الخزانة التاسعة..
• فقه المحبة:
المحبة ميل النفس إلى ما تراه وتظنه خيراً من ذاتِ، أو قولٍ، أو فعلٍ، أو خُلق.
وحقيقتها ابتهاج القلب، وسروره بربه؛ لرؤية كماله، وجلاله، وجماله، ونعمه، وإحسانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
وحب الله ورسوله ﷺ فرض، والناس فيه متفاوتون، وتفاوتهم بحسب معرفتهم بربهم، وأسمائه وصفاته وأفعاله،ونعمه وإحسانه: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وأسعد الخلق في الدنيا والآخرة أقواهم وأشدهم حباً لله تَعَالَى.
أما في الدنيا: فأنسهم به، ولذتهم بمناجاته، وعبادته.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وأما في الآخرة: فبالقدوم عليه سبحانه، والأنس برؤيته، ودوام رضاه، وسماع كلامه.
قال الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].
وما أعظم نعيم المحب إذا قدم على محبوبة بعد طول شوقه، ودوام مشاهدته، من غير منغص، ولا مكدر، ومن غير رقيب، ولا مزاحم، ومن غير خوف انقطاع: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣].
إلا أن هذا النعيم على قدر قوة الحب، وقوة الحب على قدر المعرفة، فكلما ازدادت المحبة ازداد العمل، ثم ازدادت اللذة،ثم ازداد الثواب: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وأصل الحب لا ينفك عنه مؤمن؛ لأنه لا ينفك عن أصل المعرفة، لكنه يختلف قوة وضعفاً بحسب المعرفة بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فإذا عرفتم الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وعظمة ملكه وسلطانه، وعظمة إنعامه وإحسانه، أحببتموه، وإذا أحببتموه عبدتموه، وتقربتم إليه بما يحبه ويرضاه كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقوة الحب لله تحصل بأمرين:
أحدهما: قطع علائق الدنيا، وإخراج حب غير الله من القلب، فإن القلب مثل الإناء، إذا امتلأ بشيء لم يتسع لغيره: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الثاني: معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة آلائه وإحسانه: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
• أقسام المحبة:
المحبة ضربان:
أحدهما: محبة طبيعية، وذلك يكون من الإنسان والحيوان كحب الطعام والشراب ونحوهما من المحبوبات.
الثاني: محبة اختيارية، وذلك مختص بالإنسان.
والمحبة الاختيارية ضروب كثيرة، وأفضلها وأعظمها حب الله، وحب رسوله ﷺ، وحب دينه، وشرعه، وحب المؤمنين، والمتحابين في الله.
والعبودية معقودة بالمحبة، بحيث متى انحلت المحبة لله انحلت العبودية.
فإن العبودية حقًا هي عبادة الله ﷿ بكمال الحب، وكمال التعظيم، وكمال الذل لله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
والمرء مع من أحب، وإذا غُرست شجرة المحبة في القلب، وسقيت بماء الإخلاص، والمتابعة للمصطفى ﷺ، أثمرت أنواع الثمار، وآتت أكلها كل حين بإذن ربها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ولا يزال سعي المحب صاعدًا إلى حبيبه لا يحجبه دونه شيء: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (١٠)﴾ [فاطر: ١٠].
• الأسباب الجالبة لمحبة الله:
الأسباب الجالبة للمحبة هي:
١ - قراءة القرآن بالتدبر.
٢ - التقرب إلى الله بالنوافل بعد الفرائض.
٣ - دوام ذكر الله على كل حال باللسان، والقلب، والجوارح.
٤ - إيثار محاب الله على محاب العبد من أنواع العبادات، والطاعات.
٥ - مطالعة القلب لأسماء الله، وصفاته، وأفعاله، فمن عرف الله أحبه لا محالة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
٦ - مشاهدة بر الله، وإحسانه، ونعمه الباطنة، والظاهرة،فكل ذلك داع إلى محبته: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
٧ - وكذا انكسار القلب بكليته بين يدي الله تعالى، والخلوة بالله وقت النزول الإلهي حين يبقى ثلث الليل الآخر وذلك لمناجاته، وتلاوة كلامه، وذكره، وتعظيمه، وحمده، واستغفاره: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء: ٧٩].
