحر واتَّبعهم فرعون وجنوده، فلما توسَّطوه أمر الله موسى فضرب البحر بعصاه فرجع الماء كما كان عليهم.
لكن عند أهل الكتاب أن هذا كان في الليل، وأن البحر ارتطم عليهم عند الصبح، وهذا من غلطهم وعدم فهمهم في تعريبهم، والله أعلم.
قالوا: ولما أغرق الله تعالى فرعون وجنوده، حينئذٍ سبَّح موسى وبنو إسرائيل بهذا التسبيح للربِّ وقالوا: نسبِّح الربَّ البهيَّ الذي قهر الجنود، ونبذ فرسانها في البحر، المنيع المحمود.
وهو تسبيحٌ طويلٌ.
قالوا: وأخذت مريم النبيَّة أختُ هارون دُفًّا بيدها، وخرج النساء في أثرها كلهنَّ بدفوف وطبول، وجعلت مريم ترتّل لهنّ وتقول: سبحان الربِّ القهار الذي قهر الخيول وركبانها إلقاءً في البحر.
هكذا رأيته في كتابهم.
ولعلَّ هذا هو من الذي حمل محمد بن كعب القُرظي على زعمه أن مريم بنت عمران أم عيسى هي أخت هارون وموسى مع قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم: ٢٨] وقد بيَّنَّا غلطه في ذلك، وأن هذا لا يمكن أن يقال، ولا يتابعه أحدٌ عليه، بل كل أحدٍ خالفه فيه، ولو قدِّر أن هذا محفوظ
فهذه مريم بنت عمران أخت موسى وهارون ﵉، وأم عيسى ﵉ وافقتها في الاسم واسم الأب واسم الأخ، لأنهم كما قال رسول الله ﷺ للمغيرة بن شعبة لما سأله أهلُ نجرِان عن قوله: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾، فلم يدر ما يقول لهم حتى سأل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "أمَا عَلِمْتَ أَنَّهُم كانُوا يُسَمُّوْنَ بأسْماءِ أنْبِيَائهِم"، رواه مسلم ).
وقولهم: النبيَّة، كما يقال للمرأة من بيت الملك: ملكة، ومن بيت الإمرة: أميرة، وإن لم تكن مباشِرَة شيئًا من ذلك، فكذا، هذه استعارة لها لا أنَّها نبيَّة حقيقة يوحى إليها، وضَرْبُها بالدُّفِّ في مثل هذا اليوم الذي هو أعظم الأعياد عندهم دليلٌ على أنه قد كان شرع من قبلنا ضرب الدُّف في العيد.
وهذا مشروع لنا أيضًا في حقِّ النِّساء، لحديث الجاريتين اللتين كانتا عند عائشة تضربان بالدُّف في أيام مِنى، ورسول الله ﷺ مضطجعٌ مولٍّ ظهره إليهم ووجهه إلى الحائط، فلما دخل أبو بكر زَجَرهن وقال: أبمزمور
الشيطان في بيت رسول الله ﷺ؟ فقال: "دَعْهُنَّ يا أبا بَكْرٍ، فإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيْدًا، وَهذا عِيْدُنا" ).
وهكذا يُشرع عندنا في الأعراس، ولقُدُوم الغُيَّاب، كما هو مقرر في موضعه.
والله أعلم.
وذكروا أنّهم لما جاوزوا البحر، وذهبوا قاصدين إلى بلاد الشام، مكثوا ثلاثة أيام لا يجدون ماءً، فتكلَّم من تكلَّم منهم بسبب ذلك، فوجدوا ماءً زعاقًا أُجاجًا ) لم يستطيعوا شربه، فأمر الله موسى فأخذ خشبةً فوضعها فيه فحَلا وساغ شربه.
وعلَّمه الربُّ هنالك فرائضَ وسننًا، ووصاه وصايا كثيرةً.
وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز المهيمن على ما عداه من الكتب: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨ - ١٣٩].
