الخزانة العاشرة..
كيف يزيد الإيمان في قلوبنا:
حتى يأتي الإيمان في حياتنا ويزيد في قلوبنا لابد من العلم بأمور:
الأول: أن نعلم ونتيقن أن خالق كل شيء هو الله، ظاهرًا كان أو باطنًا، صغيرًا كان أو كبيرًا، فخالق السماء هو الله، وخالق الأرض هو الله، وخالق العرش هو الله، وخالق الملائكة هو الله، وخالق النجوم هو الله، وخالق البحار والجبال هو الله، وخالق الإنسان والحيوان، والنبات والجماد هو الله، وخالق الجنة هو الله، وخالق النار هو الله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾ [الزمر: ٦٢ - ٦٣].
فالعرش شيء، والسماوات شيء، والأراضون شيء، والقمر شيء، والشمس شيء، والهواء شيء، والماء شيء، والبحار شيء، والجبال شيء، والناس شيء، والملائكة شيء، والجن شيء، والحيوانات شيء، والطيور شيء، والذرات شيء، والله خالق كل شيء، القادر على كل شيء العليم بكل شيء:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
فنتكلم بذلك، ونسمعه، ونفكر به، ونكرره، وننظر في الآيات الكونية، والآيات القرآنية، نظر اعتبار وتفكر، حتى يرسخ الإيمان في قلوبنا، ويزيد، وقد أمرنا الله بذلك بقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ [يونس: ١٠١].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧)تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
وقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]
الثاني: أن نعلم ونتيقن أن الله خلق المخلوقات، وخلق فيها الأثر، فخلق العين وفيها الأثر وهو البصر، وخلق الأذن وخلق فيها الأثر وهو السمع، وخلق اللسان، وخلق فيه الأثر وهو الكلام، وخلق الشمس وخلق فيها الأثر وهو النور، وخلق النار وخلق فيها الأثر وهو الإحراق، وخلق الشجر وخلق فيه الأثر وهو الثمر وهكذا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢)﴾ [الزمر: ٦٢].
فالمخلوق لا يخلق المخلوق، فالله خلق الشجرة، وخلق فيها الثمرة، وجعل الشجرة ممر لقدرة الله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
الثالث: أن نعلم ونتيقن أن الذي يملك جميع المخلوقات، ويتصرف فيها ويدبرها هو الله وحده لا شريك له، فكل ما في السماوات والأرض من المخلوقات كبيرهم وصغيرهم، كلهم عبيد فقراء إلى الله، لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، ولا نصرًا، ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا.
فالله مالكهم، والله خالقهم، وهم محتاجون إليه وهو الغني عنهم، وهم فقراء إليه، سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
وهو سبحانه الملك الذي يصرف الكون، ويدبر أمر جميع خلقه، فالذي يتصرف في السماوات والأرض، وفي المياه والبحار هو الله وحده، والذي يتصرف في النار والرياح، وفي الأنفس والنباتات، وفي الكواكب والجمادات هو الله وحده، والذي يتصرف في الرؤساء والوزراء، وفي الأغنياء الفقراء، وفي الأقوياء والضعفاء وغيرهم، هو الله وحده لا شريك له،وهم جميعًا في قبضته خاضعون لأمره: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
الله ﷿ يتصرف في جميع مخلوقاته في العالم العلوي والعالم السفلي بقدرته وحكمته وعلمه كيف شاء، متى شاء، فقد يخلق الشيء، ويسلب أثره بقدرته، فقد توجد العين ولا تبصر، وقد توجد الأذن ولا تسمع، وقد يوجد اللسان ولا يتكلم، وقد يوجد البحر ولا يغرق، والنار ولا تحرق، وقد فعل ذلك سبحانه؛ لأنه الذي يتصرف في الخلق كيف شاء لا إله إلا هو الواحد القهار وهو على كل شيء قدير: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وبعض القلوب تتأثر بالشيء أكثر من خالق الشيء، فتتعلق بالشيء وتغفل عن خالق الشيء سبحانه، والواجب أن نصل بهذا العلم، وبهذا النظر من المخلوق إلى الخالق، ومن الصور إلى المصور الذي خلق كل شيء وصوره، فنعبده وحده لا شريك له، ولا نلتفت لأحدٍ سواه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾ [يونس: ٣١ - ٣٢]
الرابع: أن نعلم ونتيقن أن خزائن جميع الأشياء عند الله وحده لا شريك له، فكل شيء في الوجود فخزائنه عند الله وحده، خزائن العلم عند الله، وخزائن الهداية عند الله، وخزائن النور عند الله، وخزائن الكلام عند الله، وخزائن الأخلاق عند الله، وخزائن الطعام والشراب والحبوب والثمار، وخزان المياه والرياح، وخزائن الأموال والبحار،وخزائن الجبال وغيرها كلها عند الله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾ [المنافقون: ٧].
فكل ما نحتاجه نطلبه من الله وحده، ونسأله إياه، ونكثر من العبادات والطاعات التي أمر الله ورسوله بها: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾ [البقرة: ١٨٦].
فهو سبحانه قاضي الحاجات، ومجيب الدعوات، وهو خير المسئولين، وخير المعطين، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع وكل ما تحتاجه في خزائنه: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ [الحجر: ٢١].
فالله ﷿ كما يرزق الخلق جميعاً، عليهم أن يعبدوه جميعاً:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
والله ﷿ له القدرة المطلقة في كل شيء أحيانًا يعطي ويرزق بالأسباب كما جعل الماء سببًا للإنبات، ووطء الأنثى سببًا للإنجاب، ونحن في دار الأسباب فنأخذ بالأسباب المشروعة امتثالًا لأمر الله، ولا نتوكل إلا على الله وحده لا شريك له:﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١].
