فقه خلق الأسباب (٤)
والأسباب التي أمر الله بها نوعان:
الأول: أسباب دنيوية كالأكل والشرب، والنكاح واللباس، والسكن والمركب والأشياء والأموال ونحوها.
الثاني: أسباب أخروية كالإيمان، والعبادات، والأعمال الصالحة، والدعوةإلى الله، والجهاد في سبيله ونحو ذلك.
ونحن مأمورون أن نأخذ من الأسباب الدنيوية ما أحل الله لنا بقدر الحاجة والبقاء، ونأخذ من الأسباب الأخروية التي تقرب إلى الله ما استطعنا: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ} [التغابن: ١٦].
والأسباب والنعم والجوارح إذا لم يدخلها الدين تكون سبباً للبعد عن الله، ونزول العقوبات.
والله عزَّ وجلَّ قد جعل لكل حق حداً، من تجاوزه خرج من الحق إلى الباطل.
وقد جعل الله لكل شيء سبباً، فتقع الأحداث مرتبة على أسبابها، وهي في الوقت ذاته مدبرة بحسابها بلا تعارض بين هذا وهذا، فلكل حادث سبب، ووراء كل سبب تدبير من اللطيف الخبير.
وقد خلق الله الأسباب لحكم عظيمة، ومنافع ومصالح للعباد.
وقد ابتلى الله عباده بالأسباب، وجعل لها ثلاثة أحوال:
الأول: أن الله سبحانه خلق أسباب الحلال وأسباب الحرام، فيستطيع الإنسان أن يكسب المال بالحرام عن طريق الربا والغش، والكذب والسرقة، وبيع المحرمات كالخمر والخنزير والصور ونحوهما.
ويستطيع أن يكسب المال بالحلال حسب أمر الله بالبيع والشراء والإجارة ونحو ذلك.
لكن الشيطان يخدع الإنسان ويقول له بكسب الحرام يزداد رزقك، وبكسب الحلال يقل رزقك، لكن الله يجعل البركة في القليل، ويجعل في القلوب السكينة.
وبكسب الحرام تخرج الطمأنينة من القلب، وترفع البركة والرحمة: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)} [البقرة: ٢٦٨].
الثاني: أن الله عزَّ وجلَّ أحياناً يقلل الرزق وأحياناً يزيده كما قال سبحانه: {لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (٢٣)} [الحديد: ٢٣].
فلا تحزنوا عند فقد المال، ولا تتكبروا وتبطروا عند كثرته، فالأرزاق بيد الله، وما كان ربك نسياً، فاستقيموا على أمر الله زاد الرزق أو نقص.
الثالث: أن الله أحياناً يأمرنا بفعل الأسباب وأحياناً يأمرنا بترك الأسباب فإذا جاء الأمر من الله بفعل الأسباب نستجيب فوراً ونفعل الأسباب.
وإذا جاء الأمر من الله بترك الأسباب، نترك الأسباب طاعةً لله وثقة به، وامتثالاً لأمره كما قال سبحانه في الحالين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)} [الجمعة: ٩، ١٠].
والأموال والأسباب مثل حنفيات الماء مظهر المنافع، ليست موجدة للمنافع، لأن المنافع عندالله وبيد الله.
فكما أن كل حنفية لها علاقة بخزان الماء تكون سبباً لخروج الماء، لا أنها موجدة للماء.
وكل حنفية ليس لها علاقة بخزان الماء لا تعطيك قطرة ماء، ولو مكثت الدهر كله.
فكذلك جميع المنافع والخلائق والأحوال في خزائن الله سبحانه.
تأتي بأمره.
وتزيد بأمره.
وتنقص بأمره.
وتتحرك بأمره.
وتسكن بأمره.
وتظهر على الأموال والأسباب بأمره.
فزوال العطش بأمر الله، وقد جعل الله الماء سبباً لزوال العطش فنشربه لأمر الله ولا نعتمد عليه في زوال العطش.
وقد يجعل الله الماء سبباً لزيادة العطش، كا حصل لبني إسرائيل لما شربوا من النهر، فكلما شربوا من النهر زاد العطش.
فزوال العطش بأمر الله وحده، والماء سبب، وزوال الجوع بأمر الله وحده، والطعام سبب، والله هو الذي يطعم ويسقي كما قال سبحانه: {وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)} [الشعراء: ٧٩، ٨٠].
فالله سبحانه هو الذي بيده كل شيء، وليس بيد أحد من الخلق شيء، فالأمر كله لله، والأمر لله من قبل ومن بعد.