قالوا: هذا الجهل والضلال وقد عاينوا من آيات الله وقدرته ما دلَّهم على ما جاءهم به رسول ذي الجلال والإكرام، وذلك أَنَّهم مَرُّوا على قوم يعبدون أصنامًا، قيل: كانت على صور البقر، فكأنهم سألوهم لِمَ يعبدونها؟ فزعموا لهم أنها تنفعهم وتنصرهم ) ويسترزقون بها عند الضرورات، فكأن بعض الجهَّال منهم صدَّقوهم في ذلك، فسألوا نبيَّهم الكليم الكريم العظيم أن يجعل لهم آلهة كما لأولئك آلهة، فقال لهم مبيِّنًا لهم أنهم لا يعقلون ولا يهتدون: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ثم ذكَّرهم نعمة الله عليهم في تفضيله إيَّاهم على عالمي زمانهم بالعلم، والشرع، والرسول الذي بين أظهرهم وما أحسن به إليهم، وما امتن به عليهم من إنجائهم من قبضة فرعون الجبّار العنيد، وإهلاكه إياه وهم ينظرون، وتوريثه إياهم ما كان فرعون وملؤه يجمعونه من الأموال والسعادة، ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ وبيَّن لهم أنَّه لا تصلح العبادة إلا لله وحده لا شريك له، لأنَّه الخالق الرازق القهَّار، وليس كلّ بني إسرائيل سأل هذا السؤال، بل الضمير عائد على الجنس في قوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ أي قال بعضهم كما في قوله ): ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٤٧ - ٤٨] فالذين زعموا هذا بعضُ الناس لا كلُّهم، وقد قال الإمام أحمد حَدَّثَنَا
عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن سِنان الدِّيْلي، عن أبي واقد اللَّيثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حُنَيْن، فمررنا بسِدْرَة فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة ويعكفون حولها، فقال النبي ﷺ: "اللهُ أَكْبَرُ! هذا كَما قَالَتْ بَنُو إسْرائيْلَ لِموسَى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ إنَكم تَرْكَبُونَ سُنَنَ الذيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ".
ورواه النسائي ) عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق )، به.
ورواه الترمذي )، عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، به.
ثم قال: حسن صحيح.
وقد روى ابن جرير من حديث محمد بن إسحاق ومَعْمر، وعقيل، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي أنّهم خرجوا من مكة مع رسول الله ﷺ إلى حُنَيْن قال: وكان للكفار سِدرة يعكُفون عندها ويعلِّقون بها أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط، قال فمررنا بسدرةٍ خضراءَ عظيمةٍ، قال: فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
قال: "قُلْتُم -وَالذي نَفْسِي بِيَدِهِ- كما قَالَ قَوْمُ مُوسَى لموسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ".
والمقصود أن موسى ﵇ لما انفصل من بلاد مصر، وواجه بلاد بيت المقدس، وجد فيها قومًا من الجبارين من الحيثانيين والفزاريين والكنعانيين وغيرهم، فأمرهم موسى ﵇ بالدخول عليهم ومقاتلتهم وإجلائهم إياهم عن بيت المقدس، فإنَّ الله كتبه لهم، ووعدهم إيَّاه على لسان إبراهيم الخليل وموسى الكليم الجليل، فأبَوا ونكلوا عن الجهاد، فسلّط الله عليهم الخوف، وألقاهم في التيه يسيرون ويحلّون ويرتحلون ويذهبون ويجيئون في مدَّة من السنين طويلة، هي من العدد أربعون، كما قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٠) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (٢١) قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (٢٢) قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ
يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣)قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (٢٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٥) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٠ - ٢٦].
يذكِّرهم نبيُّ الله نعمةَ الله عليهم، وإحسانه إليهم بالنعم الدينية والدنيوية، ويأمرهم بالجهاد في سبيل الله ومقاتلة أعدائه فقال: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ﴾ أي: تنكصوا على أعقابكم وتنكلوا عن قتال أعدائكم، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ أي: فتخسروا بعد الربح، وتنقصوا بعد الكمال.
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ أي: عتاة كفرة متمردين ﴿وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾.
خافوا من هؤلاء الجبارين، وقد عاينوا هلاك فرعون وهو أجبر من هؤلاء وأشد بأسًا وأكثر جمعًا وأعظم جندًا، وهذا يدلُّ على أنَّهم ملومون في هذه المقالة، ومذمومون على هذه الحالة من الذِّلة عن مصاولة الأعداء ومقاومة المَرَدة الأشقياء.