٨ - ومجالسة المحبين الصادقين، والتقاط أطيب ثمرات كلامهم، ومباعدة كل سبب يحول بين القلب، وبين الله ﷿:﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
• علامات صحة محبة الله:
علامات محبة الله ﷿ كثيرة منها:
امتثال أوامره.
واجتناب نواهيه.
وعبادته.
وامتثال أمره في كل حال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
ومن علامات محبته: إتباع رسوله ﷺ في كل ما جاء به: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
ومن علامات محبة الله ﷿:
الذل للمؤمنين.
والشدة على الكافرين.
والجهاد في سبيل الله.
وعدم الخوف إلا من الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾ [المائدة/ ٥٤].
والناس جنس واحد، تجمعهم الإنسانية، وهم إما أن يكونوا فضلاء، أو نقصاء.
فالفضلاء تجب محبتهم؛ لموضع فضلهم، وحسن تقواهم، والنقصاء تجب رحمتهم لأجل نقصهم، فينبغي لمحب الكمال أن يكون رحيماً بجميع الناس، متحنناً عليهم، رؤوفاً بهم، متودداً إليهم، خاصة الملك والراعي، فإن الملك لا يكون ملكاً ما لم يكن محباً لرعيته رؤوفاً بهم؛ لأنه بمنزلة رب الدار: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر/ ١ - ٣].
والمحبة والعدل من أسباب نظام الناس، ولو تحاب الناس، وتعاملوا بالمحبة لاستغنوا بها عن العدل، فالعدل خليفة المحبة، يُستعمل حيث لا توجد المحبة، ولهذا عظَّم الله المنة بإيقاع المحبة بين المسلمين، كما قال سبحانه: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾ [الأنفال: ٦٢ - ٦٣].
وقال الله ﷿: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ومحبة العبد لله يدعيها كل أحد، لكن ينبغي ألا يغتر الإنسان بتلبيس الشيطان، وخداع النفس، مهما ادعت محبة الله، ما لم يمتحنها بعلامات تدل عليها.
فالمحبة شجرة طيبة في القلب، أصلها ثابت، وفرعها في السماء، وثمارها تظهر على القلب واللسان والجوارح، وتدل تلك الآثار عليها كدلالة الدخان على النار، ودلالة النور على الشمس.
ومن علامات محبة العبد لله: حب لقاء الله، فلا يتصور أن يحب القلب محبوباً إلا ويحب مشاهدته ولقاءه، وأن يكون العبد مؤثراً لما يحبه الله، على ما يحبه هو، في ظاهره وباطنه، فلا يزال مواظباً على طاعة الله، ومتقرباً إليه بالنوافل، وطالباً عنده مزايا الدرجات، كما يطلب المحب مزيد القرب في قلب محبوبه.
وأن يكون مولعاً بذكر الله تَعَالىَ، لا يفتر عنه لسانه، ولا يخلو عنه قلبه، فمن أحب شيئاً أكثر من ذكره: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣].
فعلامة حب الله:
حب ذكره، وحب كلامه، وحب رسله، وحب كل ما ينسب إليه، وكل ما يحبه من الأقوال، والأعمال، والأخلاق.
ومنها أنسه بالخلوة بالله، ومناجاته تعالى، وتلاوة كتابه،والمواظبة على التهجد كالأنبياء والرسل: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
ومنها ألا يتأسف على ما يفوته مما سوى الله ﷿، ويعظم تأسفه على فوت كل ساعة خلت عن ذكر الله تَعَالىَ، وطاعته.
ومنها أن يتلذذ بطاعة الله تَعَالىَ، ويتنعم بها، ولا يستثقلها،بل يفرح بها: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ [يونس: ٥٨].
ومنها أن يكون مشفقاً على جميع عباد الله، رحيماً بهم، شديداً على جميع أعداء الله، وعلى كل من يقارف شيئاً مما يكرهه الله، كما وصف الله رسوله والمؤمنين بقوله:﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩].
ومنها أن يكون في حبه خائفاً متضائلاً تحت الهيبة والتعظيم، والخشية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
• أقسام المحبة:
المحبة نوعان:
أحدهما: محبة نافعة.
الثاني: محبة ضارة.