فنفعل الأسباب بجوارحنا، ونتوكل على الله بقلوبنا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
وأحيانًا يعطي الله ويزرق بدون الأسباب يقول للشيء كن فيكون، كما رزق مريم طعامًا بلا شجر، وابنًا بلا ذكر: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ [آل عمران: ٣٧].
وأحيانًا يستعمل قدرته سبحانه بضد الأسباب كما جعل النار وسلامًا على إبراهيم ﷺ، وكما نجا موسى ﷺ، وأغرق فرعون وقومه في البحر بأمر واحد، وبحر واحد، في وقتٍ واحد، وكما نجا الله يونس في ظلمة بطن الحوت والبحر:﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
فالله أظهر قدرته لخلقه بالأسباب، وبدون الأسباب، وبضد الأسباب، وبقلة الأسباب، وبكثرة الأسباب: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
هذا بالنسبة للمخلوقات.
أما بالنسبة للأحوال، فعلينا
أولاً: أن نعلم ونتيقن أن خالق جميع الأحوال هو الله وحده من الغنى والفقر، والصحة والمرض، والفرح والحزن، والضحك والبكاء، والعزة والذلة، والحياة والموت، والأمن والخوف، والبرد والحر، والهداية والضلالة، والسعادة والشقاوة، فهذه وغيرها من الأحوال خلقها الله وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢].
ثانياً: ان نعلم ونتيقن أن الذي يدبر الأمر، ويصرف هذه الأحوال، هو الله وحده لا شريك له، فلا يتبدل الفقر بالغنى إلا بأمر الله، ولا يتبدل المرض بالعافية إلا بأمر الله، ولا تتغير الذلة بالعزة إلا بأمر الله، ولا يتغير الضحك بالبكاء إلا بأمر الله، ولا يموت حي إلا بإذن الله، ولا يتغير البرد بالحر إلا بأمر الله، ولا تتبدل الضلالة بالهداية إلا بأمر الله، وهكذا في جميع الأحوال: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ [المؤمنون: ٨٠].
فتأتي الأحوال بأمره سبحانه، وتزيد بأمره وتنقص بأمره، وتبقى بأمره وتنتهي بأمره، فعلينا أن نطلب تغيير الأحوال ممن يملكها بالتقرب إليه وحده بما شرع: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
ثالثاً: أن نعلم ونتيقن أن خزائن جميع الأحوال السابقة وغيرها عند الله وحده لا شريك له، فلو أعطى الله سبحانه الصحة أو الغنى أو غيرهما كل الناس لم ينقص ما في خزائنه سبحانه مثقال ذرة؛ لأن ما عند الله لا ينقص أبدًا مهما أعطى منه أبدًا، فسبحان الغني الحميد: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٦)﴾ [لقمان: ٢٦].
وقال الله ﷿ في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا، فَلْيَحْمَدِ اللهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ».
أخرجه مسلم.
• درجات الإيمان:
الإيمان في القلوب على ثلاثة درجات:
إيمان موجود.
وإيمان مفقود.
وإيمان مطلوب.
والإيمان هو مراد الله من خلقه، والإيمان له أركان وشعب، والمؤمن مأمور أن يجتهد لزيادة إيمانه كما يجتهد لزيادة ماله، ليضيف إلى الإيمان الموجود الإيمان المفقود، وبذلك يصل إلى الإيمان المطلوب الذي يحصل به الموعود من الله ﷿.
والإيمان المطلوب هو أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر والقدر خيره وشره.
فإذا أضفنا إلى الإيمان الموجود الإيمان المفقود وصلنا إلى الإيمان المطلوب، والذي تتحقق به موعودات الله ﷿ في الدنيا والآخرة، لهذا قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (١٣٦)﴾ [النساء: ١٣٦].
والمسلمون يتفاضلون في الإيمان، فإيمان الخلق درجات متفاوتة:
الأول: إيمان الملائكة، وهذا الإيمان ثابت لا يزيد ولا ينقص، فهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فهم مجبولون على الطاعة كما جبلت الشمس على الإنارة: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ [الأنبياء: ١٩ - ٢٠].
الثاني: إيمان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يزيد ولا ينقص؛ لكمال معرفتهم بالله، وهم درجات، وأعلاهم وأعظمهم إيمانًا سيد الأنبياء والمرسلين محمدٍ ﷺ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء: ١١٣].
الثالث: إيمان سائر المسلمين يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وهم درجات في الإيمان، فأول درجات الإيمان تجعل المسلم يحب الله ويعظمه ويؤدي العبادة لله ﷿، ويتلذذ بها، ويحافظ عليه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ولحسن المعاملة مع من فوقه، أو مثله من الناس يحتاج إلى إيمان أقوى يحجزه عن الظلم لنفسه، والظلم لغيره.
ولحسن المعاشرة لمن دونه من الخلق كالحاكم مع رعيته، والرجل مع أهله يحتاج إلى إيمان أقوى يحجزه عن الظلم لمن دونه.
وكلما زاد الإيمان زاد اليقين، وزاد العمل الصالح، وصار العبد يؤدي حق الله، وحقوق عباده، فهو حسن الخُلق مع الخالق ومع المخلوق، فهو حسن الخلق مع الخالق يؤدي العبادة لله ﷿ خالصة له، وحسن الخلق مع الخلق فيبذل الندى، ويكف الأذى، وينصحهم فيما ينفعهم في دنياهم وأخراهم فهذا في أرفع المنازل في الدنيا والآخرة: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩]
اللهم إنا نسألك إيماناً كاملاً، ويقيناً صادقاً، وقلبا خاشعا، ولساناً ذاكر، يا أرحم الراحمين.
***
مختارات

