الخزانة السادسة..
• معرفة الله أعظم سبب للإيمان به:
الله ﷿ هو الرب الواحد الأحد الصمد، الذي تكامل سؤدده، وشرفه، وعظمته، وعلمه، وحكمته.
هو الصمد الذي يلجأ إليه عند الشدائد، الصمد الذي يلجأ إليه الخلق عند الحوائج والعظائم والشدائد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الصمد الذي تنزه وتقدس عن مشابهة خلقه، الذي لا جوف له، ولا يحتاج إلى الطعام؛لأنه سبحانه هو الغني الذي له ما في السماوات وما في الأرض: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ [الأنعام: ١٤ - ١٥].
فالله ﷿ هو الغني عن كل ما سواه، هو الغني بذاته وصفاته وأفعاله سبحانه، هو الغني الذي له ما في السماوات وما في الأرض وكل ما سواه فقير إليه، ومحتاج إليه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
فيجب على الفقير أن يقف بباب الغني، ويجب على الصغير أن يق بباب الكبير، ويجب على المخلوق أن يقف بباب الخالق، فيحمده ويمجده ويسأله ويستغفره: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
والله ولي المؤمنين، والشيطان ولي الكافرين، والولي هو من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به، فالإيمان سبب يوالي به المؤمنون ربهم بالطاعة، ويواليهم به ربهم بالثواب والنصر والإعانة، فالله ولي المؤمنين والمؤمنين والمؤمنون أولياؤه، بالتوحيد والإيمان والطاعات، وهو يواليهم بالأجر والثواب والعون، كما قال سبحانه: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٤)﴾ [يونس: ٦٢ - ٦٤].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾ [البقرة: ٢٥٧].
والمؤمنون بعضهم أولياء بعضٍ بالحب والأخوة والرحمة كما قال سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
والله مولى المؤمنين ينصرهم ويثيبهم دون الكافرين كما قال سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾ [محمد: ١١].
والله سبحانه مولى الخلق كلهم بالملك والقدرة ونفوذ المشيئة، كما قال سبحانه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (٦٢)﴾ [الأنعام: ٦١ - ٦٢].
والله ﷻ عالم بخفايا الأمور، وما تنكشف عنه الغيوب، وما تجري به الأقدار، فلا يفعل فعلاً ولا عملًا، ولا تكليفًا ولا جزاءًا إلا وهو في غاية الحكمة، وغاية الإحسان، وغاية العدل، وغاية الرحمة، فالله عليم بكل شيء، محيط بكل شيء، قدير على كل شيء.
والعلم بأن الله عليم بكل شيء يقتضي أن الله لا يدعوك إلا لما فيه الخير والعواقب الحسنة، لأنه يعلم عواقب الأمور، وما تؤول إليه، وما تنكشف عنه الغيوب، وما تجري به الأقدار، فلا يأمرك إلا بما هو خير مؤكد بيقين:﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ [الجمعة: ٤].
وقال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة: ٢٦٩].
فسبحان من وسع علمه كل ذرة في ملكه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
وكون الله ﷿ حكيمًا يدل على أنه لا يأمرك إلا بالخير، ولا ينهاك إلا عن الشر، فإذا كان الله ﷿ كافي الأسماء والصفات، كان ذلك مدعاة لأن يطاع ويُتبع في كل ما يأمر به، وكل ما ينهى عنه، لأنه عليم حكيم لا يضع الشيء إلا في موضعه، وذلك يبعث العبد إلى إحسان العمل، ومراقبة الله ﷿ في جميع أحواله وأقواله وأعماله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
فالعبد مخلوق لأجل أن يختبر في إحسان العمل، الذي من نجح فيه إخلاصًا ومتابعة دخل الجنة: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
فنحن خلقنا الله في هذه الدنيا من أجل الاختبار في إحسان العمل، وإحسان العمل لا يتم إلا بمراقبة الله، وإخلاص العمل له، وإتباع رسوله في كل ما جاء به، بأن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وأعظم واعظ للعبد أن يعلم أن الله رقيب عليه، مطلع عليه، يحصي عليه جميع أحواله وأقواله وأعماله، ويعلم جميع نياته وأقواله وأفعاله، وحركاته وسكناته، بل لا يعزب عنه سبحانه مثقال ذرة في العالم العلوي والعالم السفلي:﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ [يونس: ٦١].
