الخزانة الثامنة..
• أصل الإيمان معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله:
الله ﷿ له الملك والخلق والأمر كله، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لا يكون أبدًا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فكل شيء واقع بمشيئة الله؛ لأنه لا يقع في ملك الله إلا ما أذن به، أو أمر به فأفعال الإنسان كلها خيرًا أو شرًا واقعةٌ بمشيئة الله، فإن كانت طاعات فقد أمر الله بها، وأذن الله بوقوعها، ورغب فيها، وأثاب عليها، وإن كانت معاصي فقد أذن الله بوقوعها، وحذر منها، ولم يأمر بها، وفاعلها مستحق للعقوبة: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ [الأعراف: ٢٨ - ٣٠].
وقد قال على ﵁ لرجل جاهل بالقدر: إني سائلك عن ثلاث، فإن قلت في واحدة منهن لا، كفرت، وإن قلت نعم فأنت أنت، فقال له على ﵁: أخبرني عنك أخلقك الله كما شاء أم كما شئت؟ فقال: بل كما شاء الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل عمران: ٦].
فقال له: أخلقك الله لما شاء أو لما شئت؟
فقال: بل لما شاء: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
فقال له: يوم القيامة تأتيه بما شئت أو بما شاء؟ قال: بما شاء: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)﴾ [الأنعام: ١٦٠].
قال: قم فلا مشيئة لك: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٧ - ٢٩].
والله سبحانه أنعم على الخلق بنعم لا تعد ولا تحصى، ونعم الله لا تؤخذ بذاتها منفصلة عن حكمة من أرسلها، المتصرف بها، ولكن تؤخذ النعم بتوجيهات القادر عليها، فالأصل في الماء أنه سببٌ للحياة، والأصل في النار أنها سببٌ للهلاك.
فالماء الذي خلق الله فيه أو منه كل شيء حي، إذا أراد سبحانه أن يجعله هلاكًا ودمارًا جعله طوفانًا يغرق الأرض ومن عليها كالذي حدث في عهد نوح حينما كفر به قومه، كما قال سبحانه: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (١٤)وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾ [القمر: ١٠ - ١٥].
وأغرق الله ﷿ بذلك الماء قوم نوح الذين كفروا به، فأهلك الله به الكافرين، ونجَّا به المؤمنين، لأنه القادر الذي يفعل بالأسباب، وبضد الأسباب، وبدون الأسباب.
والطوفان الذي حدث في عهد نوح ﷺ عام، والطوفان الذي حدث في عهد موسى خاص بالقبط الذين كفروا بموسى، حيث بلغ إلى نهاية رقبة الإنسان، وأغرق بيوت أل فرعون ومزارعهم، وسلمت منه بيوت بنى إسرائيل: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠)﴾ [الأعراف: ١٣٠].
وقال الله ﷿ عن فرعون وقومه: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣)﴾ [الأعراف: ١٣٢ - ١٣٣].
فلما لم يؤمنوا بموسى وأذوه ومن معه، أغرقهم الله بالماء:﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾ [الأنبياء: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥)﴾ [الزخرف: ٥٥].
والنار طبعها الإحراق لكن الله جعلها بردًا وسلامًا على خليله إبراهيم: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ [الأنبياء: ٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
الله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلا، والأفعال الحميدة المثل الأعلى، بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣].
هو الشافي ﷻ وحده لا شريك له، وأصل المرض الخروج عن منهج الله، ومرض الأجسام والقلوب أصله الخروج عن منهج الله؛ لأن الله ﷿ كامل الذات والصفات فإذا خلق شيئًا خلقه كاملًا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ [الملك: ١ - ٤].
فالله ﷿ هو الذي خلق، ورزق، وأطعم وأسقى، وأمات وأحيا: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء: ٧٧ - ٨٢].
أما الإنسان فهو الذي يخطئ ويصيب، ويصلح ويفسد، ويستقيم وينحرف، ويحسن ويسيء، ويعدل ويظلم، ويؤمن ويكفر بما أعطاه الله ﷿ من حرية الاختيار: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ [الإنسان: ٢ - ٣].
والإنسان مخلوق أودع الله فيه الشهوات، وابتلاه بالمصائب القدرية، والشهوات الحيوانية، والأوامر الشرعية، وإذا لم يكن هذا ا لمخلوق متصلًا بالله ﷿، ولم يسر على منهج الله، فسد وأفسد.