وقد ذكر كثيرٌ من المفسِّرين هاهنا آثارًا فيها مجازفاتٌ كثيرةٌ باطلةٌ، يدلّ العقل والنقل على خلافها، من أنهم كانوا أشكالًا هائلة ضخامًا جدًّا، حتى إنهم ذكروا أن رُسَل بني إسرائيل لما قدموا عليهم تلقَّاهم رجل من رسل الجبارين، فجعل يأخذهم واحدًا واحدًا ويلفُّهم في أكمامه وحجزة سراويله وهم اثنا عشر رجلًا، فجاء بهم فنثرهم بين يدي ملك الجبّارين، قال: ما هؤلاء؟ ولم يعرف أنَّهم من بني آدم حتى عرفوه.
وكل هذه هذيانات وخرافات لا حقيقة لها، وأن الملك بعث معهم عنبًا، كل عنبة تكفي الرجل، وشيئًا من ثمارهم ليعلموا ضخامة أشكالهم.
وهذا ليس بصحيح.
وذكر هاهنا أن عوج بن عنق خرج من عند الجبارين إلى بني إسرائيل ليهلكهم، وكان طوله ثلاثة آلاف ذراع وثلاثمئة ذراع وثلاثة وثلاثين ذراعًا وثلث ذراع، هكذا ذكره البغوي وغيره، وليس بصحيح كما قدمنا بيانه عند قوله ﷺ: "إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ طُوله سِتُّونَ ذِراعًا"، ثُمَّ لم يزل الخلق ينقص حتى الآن.
قالوا: فعمد عوج إلى قلة جبل فاقتلعها، ثمّ أخذها بيديه ليلقيها على جيش موسى، فجاء طائر فنقر تلك الصخرة فخرقها، فصارت طوقًا في عنق عوج بن عنق، ثُمَّ عمد موسى إليه فَوثَب في الهواء
عشرة أذرع، وطوله عشرة أذرع، وبيده عصاه وطولها عشرة أذرع، فوصل إلى كعب قدمه فقتله.
يروى هذا عن نوف ) البِكَالي، ونقله ابن جرير ) عن ابن عباس.
وفي إسناده إليه نظر.
ثم هو مع هذا كله من الإسرائيليات، وكل هذه من وضع جهال بني إسرائيل، فإن الأخبار الكذب قد كثرت عندهم ولا تمييز لهم بين صحتها وباطلها.
ثمّ لو كان هذا صحيحًا لكان بنو إسرائيل معذورين في النكول عن قتالهم، وقد ذمّهم الله على نكولهم، وعاقبهم بالتيه على ترك جهادهم ومخالفتهم رسولهم، وقد أشار عليهم رجلان صالحان منهم بالإقدام، ونهياهم عن الإحجام.
ويقال: إنهما يوشع بن نون وكالب بن يوقنا، قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطية والسُّدّي والربيع بن أنس وغير واحد ).
﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ أي يخافون الله، وقرأ بعضهم: ﴿يُخافون﴾ أي: يهابون ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا﴾ أي: بالإسلام والإيمان والطَّاعة والشجاعة: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إذا توكلتم على الله واستعنتم به ولجأتم إليه نصركم على عدوِّكم وأيّدكم عليهم وأظفركم بهم.
﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ فصمّم ملؤهم على النكول عن الجهاد، ووقع أمرٌ عظيمٌ وَوَهَنٌ كبيرٌ.
فيقال: إن يوشع وكالب لمَّا سمعا هذا الكلام شقّا ثيابهما، وإنّ موسى وهارون سَجدا إعظامًا لهذا الكلام وغضبًا لله ﷿ وشفقةً عليهم من وبيل هذه المقالة.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قال ابن عباس: اقض بيني وبينهم ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ عوقبوا على نكولهم بالتيهان في الأرض، يسيرون إلى غير مقصد ليلًا ونهارًا وصباحًا ومساءً، ويقال: إنّه لم يخرج أحدٌ من التيه ممن دخله، بل ماتوا كلّهم في مدة أربعين سنة، ولم يبق إلَّا ذراريهم، سوى يوشع وكالب ﵉.