وإذا علم العبد أن ربه رقيب عليه، شهيد عليه، وسميع لأقواله، وبصيرًا بأفعاله أحسن عبادة ربه، واتبع رسوله ﷺ.
والمراقبة هي الواعظ الأعظم، لا تكاد تخلوا منها ورقة في المصحف، والمراقبة والعلم أعظم واعظ وأعظم زاجر:﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤]
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ [آل عمران: ٢٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق: ١٦].
الإيمان بالله ﷿ أساس تبنى عليه الأعمال الصالحة، ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله من أعظم روافد الإيمان، وعلامة الإيمان أن المؤمن يحصل له وجل القلب عند سماع ذكر الله خوفًا من الزيغ عن الهدى، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].
وتحصل كذلك للمؤمنين الطمأنينة، وانشراح الصدر، عند ذكر الله كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
فالقلب يتغذى بمعرفة الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومعرفة خزائنه، ومعرفة وعده ووعيده، فيمتلئ القلب بالإيمان، وتتحرك الجوارح بأنواع الطاعات والله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فهو ﷻ القيوم والقيم والقيام والقائم على ملكه العظيم، فهو سبحانه القائم بالقسط وهو العدل، وقائم على كل نفس بما كسبت:﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
وقال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيَّومُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَالِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ» متفق عليه.
فالله ﷻ قيوم السماوات والأرض، وكل مخلوق له نصيب من القيام، فهو قائم بالقيم القيوم الذي أقامه على ما يريد، وعدل الله يستلزم الإحسان فكل ما يفعله هو إحسان إلى العباد، والقيام يقتضي القوة، والثبات، والاستقرار، ويقتضي العدل والاستقامة، وقيام الله على كل نفس بالعدل يستلزم قدرته العظيمة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ [البقرة: ١٠٦].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: ١٢].
وإذا علمتم ذلك آمنتم به، وأحببتموه، وعظمتموه، وعبدتموه وحده، فهو ﷻ القادر القدير المقتدر، خالق كل شيء وحده،القدير على كل شيء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فكل ما يقدر الله ﷿ فإما أن يكون موجودًا في الأعيان، أو في الأذهان، فهو سبحانه خالق الموجودات العينية كالسماء والأرض، ومعلم الصور الذهنية فلا يخلو شيء أصلًا عن تخليقه أو تعليمه، فهو خالق هذا ومعلم هذا: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥].
فالله خالق كل شيء وقيوم كل شيء، وكل ما أقامه القيوم فله قيام، ولكل مخلوق قدرٌ ممن خلقه يحدد نوعه، وشكله، وحركته، وزمانه، ومكانه، وحياته، وموته، فلكل مخلوق من هذه المخلوقات العظيمة في العالم العلوي والعالم السفلي قدرٌ ممن خلقه يحدد نوعه وشكله وحركته: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ [القمر: ٤٩ - ٥٠].
وقال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ [الأعلى: ١ - ٣].
والله ﷿ هو الملك الحق الذي استوى على العرش برحمته كما قال سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
بائن من خلقه، لا يحتاج إلى أحد من خلقه لا العرش ولا غيره، بل جميع المخلوقات محتاجةٌ إلى الله، مضطرة إليه، في وجودها وبقائها وحركتها وسكونها: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
والله سبحانه جعل الأعلى من المخلوقات مستغنيًا عن الأسفل، فالعرش فوق السماوات، وليس محتاجًا إليها، والكرسي فوق السماوات، وليس محتاجًا إليها، والسماوات فوق الأرض، وليست محتاجة إلى الأرض لتحملها، والله فوق العرش، ليس محتاجًا إلى العرش، بل العرش محتاجٌ إليه سبحانه، والشمس فوق الأرض وليست محتاجة إليها:﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فالله ﷿ استوى على العرش بقدرته ورحمته وعظمته وجلاله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥].