وقد أودع الله في الإنس والجن حب الشهوات، وحرية الاختيار، فإذا سار الإنسان دون مقودٍ ولا ضابط وهو الإيمان والعمل الصالح، فالدمار والهلاك واقع له لا محالة،لا محالة: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة: ٣٨ - ٣٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ [طه: ١٢٤ - ١٢٦].
والذي يحرك الإنسان حب الشهوات، فإذا تحرك دون اتصال بالهادي هلك وفسد: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].
فالإنسان فيه شهوات، وفيه حرية الاختيار، ومع هذه الحرية أعطاه الله ﷿ عقلًا بمنزلة ميزان دقيق: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠)﴾ [الأنبياء: ١٠].
وأعطاه فوق هذا الميزان الدقيق ميزانًا مهيمنًا هو الشرع، ومع هذا ترك أكثر الخلق هذا الدين وراء ظهورهم، وانطلقوا مع شهواتهم، بلا هدى ولا كتاب منير فحصل الفساد، وعم البلاء: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ [محمد: ١٢].
ومن رحمة الله بالإنسان أن هيأ له شفائين:
شفاء لروحه وهو القرآن الكريم.
وشفاء لجسده، وهو الأدوية التي أمر الشرع بها.
والشفاء لا يكون إلا من مرض، والمرض في الأصل خروج عن منهج الله، وشفاؤه باتباع منهج الله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
فإذا أعرض القلب عن منهج الله، ظهرت فيه أعراض هذا المرض من الكفر، والشرك، والكبر، والحسد، والظلم، والغش، وغيرها من المعاصي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)﴾ [الأنفال: ٣٦].
وسبب ذلك أن هذا الإنسان تعلق بالشهوات، وأعرض عن منهج الله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]
ثم حلت به عقوبة الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٥)﴾ [الأنعام: ٤٤ - ٤٥].
وكذلك الجسم يصاب بالعلل إذا خالف منهج الله في الأكل والشرب والعمل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠].
قال النبي ﷺ: «مَا أنزل دَاء إِلَّا أنزل لَهُ شِفَاء علمه من علمه وجهله من جَهله» أخرجه أبو داود.
وأمراض القلب أخطر من أمراض الجسم؛ لأن أمراض الجسد تنتهي بالموت، والموت ينهي كل ما له علاقة بالجسم، أما أمراض القلب فتبدأ خطورتها وآثارها بعد الموت، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨ - ٨٩].
وقال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (١٨٥)﴾ [آل عمران: ١٨٥].
فالقلب محل نظر الرب، فإن كان متصلًا بربه انفسح وانشرح، وأشرق بالتوحيد والإيمان والطاعات، والصدق والصفات الحسنة، وكلما طهر القلب من الشرك والكبر والحسد وغيرها من الصفات السيئة تجلى عليه الرب واطمئن بذكر الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
فسبحان الشافي الذي يشفي الأجساد والقلوب من جميع الأمراض القلبية والبدنية: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ [الإسراء: ٨٢].
اللهم رب الناس اذهب البأس اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاءك شفاء لا يغادر سقمًا.
وقال النبي ﷺ: «لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللهِ ﷿».
أخرجه مسلم.
وهذا الحديث أصلٌ في الشفاء من الأمراض قاطبة، فهو يدفع العلماء والأطباء إلى البحث عن الدواء، ومعرفة الأحكام، ويملأ قلوب المرضى بالأمل بالله أن يشفيهم من الداء الذي أصابهم، فما من داء خلقه الله إلا خلق له دواء يشفي به بإذن الله.
والله هو الشافي وحده لا شريك له، والدواء والطبيب أسباب قد تشفي وقد لا تشفي، ومن أراد الشفاء من كل داء فليتصل بالشافي من كل داء: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
الله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة، والمثل الأعلى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
الله ﷿ هو البصير الذي يبصر الأشياء كلها ظاهرها وباطنها، كبيرها وصغيرها، وسع سمعه الأصوات، ووسع بصره الذوات، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، هو البصير الذي تنكشف له صفات الأشياء، وحقائقها، البصير الذي يبصر جميع المبصرات، ويشاهد الأشياء كلها ظاهرها وباطنها: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
هو سبحانه البصير بكل شيء، يعلم النيات، ويعلم ما في الصدور، ويعلم المقاصد، ويعلم خائنة الأعين، ويعلم سر الأقوال والأعمال، ويعلم ما في القلوب من الإرادات والنيات، هو البصير الذي يرى كل ذرة، وكل نية، وكل خاطرة، وكل خافية: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾ [الملك: ١٩].
