خزائن الإيمان بالكتب (الخزانة الأولى)
١ - الخزانة الأولى]
• فقه الإيمان بالكتب:
الله ﷻ هو الملك الحق الذي له ملك العالم العلوي، والعالم السفلى، وله ملك الدنيا، والأخر، وله ملك عالم الغيب، وعالم الشهادة، وله ملك السموات والأرض، وله ملك ما في السموات، وما في الأرض، وله ملك ما بين السموات والأرض، وله ملك غيب السموات والأرض، وله ملك خزائن السموات والأرض، وله ملك جنود السموات والأرض، وله ملك مقاليد السموات والأرض، وله ملك ميراث السموات والأرض: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
والله ﵎ خالق هذا الكون العظيم، وله ملك السموات والأرض، وما فيهن، وله ملك الدنيا والأجرة، ولابد للملك العظيم في ملكه العظيم من أوامر، ومن جنود تنفذ، وتؤدى هذه الأوامر: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وأوامر الله ﷿ نوعان:
• أوامر كونية.
• أوامر شرعية.
فأوامر الله الملكية الكونية القدرية وكَّل الله الملائكة بتنفيذها في هذا الكون في مخلوقاته سبحانه، كما قال سبحانه عن الملائكة: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾ [النازعات: ٥].
وقال سبحانه: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾ [الذاريات/ ٤].
وأوامر الله الملكية الشرعية هي الكتب السماوية التي أنزلها الله ﷿ على رسله، وهي تشتمل على الأوامر الشرعية التي تصلح بها أحوال العباد، وتعرفهم بخالقهم، ومعبودهم، وما يحب وما يكره، وما يرضيه وما يسخطه، من الأقوال والأعمال، والأخلاق، وتبين ما للناس بعد القدوم على ربهم في الآخرة من الثواب والعقاب: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١)﴾ [إبراهيم: ١].
فلابد للملك في ملكه من أوامر تصلح بها أحوال رعيته من حث، ونهى وتحذير، وترغيب وترهيب، فمن أحسن أثيب، ومن أساء عوقب، ولابد للملك من سفراء بينه وبين خلقه، وهم الرسل الذين يستقيمون على أوامر الله، ويطيعونه تمام الطاعة، ويكونون أسوة للخلق في أقوالهم، وأعمالهم، وأخلاقهم، ويبينون للناس ما نزل إليهم من ربهم من أوامر وأحكام، ويحكمون بين الناس بالعدل والحق في الدنيا، وينفذون أوامر الله في خلقه، ويبلغون شرعه:﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥].
ولابد أن تكون للملك محكمة يحاسب فيها من أطاعه، ومن عصاه، فيجزي على الخير خيرًا، ويجزي على الشر ما يستحقه من العقوبة، وذلك يوم القيامة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ [الأنبياء: ٤٧].
وبعد الحساب يكون الناس فريقين:
فريق في الجنة.
وفريق في السعير.
فيكرم الله ﵎ بالجنة كل من أمن به، وأطاعه، وعمل بالكتاب الذي أنزله، واتبع الرسول الذي أرسله في الدنيا كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ [النساء: ١٣].
ويهين ويذل كل من كفر به، وعصاه بما أعد لهم من العذاب في النار كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٤].
والإيمان بالكتب هو التصديق الجازم بأن الله ﷿ أنزل كتبًا على أنبيائه ورسله هداية لعبادة، وهى من كلام الله حقيقة، وأن ما تضمنته حق لا ريب فيه منها ما سمى الله في كتابه، ومنها مالا يعلم أسماءها وعددها إلا الله وحده لا شريك له: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٦ - ١٣٨].
وقد بين الله ﷿ في القرآن الكريم أنه أنزل الكتب الآتية:
الأول: صحف إبراهيم ﵊: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩].
الثاني: التوراة، وهى الكتاب الذي أنزل الله على موسي ﷺكما قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
الثالث: الزبور، وهو الكتاب الذي أنزل الله على داود ﷺكما قال سبحانه: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ [الإسراء: ٥٥].
الرابع: الإنجيل، وهو الكتاب الذي أنزله الله على عيسي ﷺكما قال سبحانه: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٤٦) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٦ - ٤٧].
الخامس: القرآن، وهو الكتاب الذي أنزله الله على محمد ﷺللناس كافة وهو آخر الكتب السماوية إلى البشر، كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٨ - ٥٠].
فنؤمن بأن الله ﷿ أنزل الكتب السابقة لهداية عباده، وهى شريعة الله ودينه في أوقاتها، ونصدق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.
ونعمل بأحكام ما لم ينسخ منها مع الرضا والتسليم، ونؤمن بما لم نعلم اسمه من الكتب السماوية إجمالًا.
وجميع الكتب السماوية السابقة كالتوراة، والإنجيل، والزبور وغيرها منسوخة بالقرآن العظيم كما قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
وكل ما في أيدي أهل الكتاب مما يسمى بالتوراة، والإنجيل أو العهد القديم، أو العهد الجديد، لا تصح نسبته كله إلى أنبياء الله ورسله، فقد كتب بعدهم، ووقع فيه التحريف والتبديل، ومنها ما كتموه، ومنها ما افتروه، كقول اليهود عزير ابن الله، وقول النصارى المسيح ابن الله، وإن الله ثالث ثلاثة، واتهام الأنبياء بما لا يليق بمقامهم، ووصف الخالق جل جلالة بما لا يليق بجلالة ونحو ذلك: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾ [البقرة: ٧٩].