فالمحبة النافعة ثلاثة أنواع:
١ - محبة الله ﷿.
٢ - ومحبة في الله.
٣ - ومحبة لما يعين على طاعة الله، واجتناب معصيته.
والمحبة الضارة ثلاثة أنواع:
١ - المحبة مع الله.
٢ - ومحبة ما يبغضه الله.
٣ - ومحبة ما تقطع محبته عن محبة الله، أو تنقصها.
قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)﴾ [التوبة: ٢٤].
فهذه ستة أنواع من المحبة النافعة، والضارة، عليها مدار محاب الخلق.
فمحبة الله تعالى أصل المحاب المحمودة، وأصل الإيمان والتوحيد، والنوعان الآخران تبع لها.
والمحبة مع الله أصل الشرك، والمحاب المذمومة، والنوعان الآخران تبع لها، ولا عيب على الإنسان في محبة زوجته وعشقه لها، إلا إذا شغله ذلك عن محبة ما هو أنفع له، من محبة الله ورسوله، وزاحم حبه حب الله ورسوله.
فكل محبة زاحمت حب الله ورسوله بحيث تضعفها وتنقصها فهي مذمومة.
وإن أعانت على محبة الله ورسوله وطاعته، وكانت من أسباب قوتها فهي محمودة، كالطعام الطيب، والشراب الحلو البارد، والحلوى، والعسل، ونحو ذلك، فهذه المحبة لا تزاحم محبة الله، بل قد تجمع الهم والقلب على التفرغ لمحبة الله.
فهذه محبة طبيعية تتبع نية صاحبها، وقصده بفعل ما يحبه، فإن نوى الإنسان به القوة على أمر الله تعالى، والاستعانة به على طاعته، كان ذلك قربة إلى الله.
وإن فعل ذلك بحكم الطبع والميل المجرد لم يثب ولم يعاقب: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾ [البقرة: ١٧٢].
فالمحبة النافعة: هي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه من السعادة، والنعيم.
والمحبة الضارة: هي التي تجلب لصاحبها ما يضره من الشقاء، والعذاب.
وكل حي فله إرادة وعمل بحسبه، وكل متحرك فله غاية يتحرك إليها، ولا صلاح له إلا أن تكون غاية حركته ونهاية مطلبه، هو الله وحده لا شريك له: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والحركة الطبيعية سببها ما في المتحرك من الميل والحب والطلب لكماله، وانتهائه، كحركة النار للعلو، وحركة النبات للنمو.
والحركات الإرادية كلها تابعة للإرادة والمحبة التي تحرك المريد إلى فعل ما يفعله.
فالمحبة هي التي تحرك المحب في طلب محبوبه الذي يكمل بحصوله له، فتحرك محب الرحمن، ومحب القرآن، ومحب العلم والإيمان.
وهي نفسها التي تحرك محب الأوثان، ومحب الصلبان، ومحب النسوان والمردان، ومحب المتاع والأثمان، ومحب الأوطان، ومحب الإخوان.
فالمحبة تثير من كل قلب حركة إلى محبوبه من هذه الأشياء، فيتحرك عند ذكر محبوبه دون غيره.
والنفس مفطورة على الحب، فلا تترك محبوباً إلا لمحبوب أحسن منه، ولا تتحمل مكروهاً إلا لتحصيل محبوب، أو للتخلص من مكروهًا أشد منه، فلا يترك الحي ما يحبه، ويهواه مع قدرته إلا لما يحبه ويهواه، ولا يرتكب ما يكرهه ويخشاه إلا حذارِ من وقوعه فيما يكرهه، ويخشاه.
وخاصية العقل التمييز بين مراتب المحبوبات والمكروهات بقوة العلم والتمييز، وإيثار أعلى المحبوبين على أدناهما، واحتمال أدنى المكروهين؛ للتخلص من أعلاهما بقوة الصبر والثبات واليقين.
فأصل كل حركة في العالم من الحب والإرادة، فهما مبدأ لجميع الأفعال، والحركات في العالم، كما أن البغض والكراهية مبدأ كل ترك وكف: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (١٥) الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧)﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٧].