ومن علم أن الله ﷿ يبصره ويراه عبد ربه كأنه يراه، وخاف منه، ورجاه، واستحيا منه، وتتلذذ بمناجاته، وسارع إلى طاعته وفر من معصيته، كالأنبياء: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
والإنسان الذي أكرمه الله بنعمة البصر يجب أن يبصر به آيات الله الكونية الدالة على عظمته، وآيات الله الشرعية الدالة على كمال علمه وعدله وإحسانه: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
فالمؤمن حقًا صمته فكرًا، ونطقه ذكرًا، ونظره عبرة.
وأعلم بأن ربك السميع البصير، الذي خلق لك السمع والبصر يبصرك في جميع أحوالك، ويسمع كلامك، فأطعه ولا تعصه، ولا تجعله أهون الناظرين إليك، فاتق الله أن يكون هو أهون الناظرين إليك، وأعلم أن من أخفى عن غير الله ما لا يخفيه عن الله، فقد استهان بنظر الله إليه، فاستح من الله على قدر قربه منك، واشكره على قدر نعمه عليك، وخف منه على قدر قدرته عليك: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)﴾ [الحديد: ١٦ - ١٧].
فيا من عصيت ربك في خلوتك، إن كنت ظننت أن الله لا يراك فقد كفرت، وإن كنت أيقنت أنه يراك فقد اجترأت، فزين باطنك بالمراقبة، وزين ظاهرة بالمحاسبة، وإتباع السنة، وإذا أردت أن تعصي ربك فاعصه في مكانٍ لا يراك فيه، أو أخرج من سلطان ملكه، وهذا محال حتى في الخيال: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٢٠)﴾ [المائدة: ١٢٠].
إلهي أنت البصير بعيوبي، الخبير بذنوبي، مطلع على سري، وبيدك زمام أمري، أجعل في قلبي نورًا حتى أعبدك كأني أراك.
الله ﷿ هو الشهيد الرقيب الذي لا تخفى عليه خافية، وكل ذرات العالم مكشوفة له: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣].
هو الشهيد القريب من كل مخلوق، الشهيد العليم بكل مخلوق، الشهيد الذي يُعلم خلقه بما يشاء، الشهيد الذي شهد لنفسه بالوحدانية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].
فالأمور كلها بيد الشهيد سبحانه، لا بذكاء الناس، ولا بأموالهم، ولا بأحسابهم، فالله مع المحسن ينصره ويعزه، وينتقم من المسيء ويذله، فسبحان الشهيد الذي لا يغيب عنه شيءٌ في ملكه: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣].
هو الشهيد البصير الذي يعلم المؤمن من المنافق، والصادق من الكاذب، ويفوت على أهل المكر مكرهم، ويحفظ للناس حقوقهم: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه: ١١٠].
وعلامة المخلص لله ﷿ في عمله أنه لا يبحث عن تقدير الناس، ولا عن إعجابهم بعمله، ولا ينتظر حمدهم وشكرهم؛ لأنه يعلم أن الله على كل شيءٍ شهيد: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
هو سبحانه الشهيد لما ظهر، الخبير لما بطن، العليم بما ظهر وبطن.
هو الشهيد الذي يُشهد العباد أعمالهم يوم القيامة: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء: ١٣ - ١٤].
وإذا علمت أن ربك عليم بكل شيء، قدير على كل شيء، فاستقم كما أمرت؛ لأنه سوف يحاسبك: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢)﴾ [هود: ١١٢].
والله ﷿ أعلن أسماءه وصفاته في ملكه العظيم، فأنت ترى في الكون الخالق يخلق والمصور يصور، والرازق يرزق،والرحمن يرحم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
فسبحان الشهيد الحق، العليم بكل ذرةٍ في ملكه:﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
هو سبحانه الشهيد العليم بما ظهر وبطن، الخبير بالنيات والأسرار: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٨ - ٩].
والرب العظيم الذي هذه أسماؤه وصفاته وأفعاله هو الرب الذي يجب الإيمان به، وعبادته وحده لا شريك له:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
***
مختارات