والمؤمن كلما ترك أوامر الله سلط الله عليه الكفار يؤذونه، ويعذبونه ويذلونه حتى يعود إلى ربه فيحفظه منهم.
فالصحابة في أحُد لما خالفوا أمراً واحداً رفع الله عنهم النصرة، وأصابتهم المصيبة بكثرة قتلاهم.
ولما اختل يقين بعض الصحابة في حنين، وأعجبوا بكثرتهم رفع الله عنهم النصرة، فلما تجدد يقينهم على ربهم نصرهم على عدوهم في الحال، وأغنمهم أعظم الغنائم، وأمدهم ربهم بجنود من عنده.
وقد بين الله عزَّ وجلَّ في القرآن قصص أهل الأسباب حتى لا ننخدع بها، ولا نتوكل عليها، ولا نطمئن إليها:
ففرعون خدع بملكه، فطغى واستكبر وتجبر وأفسد في الأرض.
فماذا فعل الله به؟.
وقوم نوح اغتروا بكثرتهم واعتمدوا عليها، فاستكبروا وسخروا.
فماذا فعل الله بهم؟.
وقوم عاد خدعوا بالقوة، وقالوا من أشد منا قوة، فكفروا وكذبوا.
فماذا فعل الله بهم؟.
وقوم سبأ تعلقوا بالزراعة من دون الله.
فماذا فعل الله بهم؟.
وقوم صالح خدعوا بالصناعة، ورغد العيش.
فماذا فعل الله بهم؟.
وقوم شعيب اغتروا بالأموال والتجارة.
فماذا فعل الله بهم؟.
وجميع هؤلاء قالوا العزة بهذه الأشياء والأسباب، ولا حاجة لنا بالإيمان والأعمال والتقوى.
وكل هؤلاء عصوا رسل الله.
وكذبوهم وآذوهم.
فماذا حصل لهم؟.
وكيف كانت عاقبتهم؟.
لقد دمرهم الله وأهلكهم، وأنجى رسله والذين آمنوا معهم، كما قال سبحانه: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)} [العنكبوت: ٤٠].
والله عزَّ وجلَّ أرسل الأنبياء والرسل إلى الناس، يدعونهم إلى عبادة الله وحده، وبذلك يستفيدون من قدرة الله، ومن خزائن الله، بالإيمان والتقوى، فمن أطاع الله أكرمه، ومن عصاه عذبه.
وعند القيام بالدين يأتي البلاء والاختبار، فمن صبر فاز وأفلح، لأن الإنسان لا يترقى إلا بالاختبار كما في أمور الدنيا، فالحديد والذهب لا يصفو إلا بعد عرضه على النار: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣)} [الفتح: ٢٣].
وضعيف الإيمان، وقوي الإيمان، لكل منهما ابتلاء يخصه حسب إيمانه، وبقدر قوة الإيمان تكون قوة الابتلاء، حتى يترقى المسلم في درجات الإيمان، وكلما يترقى يفوز في الدنيا والآخرة، وأشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.
قال الله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)} [محمد: ٣١].
عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاءً؟ قال: «الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْباً اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ» أخرجه الترمذي وابن ماجة (١).
والأسباب كلها مخلوقة مأمورة، مملوكة لله عزَّ وجلَّ، وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ بفعل الأسباب، لأننا في دار الأسباب.
وإذا أردنا فعل الأسباب فلا بد من العلم بأمور:
أحدها: أن نفعل الأسباب ولا نتوكل عليها، بل نتوكل على الله وحده.
الثاني: ألا نجعل الشيء سبباً إلا بعلم، فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم أو خالف الشرع كان مبطلاً كمن يظن أن النذر سبب في دفع البلاء، وحصول النعماء، وقت ثبت شرعاً أن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل.
الثالث: أن السبب المعين وحده لا يستقل بحصول المطلوب، بل لا بد معه من أسباب أخر، ومع هذا فلها موانع، فإذا لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع، لم يحصل المقصود، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
الرابع: أن الأعمال لا يجوز أن يتخذ منها شيء سبباً إلا أن تكون مشروعة، فكما جعل الله الماء سبباً للحياة والإنبات، فقد جعل الشفاعة والدعاء سبباً لما يقضيه بذلك.
فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله فيدعو معه غيره، أو يعبده بالبدع التي تخالف الشرع، والشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وهل بعد الشرك من ذنب؟.
ولا بد لكل عبد من الجمع بين الأمرين:
التوكل على الله.