لكن أصحاب محمد يوم بدر لم يقولوا له كما قال قوم موسى لموسى، بل لما استشارهم في الذهاب
إلى النفير تكلَّم الصِّدِّيقُ فأحْسَنَ، وغيره من المهاجرين، ثم جعل يقول: "أشِيْروا عَلَيَّ" حتى قال سعدُ بن مُعاذ: كأنك تُعَرِّض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق ) لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلَّف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدًا، إنّا لصبُرٌ في الحرب، صُدُق في اللِّقاء، لعل اللهَ يريكَ منَّا ما تَقَرُّ به عينُك.
فَسِرْ بنا على بركة الله.
فَسُرَّ رسول الله ﷺ بقول سعد وبسطه ذلك ).
وقال الإمام أحمد ): حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا سفيان، عن مخارق بن عبد الله الأحْمسي )، عن طارق -هو ابن شهاب- أن المِقْداد قال لرسول الله ﷺ يوم بدر: يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]،ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون.
وهذا إسنادٌ جيِّدٌ من هذا الوجه، وله طريق ) أخرى: قال أحمد ): حَدَّثَنَا أسود بن عامر، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله بن مسعود: لقد شهدت من المقداد مشهدًا لأن أكون أنا صاحبه )أحبَّ إليَّ مما عدل به، أتى رسول الله ﷺ وهو يدعو على المشركين، قال: والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك.
فرأيتُ وجه رسول الله ﷺ يُشْرِق لذلك، وسُرَّ بذلك.
رواه البخاري في التفسير، والمغازي من طرق، عن مخارق، به ).
وقال الحافظ أبو بكر بن مَردويه: حَدَّثَنَا علي بن الحسن بن علي، حَدَّثَنَا أبو حاتم الرازي، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله الأنصاري، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس: أنَّ رسول الله ﷺ لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فأشار عليه عمر، ثم استشارهم، فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إيَّاكم يريدُ رسول الله ﷺ.
قالوا: إذًا لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى: (﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ والذي بعثك بالحق إن ضربتَ أكبادَها إلى بَرْك الغِمَاد (٤) لاتّبعناك.
ورواه الإمام أحمد عن عبيدة بن حميد، عن حميد الطويل، عن أنس )، ورواه النسائي عن محمد بن المثنى، عن خالد بن الحارث، عن حميد، عن أنس، به نحوه ).
وأخرجه ابن حبّان في "صحيحه" عن أبي يعلى )، عن عبد الأعلى بن حمَّاد، عن معتمر، عن حميد عن أنس، به نحوه.
* * *
فصل في دخول بني إسرائيل التِّيه ومَا جرى لهم من الأمور العجيبة
قد ذكرنا نكول بني إسرائيل عن قتال الجبّارين، وأن الله تعالى عاقبهم بالتيه، وحكم بأنّهم لا يخرجون منه إلى أربعين سنةً، ولم أرَ في كتاب أهل الكتاب قصّة نكولهم عن قتال الجبّارين، ولكن ) فيها أن يوشع جهزه موسى لقتال طائفةٍ من الكفّار، وأن موسى وهارون وخور )جلسوا على رأس أَكَمَةٍ، ورفع موسى عصاه، فكلّما رفعها انتصرَ يوشَعُ عليهم، وكلّما مالت يدُه بها من تعبٍ أو نحوِه غلبهم أولئك، وجعل هارون وخور يدعَمان يديه عن يمينه وشماله ذلك اليوم إلى غروب الشمس، فانتصر حزب يوشع ﵇.
وعندهم: أن يثرون كاهن مدين وخَتَن (٥) موسى ﵇ بلغه ما كان من أمر موسى، وكيف أظفره الله بعدوّه فرعون، فقدم على موسى مسلمًا، ومعه ابنته صفُّورا ) زوجة موسى وابناها منه جِرْشُون
وعازر )، فتلقّاه موسى وأكرمه، واجتمع به شيوخ بني إسرائيل وعظّموه وأجلُّوه.