وقلوب البشر مفطورة على حب إلهها وفاطرها وتأليهه وعبادته وطاعته، وصرف هذا التأله، والمحبة والطاعة إلى غير الله تغيير للفطرة، وكلما تغيرت فطر الناس بعث الله الرسل بصلاحها، وردها إلى حالتها التي خُلقت عليها.
فمن استجاب لهم، وآمن بما جاءوا به رجع إلى أصل الفطرة، ومن لم يستجب لهم استمر على تغيير الفطرة،وفسادها: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
فنفس خلق الله لا تبديل له، فلا يخلق الخلق إلا على الفطرة، كما أن خلقه للأعضاء على السلامة من الشق والقطع، لا تبديل لنفس هذا الخلق، ولكن يقع التغيير في المخلوق بعد خلقه، كما قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إلا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أو يُنَصِّرَانِهِ، أوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟» متفق عليه.
ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [الروم: ٣٠].
وخلو القلب مما خُلق له من عبادة الله تعالى، التي تجمع محبته وتعظيمه، والخضوع له، والذل له، والوقوف مع أمره ونهيه، وما يحبه وما يسخطه، هذا أكبر خطر عليه، فإن ذلك يسبب له الشقاء في الدنيا، والآخرة: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
وإذا كان في القلب وجدان حلاوة الإيمان، وذوق طعمه، أغناه ذلك عن محبة الأنداد، وإذا خلا القلب من ذلك احتاج إلى أن يستبدل به ما يهواه، ويتخذه إلهه: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦].
والدين كله يدور على أربع قواعد:
حب.
وبغض.
وفعل.
وترك.
فمن كان حبه لله، وبغضه لله، وفعله لله، وتركه لله، فقد استكمل الإيمان، وما نقص من إضافة هذه الأربعة إلى الله، نقص من إيمانه بحسبه.
أما الحب مع الله فنوعان:
أحدهما: ما يقدح في أصل التوحيد، وهو شرك، كمحبة المشركين لأصنامهم، وأندادهم، كما قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [البقرة: ١٦٥].
وهذه محبة تأله وموالاة يتبعها الخوف والرجاء والدعاء، وهذه المحبة محض الشرك الذي لا يغفره الله ﷿، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾ [النساء: ٤٨].
الثاني: محبة ما زينه الله للنفوس من النساء، والبنين، والذهب، والفضة، والخيل المسومة، والأنعام، والحرث.
وهذه ثلاثة أنواع، ولها ثلاثة أحكام:
فإن أحبها الإنسان توصلاً إلى طاعة الله، واستعانة بها على مرضاته، فهذه يثاب عليها.
وإن أحبها موافقة لطبعه وهواه، ولم يؤثرها على ما يحبه الله ويرضاه، كانت من المباح الذي لا يعاقب عليه، ولكنه ينقص من كمال محبة الله.
وإن كانت هي المقصودة، وقدمها على ما يحب الله، كان ظالماً لنفسه، متبعاً لهواه، فهذه تقدح في كمال الإخلاص، ومحبة الله، ولا تُخرج من الإسلام.
والمحبة إذا كانت صادقة أوجبت للمحب تعظيماً لمحبوبه، يمنعه من الانقياد إلى غيره، فالتعظيم إذا كان مجرداً عن الحب، لم يمنع انقياد القلب إلى غير المعظم، وكذلك إذا كان الحب خالياً من التعظيم، لم يمنع المحب أن ينقاد إلى غير محبوبه، فإذا اقترن الحب بالتعظيم، وامتلأ القلب بهما،امتنع انقياده إلى غير المحبوب: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
• أنواع المحبة: المحبة نوعان:
أحدهما: محبة خاصة، وهي المحبة المستلزمة للذل، والخضوع، والتعظيم، وكمال الطاعة لله ﷿، وإيثاره على غيره، وهذه المحبة لا يجوز تعليقها بغير الله أصلاً، ولا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب بها غير الله كان شركاً لا يغفره الله.
والمقصود من الخلق والأمر إنما هو هذه المحبة، وهي أول دعوة الرسل، وآخر كلام العبد المؤمن الذي إذا مات عليه دخل الجنة، اعترافه وإقراره بهذه المحبة، وإفراد الرب بها.