وفعل الأسباب المأمور بها.
فيزرع الزرع.
ويتوكل على الله في إنمائه وحفظه وحصول ثمرته.
ويتزوج.
ويتوكل على الله في حصول الأولاد، فالزواج سبب وهو منك وأنت الذي تفعله، وأما حصول الأولاد فهو من الله.
وتدعو إلى الله.
وتتوكل على الله في حصول الهداية، وهكذا.
والله عزَّ وجلَّ يعلم الأمور على ما هي عليه، وهو قد جعل للأشياء أسباباً تكون بها، فيعلم أنها تكون بتلك الأسباب.
كما يعلم أن هذا يولد له بأن يطأ امرأة فيحبلها.
فلو قال أحد إذا علم الله وقدر أنه يولد لي فلا حاجة الي الوطء، كان أحمقَ، لأن الله علم أنه سيكون بما يقدره من الوطء.
وكذلك إذا علم الله أن هذا يشبع بالأكل، وهذا يروى بالشرب، وهذا يموت بالقتل، فلا بد من الأسباب التي علم الله أن هذه الأمور تكون بها.
وكذلك إذا علم الله أن هذا يكون سعيداً في الآخرة، وهذا يكون شقياً في الآخرة، وهذا في الجنة، وهذا في النار.
فالله علم أن هذا يدخل الجنة بالإيمان والأعمال الصالحة، فإن لم يكن معه إيمان دخل النار.
وهذا يعمل بعمل السعداء.
وذاك يعمل بعمل الأشقياء.
والجنة خلقها الله لأهل الإيمان به وطاعته، فمن قدر أن يكون منهم، يسره الله للإيمان والطاعة.
ولا يعاقب الله عزَّ وجلَّ العبد على ما علم أنه يعمله حتى يعمله، ولهذا أمر الناس بالدعاء، ومن قال أنا لا أدعو ولا أسأل اتكالاً على القدر كان مخطئاً.
لأن الله جعل الدعاء والسؤال، من الأسباب التي تنال بها مغفرته ورحمته، وهداه وتوفيقه، ونصره ورزقه.
وإذا قدر الله للعبد رزقاً أو خيراً يناله بالدعاء، لم يحصل بدون الدعاء.
وما قدره الله وعلمه من أحوال العباد وعواقبهم، فإنما قدره الله بأسباب، وليس في الدنيا والآخرة شيء إلا بسبب، والله خالق الأسباب والمسببات، وخلق فيها الأثر كما خلقها.
وليس فعل الأسباب المشروعة كافياً في حصول المطلوب، فالولد لا يحصل بمجرد الوطء فقط، بل لا بد من تمام الشروط، وانتفاء الموانع، وأن يشاء الله خلقه، وكل ذلك بقضاء الله وقدره.
وكذلك أمر الآخرة، فليس بمجرد العمل يدخل الإنسان الجنة، بل العمل سبب، وليس العمل عوضاً وثمناً كافياً في دخول الجنة.
بل لا بد من عفو الله وفضله ورحمته.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لا يُدْخِلُ أحَداً الْجَنَّةَ عَمَلُهُ».
قَالُوا: وَلا أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَلا أنَا، إِلا أنْ يَتَغَمَّدَنِي الله بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ» متفق عليه (٢).
ومن له عذر من خلقه كالطفل الذي لا يميز، ومن مات في الفترة، والمعتوه والمجنون والأصم، ومن لم تبلغه الدعوة، فهؤلاء لا يعذبهم الله بلا ذنب البتة، وله فيهم حكم آخر في المعاد.
حيث يمتحنون، فمن أطاع منهم أدخله الله الجنة، ومن عصى أدخله النار.
ومن قدر الله له أن يكون سعيداً يكون سعيداً، لكن بالأعمال التي جعله الله يسعد بها.
ومن قدر الله له أن يكون شقياً يكون شقياً، لكن بالأعمال التي جعله الله يشقى بها، والتي من جملتها الاتكال على القدر، وترك الأعمال الواجبة.
والله على كل شيء قدير، أقدر عباده على أشياء، ومنعهم من أشياء.
(١) حسن صحيح: أخرجه الترمذي برقم (٢٣٩٨) وهذا لفظه، صحيح سنن الترمذي رقم (١٩٥٦).
وأخرجه ابن ماجه برقم (٤٠٢٣)، صحيح سنن ابن ماجه رقم (٣٢٤٩).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٦٤٦٧)، واللفظ له، ومسلم برقم (٧٨٢).
مختارات