وذكروا أنّه رأى كثرة اجتماع بني إسرائيل على موسى في الخصومات التي تقع بينهم، فأشار على موسى أن يجعل على الناس رجالًا أمناء أتقياء أعفّاء، يبغضون الرِّشَا والخيانة، فيجعلهم على الناس رؤوس ألوف، ورؤوس مئين، ورؤوس خمسين، ورؤوس عشرة، فيقضون بين الناس، فإذا أشكل عليهم أمر جاؤوك ففصلْتَ بينهم ما أشكل عليهم، ففعل ذلك موسى ﵇.
قالوا ) ودخل بنو إسرائيل البرية عند سيناء في الشهر الثالث من خروجهم من مصر، وكان خروجهم في أوّل السنة التي شُرِعت لهم، وهي أول فصل الربيع، فكأنهم دخلوا التيه في أول فصل الصيف والله أعلم.
قالوا ) ونزل بنو إسرائيل حول طور سيناء وصَعِد موسى الجبلَ فكلّمه ربُّه، وأمره أن يذكّر بني إسرائيل ما أنعم الله به عليهم من إنجائه إيّاهم من فرعون وقومه، وكيف حملهم على مثل جناحَي نسرٍ من يده وقبضته، وأمره أن يأمر بني إسرائيل بأن يتطّهروا ويغتسلوا ويغسلوا ثيابَهم، وليستعدّوا إلى اليوم الثالث، فإذا كان في اليوم الثالث فليجتمعوا حول الجبل ولا يقتربنَّ أحدٌ منهم إليه، فمن دنامنه قُتِل، حتى ولا شيء من البهائم ماداموا يسمعون صوت القرن، فإذا سكن القرن فقد حلّ لكم أن ترتقوه )؛ فسمع بنو إسرائيل ذلك، وأطاعوا، واغتسلوا، وتنظّفوا، وتطيّبوا، فلما كان اليوم الثالث ركب الجبلَ غمامةٌ عظيمةٌ وفيها أصواتٌ وبروقٌ وصوت الصور شديدٌ جدًّا، ففزع بنو إسرائيل من ذلك فزعًا شديدًا، وخرجوا فقاموا في سفح الجبل، وغشي الجبلَ دخانٌ عظيمٌ في وسطه عمود نور، وتزلزل الجبل كلّه زَلزلةً شديدةً، واستمر صوت الصور -وهو البوق ) - واشتد، وموسى ﵇ فوق الجبل والله يكلِّمه ويناجيه، وأمر الربّ ﷿ موسى أن ينزل فيأمر بني إسرائيل أن يقتربوا من الجبل ليسمعوا وصيّة الله، ويأمر الأحبار -وهم علماؤهم- أن يدنوا فيصعدوا الجبل ليتقدّسوا ) بالقرب، وهذا نص في كتابهم على وقوع النسخ لا محالة، فقال موسى: يا رب إنّهم لا يستطيعون أن يَصْعدوه، وقد نَهيتَهم عن ذلك، فأمره الله تعالى أن يذهب فيأتي معه بهارون أخيه، وليكن الكهنة -وهم العلماء- والشعب -وهم بقية بني إسرائيل- غير بعيد ففعل موسى، وكلَّمه ربّه ﷿ فأمره حينئذٍ بالعشر كلمات.
وعندهم ) أن بني إسرائيل سمعوا كلام الله، ولكن لم يفهموا حتى فهّمهم موسى، وجعلوا يقولون لموسى: بلِّغنا أنتَ عن الرب ﷿ فإنا نخاف أن نموت، فبلّغهم عنه، فقال هذه العشر الكلمات وهي: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والنّهي عن الحلف بالله كذبًا، والأمر بالمحافظة على السّبت، ومعناه تفرُّغ يومٍ من الأسبوع للعبادة، وهذا حاصل بيوم الجمعة الذي نسخ الله به السَّبت.
كرّم ) أباك وأمك ليطول عمرك بالأرض ) الذي يعطيك الله ربك، لا تقتل، لا تزن، لا تسرق، لا تشهد على صاحبك شهادة زور، لا تمدّ عينك إلى بيت صاحبك، ولا تشْتَهِ امرأة صاحبك ولا عبدَه ولا أَمته ولا ثورَه ولا حمارَه ولا شيئًا من الذي لصاحبك، ومعناه النّهي عن الحسد.