فهو أول ما يدخل به الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا إلى الله، وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها، وأسباب لتحصيلها وتكميلها وتحصينها، فهي روح الإيمان، وساق شجرة الإسلام، وروح الإيمان والأعمال التي متى خلت منها فهي كالجسد الذي لا روح فيه؛ ولأجلها أنزل الله الكتاب والحديد.
فالكتاب هادٍ إليها، ودال عليها، ومفصل لها، والحديد لمن خرج عنها، وأشرك فيها مع الله غيره: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥].
ولأجل هذه المحبة خلقت الجنة والنار، فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها لله وحده، فأخلصهم الله لها.
والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره، وسوى بينه، وبين الله فيها.
الثاني: محبة مشتركة، وهي ثلاثة أنواع:
أحدهما: محبة طبيعية مشتركة، كمحبة الجائع للطعام، ومحبة الظمآن للماء ونحو ذلك، وهذه المحبة لا تستلزم التعظيم.
الثاني: محبة رحمة وإشفاق كمحبة الوالد لولده الطفل، ونحوها، وهذه أيضاً لا تستلزم التعظيم.
الثالثة: محبة أنس، وإلف، وهذه محبة المشتركين في صناعة، أو علم، أو تجارة أو سفر، بعضهم بعضاً، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضاً.
فهذه الأنواع الثلاثة، هي المحبة التي تصلح للخلق بعضهم مع بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركاً في محبة الله سبحانه.
ولهذا كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى، والعسل، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد، وكان أحب اللحم إليه الذراع، وكان يحب نساءه، وكان أحبهن إليه عائشة ﵂، وكان يحب أصحابه ﵃، وأحبهم إليه الصديق ﵁.
وإذا استقرت محبة الله في القلب، استدعت من المحب إيثار محبوبه على غيره، وهذا الإيثار علامة ثبوتها، وصحتها، وصدقها.
فإذا آثر غير المحبوب عليه، لم يكن محباً له، وإنما هو محب لحظه ممن يحبه.
والمحبة الخالصة:
أن يحب المحبوب لكماله، وأنه أهل أن يحب لذاته وصفاته، وإنعامه وإحسانه، وذلكم هو الله وحده: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
وأن الذي يوجب هذه المحبة فناء العبد عن إرادته، لمراد محبوبه، فيكون عاملاً على مراد محبوبه منه، لا على مراده هو من محبوبه.
وحب الله ورسوله يكون بالإيمان بالله، وإحياء سنة رسول الله ﷺ في شُعب الحياة كلها في العبادات والمعاملات، وفي المعاشرات والأخلاق.
فهذا الذي يحب الله ورسوله بقلبه، وتظهر آثار هذه المحبة على بدنه وجوارحه، وصدق اعتقاده، وتصديق قوله بفعله:﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
أما من يقول بلسانه أنا أحب الله ورسوله، وهو يأكل الحرام، ويلبس لباس الكفار، ويتشبه باليهود والنصارى في لباسه وأكله، ومعاملاته ومعاشراته، فإنما يوبخ نفسه،ويشهد الله وخلقه على سوء فعله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ [العصر: ١ - ٣].
وثمرة محبة الله للعبد: هي السعادة في الدنيا، والآخرة:﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ [الرعد: ٢٨].
وقال الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
والله ﷿ يحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب المؤمنين، ويحب المتقين، ويحب المحسنين، ويحب الصابرين، ويحب طاعة رسوله ﷺ، ويحب أداء الفرائض، والإكثار من النوافل.
والفرائض: كالصلاة، والزكاة، ونحوها أحب إلى الله من أداء النوافل، والنوافل تكمل الفرائض، وإذا أكثر المسلم من النوافل مع قيامه بالفرائض نال محبة الله، فيحبه الله، وإذا أحبه الله سدده ووفقه في أعضائه الأربعة إلى كل خير.
يسدده في سمعه، فلا يسمع إلا ما يرضي الله ﷿، ويسدده في بصره، فلا ينظر إلا ما يحب الله ﷿ النظر إليه.
ويسدده في يده، فلا يعمل بيده إلا ما يرضي الله ﷿، ويسدده في رجله، فلا يمشي بها إلا إلى ما يرضي ﷿، ويجيب سؤاله، ويعيذه من كل شر إن استعاذ به.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ».
أخرجه البخاري.
***
مختارات