فهو العلي الأعلى العالي فوق جميع مخلوقاته، ومع علوه فهو قريب من عباده، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ويعلم سرهم وجهرهم: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
وصفات الرب ﷿ ليست كصفات خلقه، فالله مستو على العرش، وليس مفتقرًا إليه، واستواء الله على العرش ليس كاستواء الملك المخلوق على سريره، الملك المخلوق مفتقر إلى سريره ليحمله، ولو زال سريره عنه لسقط، لأن هذا فقير محتاج إلى فقير، والفقير محتاج إلى الغني، القادر،القاهر: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ [فاطر: ١٥].
سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض، فالله ﷿ غني عن العرش، وكل ما سواه، بل العرش مفتقر إلى ربه، وهو سبحانه خالق العرش، وممسك العرش، وحملة العرش، فالله خلق المخلوقات عاليًا وسافلًا، وجعل العالي غنيًا عن السافل، كما جعل الهواء فوق الأرض، وليس محتاجاً إليها، وجعل السماء فوق الهواء، وليست مفتقرة إليه ليحملها، فالله ﷿ في علوه أعظم وأجل أن يحتاج إلى من دونه من خلقه من العرش وغيره: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾ [يونس: ٦٨].
الله ﷿ هو الخلاق العليم الذي خلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، وخلق سبع أراضين بعضها أسفل من بعض، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وخلق الله ﷿الماء فوق السماء السابعة العليا، وعرش الرحمن فوق الماء،والله فوق العرش: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].
وكرسيه سبحانه وسع السماوات والأرض، وهو ﷿ مستو على العرش العظيم الذي أحاط بجميع المخلوقات: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
والله ﷿ عليم بكل شيء، يعلم ما في السماوات السبع، والأرضين السبع، وما عليهما وما بينهما، ويعلم ما تحت الثرى، وما في قعر البحر، ومنبت كل شعرة وشجرة، وزرع ونبات، ويعلم مسقط كل ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الرمل والحصى والتراب، ومثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وأعمال العباد، وآثارهم، وكلامهم،وأنفاسهم: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ [السجدة: ٦ - ٧].
هو العليم السميع البصير الذي يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه مثقال ذرة من ملكه العظيم، حجابه النور الذي لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصرهم من خلقه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
وهو الغني الذي لا شريك له، وكل ما سواه فقير إليه في خلقه وإيجاده وإمداده وهو ﷻ العليم الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما كان وما يكون وما سيكون: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج: ٧٠].
والله ﷿ هو العليم الخبير، والذي دعا عباده إلى معرفة علمه العظيم، وملكه الواسع، وقدرته الشاملة، والتعبد لله بموجب ذلك، فإذا عرفوه بكبريائه وعظمته، وإنعامه وإحسانه، أمنوا به وعظموه، وأحبوه وعبدوه وحده لا شريك له: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ [الطلاق: ١٢].
والله ﷿ هو الحكيم العليم، أخفى اثنين في اثنين:
أخفى رضاه في طاعته، وأخفى سخطه في معصيته، فلا نعلم في أي طاعة يرضى عنا ربنا، ولا نعلم في أي معصية يسخط علينا ربنا.
ثانيًا: أخفى الله ﷿ أولياءه في عباده ولا يعلم أولياءه من أعدائه إلا هو، لأنه هو العليم الخبير: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]
ولحكم عظيمة أخفى الله أمورًا، وأظهر أخرى.
فأظهر المخلوقات من سماء وأرض وجبال وبحار وغيرها وأخفى نفسه، وأظهر الدنيا وأخفى الآخرة، وأظهر قيمة الأموال والأشياء وأخفى قيمة الإيمان والأعمال الصالحة، وأظهر الأجساد وأخفى الأرواح، وأظهر السنن الكونية،وأخفى القدرة الإلهية: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
***
مختارات