وقال الله ﷿ عن اليهود: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)﴾ [المائدة/ ١٣].
وقال الله ﷿ عن علماء اليهود واحبارهم، وعلماء النصارى وغيرهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠].
فيجب رد ذلك كله، وعدم الإيمان إلا بما جاء في القرآن والسنة تصديقه وإذا حدثنا أهل الكتاب فلا تصدقهم ولا تكذبهم، ونقول: أمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان ما قالوه حقًا لم نكذبهم، وإن كان ما قالوه باطلًا لم نصدقهم.
ونجادلهم بالتي هي أحسن إلا الظالم منهم، ومجادلتنا لهم مبنية على الإيمان بما أنزل إلينا وما انزل عليهم، وعلى الإيمان برسولنا وبرسولهم، وأن إلهنا جميعًا واحد، فلا نقدح في شيء من كتب الله المنزلة، ولا في أحد من رسله المرسلة كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦)﴾ [العنكبوت: ٤٦].
والقرآن الكريم أعظم الكتب السماوية، وأفضلها، وأكملها، أنزله الله ﷿ على خاتم رسله، وأفضلهم محمد ﷺ، وجعله تبيانًا لكل شيء، وهدى ورحمة للعالمين كما قال سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
فالقرآن العظيم أفضل الكتب، نزل به أفضل الملائكة وهو جبريل ﷺ، على أفضل الخلق وهو محمد ﷺ، على أفضل أمة أخرجت للناس، وهي هذه الأمة، بأفضل الألسنة وأفصحها، وهو اللسان العربي المبين، بأفضل شريعة وأكملها، وهى ما فيه من الأحكام والسنن والآداب: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
ولهذا يجب على كل أحد الإيمان به، والعمل بأحكامه، والتأدب بآدابه، ولا يقبل الله العمل بغيره بعد نزوله، وقد تكفل الله بحفظة، فسلم من التحريف، والتبديل، ومن الزيادة والنقصان كما قال سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر: ٩].
حكم اليهودية والنصرانية:
الدين الحق الذي جاء به جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام هو الإسلام، وهو الحق، وكل ما سواه باطل:﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩)﴾ [آل عمران: ١٩].
فليست اليهودية والنصرانية أديان سماوية، ولا يجوز أن يقال: اليهودية دين موسى ﷺ، ولا النصرانية دين عيسى ﷺ، واليهودية إنما حدثت بعد التوراة بقرون، وكذلك النصرانية إنما حدثت بعد الإنجيل بقرون، فاليهودية والنصرانية أديانٌ مخترعة مبتدعة مليئة، بالتحريف والتبديل، والبدع والكفر الذي ينافي جلال الله، وأسمائه وصفاته وأفعاله، ودينه الحق،فدين الله الحق هو الإسلام: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران: ٨٥].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩)أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].
فالإسلام الذي يجب أن نؤمن به هو ما جاء به الأنبياء والرسل من ربهم فقط، وما سوى ذلك كله باطل مردود:﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ [البقرة: ١٣٥].
واليهود والنصارى كفارٌ ومشركون، مغضوبٌ عليهم وضالون، فيجب عليهم وعلى غيرهم الإيمان بالإسلام الذي جاء به جميع الأنبياء من ربهم، والعمل بموجب ذلك،والإيمان بما جاء به محمد ﷺ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)﴾ [البقرة: ١٣٧ - ١٣٨].
وقد نفي الله ﷿ عن إبراهيم ﷺ اليهودية والنصرانية كما نفي عنه الشرك، فدل على أنهما ديانتا كفر أحدثهما الكفار بعده، فلا يليق بأبي الأنبياء أن يوصف بهما: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ [آل عمران: ٦٧].
والقرآن الكريم الذي أنزله الله ﷿ على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ﷺ هو آخر الكتب السماوية، وأعظمها، وأكملها، وأحكمها أنزله الله سبحانه تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة للعالمين، فهو أفضل الكتب، نزل به أفضل الملائكة وهو جبريل ﷺ على أفضل الخلق وهو محمد ﷺ: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾ [النحل: ٨٩].
والقرآن الكريم كتاب التوحيد والإيمان، وكتاب الدعوة إلى الله، وكتاب الهداية إلى الحق، وكتاب العلم والأحكام، وكتاب الأجر والثواب، وأكثر الخلق يقرؤونه لتحصيل الأجر، ويغفلون عن أعظم مقاصده.
والقرآن الكريم متعبد بتلاوته، ومتعبد بتدبره، ومتعبد بالعمل به، فيجب على كل أحد الإيمان به، والعمل بأحكامه، والتأدب بآدابه، ولا يقبل الله العمل بغيره بعد نزوله، تكفل الله بحفظه، فسلم من التحريف والتبديد،ومن الزيادة والنقصان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (٤٣)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٣].
وقال الله ﷿: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥].
وقال الله ﷿: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا وهمومنا، يا أرحم الراحمين.
***
مختارات