وقد قال كثيرٌ من علماء السلف وغيرهم ): مضمون هذه العشر الكلمات في آيتين من القرآن، وهما قوله تعالى في سورة الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ.
.
﴾ الآية [: ١٥١ - ١٥٣].
وذكروا بعد العشر الكلمات وصايا كثيرةً وأحكامًا متفرّقةً عزيزةً كانت فزالت، وعملت بها حينًا من الدهر، ثمّ طرأ عليها عصيانٌ من المكلّفين بها، ثمّ عمدوا إليها فبدّلوها وحَرَّفوها وأوَّلوها.
ثمّ بعد ذلك كلّه سَلَبوها فصارت منسوخةً مبدَّلة بعد ما كانت مشروعةً مكملة، فلله الأمر من قبلُ ومن بعدُ، وهو الذي يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، ألا له الخَلْقُ والأمر، تبارك الله ربُّ العالمين.
وقد قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [طه: ٨٠ - ٨٢].
يذكر تعالى منّته وإحسانه إلى بني إسرائيل بما أنجاهم من أعدائهم، وخلّصهم من الضيق والحرج، وأنه وعدهم صحبة نبيهم كليمه إلى جانب الطور الأيمن؛ أي: منهم، لينزّل عليه أحكامًا عظيمةً فيها مصلحةٌ لهم في دنياهم وأخراهم، وأنّه تعالى أنزل عليهم في حال شدَّتهم وضرورتهم في سفرهم في
الأرض التي ليس فيها زرع ولا ضرع منًّا من السماء يصبحون فيجدونه خلال بيوتهم، فيأخذون منه قدر حاجتهم في ذلك اليوم إلى مثله من الغد، ومن ادّخر منه لأكثر من ذلك فسد.
ومن أخذ منه قليلًا كَفَاه، أو كثيرًا لم يفضل عنه، فيصنعون منه مثل الخبز وهو في غاية البياض والحلاوة، فإذا كان من آخر النهار غَشِيَهم طيرُ السَّلْوى، فيقتنصون منه بلا كُلْفةٍ ما يحتاجون إليه بحسب كفايتهم لعشاهم، وإذا كان فصل الصيف ظلَّل اللّه عليهم الغمامَ، وهو السّحاب الذي يستر عنهم حرّ الشمس وضوأها الباهر.
كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤) وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ … إلى أن قال: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠) وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [٤٠ - ٦١].
فذكر تعالى إنعامه عليهم، وإحسانه إليهم بما يسَّر لهم من المَنِّ والسَّلوى طعامين شهيّين بلا كُلفةٍ ولا سعي لهم فيه، بل ينزّل اللهُ المنَّ باكرًا، ويرسل عليهم طير السلوى عشيًا.
وأنبع الماءَ لهم بضرب موسى ﵇ حَجَرًا كانوا يحملونه معهم بالعصا فتفجر منه اثنتا عشرة عينًا، لكل سِبْط عينٌ منه تَنْبَجِس، ثمّ تتفجر ماءً زُلالًا فيستقون فيشربون )ويسقون دوابهم، ويدَّخرون كفايتهم.
وظلّل عليهم الغمامَ من الحرِّ، وهذه نعمٌ من اللّه عظيمةٌ، وعطيّات جسيمةٌ، فما رَعَوها حق رعايتها، ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها، ثمّ ضجر كثيرٌ منها، وتبرّموا بها، وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها ﴿مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ فقرَّعهم الكليمُ ووبَّخَهم وأنَّبَهُم على هذه المقالة وعنَّفهم
(١) ريح الدبور: الريح الغربية.
(٢) الرمكة: الفرس، والحائل: التي لم تحمل.
(٣) النجوة: ما ارتفع من الأرض.
(٤) في حاشية ب: برك الغماد: مدينة النجاشي ملك الحبشة.
وقيل: هو موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر.
وموضع في أقاصي أرض هجر.
وقيل: هو أقصى حَجْر =
(٥) الخَتَنُ: أبو امرأة الرجل، وأخو امرأته، وكل من كان من قبل امرأته.
والجمع: أختان، والأنثى خَتَنَة.
اللسان.
وهذا الخبر في سفر الخروج، الإصحاح الثامن عشر.
مختارات

