الخزانة الخامسة..
فقه أسماء الله وصفاته وأفعاله:
الله ﷿ هو الملك العظيم الذي له ملك الدنيا والآخرة، وله ملك العالم العلوي والعالم السفلي، وهو سبحانه القدوس الذي قدس نفوس الأبرار عن المعاصي، القدوس الذي تقدس وتنزه عن مكان يحويه، وعن زمان يبليه، القدوس الذي قدس قلوب أوليائه عن السكون إلى غيره، وأعانهم على معرفة الحق لذاته، ومعرفة الخير لأجل العمل به.
وهو سبحانه القدوس البريء من جميع العيوب والنقائص:﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٣].
هو السلام، السليم من الآفات والعيوب، والنقائص، السلام الواهب للسلامة، الذي سلم الخلق من ظلمه، فلا يظلم أحدًا، السلام الذي يسلم على أوليائه يوم القيامة: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ [يس: ٥٨].
وأما حظ العبد من هذا الاسم الكريم، فهو أن العبد له سلامة في الدنيا، وسلامة في الدين.
أما سلامته في الدنيا فهي أن يتخلص من المؤذيات، ويظفر بالحاجات النافعة.
وأما السلامة في الدين فهي على ثلاث مراتب:
الأولى: السلامة في مقام الشريعة وهي أن يسلم دينه من البدع والشبهات وتسلم أعماله عن متابعة الهوى والشهوات.
الثانية: السلامة في مقام الطريقة، وهي أن يكون عقله أمير شهواته، فلا يصدر منه إلا كل قول وعمل وخلق سليم.
الثالثة: السلامة في مقام الحقيقة، فلا يكون في قلبه التفات إلى غير الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والسلام ضد الوحشة، وأوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن:
يوم يولد فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث فيجد نفسه في محشر عظيم مخيف.
وقد أكرم الله نبيه عيسى فخصه بالسلامة في هذه المواطن الثلاثة، كما قال سبحانه عن نبيه عيسى ﷺ: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٣٣ - ٣٦].
والله سبحانه هو المؤمن، الذي صدق في الشهادة لنفسه، بالوحدانية، فقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران: ١٨].
وصدق أنبياءه بإظهار المعجزات على أيديهم، وشهد لهم بالرسالة، وصدق عباده فيما وعدهم به من الثواب، في الدنيا والآخرة، والأمن والرزق في الدنيا والآخرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وهو سبحانه المؤمن الذي يجعل عباده آمنين في الدنيا والآخرة من المكروهات، أما في الدنيا فبما وهبهم من الأسماع والأبصار، والعيون والجوارح، فالإنسان ضعيف في أصل فطرته، فهو عرضة للآفات، وتأتي المخافات تارة من الآفات المتولدة في باطنه، كالجوع والعطش، وتارة من خارجه كالغرق، والحرق، والأسر ونحوها، ولا يؤمنه من ذلك إلا ربه المؤمن ﷻ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ [الأنعام: ٨٢].
وأما في الآخرة فالله يؤمن أولياءه من العذاب لما آمنوا به، فلا أمن في العالم إلا من الله وحده.
وحظ العبد من هذا الاسم الكريم، أن يأمن الخلق كلهم جانبه، بل يرجو كل خائف الاعتضاد به، بدفع ما يضره ويؤلمه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ [التوبة: ٧١].
والله ﷻ هو العزيز.
والعزيز يطلق على من اتصف بأربع صفات:
الأولى: العزيز الذي لا مثل له، ولا نظير، وليس ذلك إلا لله وحده: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
الثانية: العزيز الغالب الذي لا يغلب أبدًا: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
الثالثة: العزيز القوي الشديد الذي لا يضعف أبدًا: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦)﴾ [هود: ٦٦].
الرابعة: العزيز الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
والله سبحانه هو العزيز الذي لا مثل له، ولا شريك له، العزيز الذي جمع جميع المخلوقات، العزيز الذي جميع المخلوقات محتاجة إليه، العزيز الذي يصعب الوصول إليه لعظمته وجلاله وعلوه، فلا قدرة لأحد عليه، بل هو القادر على كل ما سواه: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١٨)﴾ [الأنعام: ١٨].
وحظ العبد من هذا الاسم الكريم، أن العزيز من العباد من يحتاج إليه الخلق، ليرشدهم في دنياهم وأخراهم، وهم الأنبياء، ثم العلماء، ثم الملوك الذين يحكمون بشرع الله،وعزة كل أحد بقدر علو مرتبته في الدين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ (٨)﴾ [المنافقون: ٨].
الله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الحميدة، والمثل الأعلى، فهو ﷻ الخالق البارئ المصور، هو الخالق لكل شيء في العالم العلوي والعالم السفلي، وفي عالم الدنيا وفي عالم الآخرة، هو الخالق الذي قدر كل شيء في علمه بالمقدار النافع المطابق للمصلحة في جميع مخلوقاته، البارئ الذي أبدع تلك الأجسام، وأخرجها من العدم إلى الوجود، المصور الذي صور كل مخلوق بصورة تميزه عن غيره: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
هو سبحانه الخالق الذي بدأ الخلق بلا مشير ولا معين، الخالق الذي أظهر المخلوقات من العدم بقدرته، وقدر كل واحد منها بمقدار معين بإرادته، وصورها بصورة حسنة بمشيئته: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾ [الحجر: ٨٦].
فسبحان الخالق البارئ المصور، الذي بيده الخلق والبرء والتصوير، والرزق، والهداية، وكل نعمة لك رب العالمين:﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء: ٧٨ - ٨٢]
هو سبحانه الخالق، البارئ، المصور، الذي خلق البشر في أحسن تقويم، وزين ظواهرهم بالصورة الحسنة، وزين بواطنهم بالسيرة الحسنة.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
والله ﷿ له أسماء الجلال، وأسماء الجمال، ومن أسماء جماله أنه الغفور و الغفار، والغفور والغفار مشتقة من المغفرة، والآيات الواردة في المغفرة كثيرة جداً، منها ما ورد بلفظ الماضي إشارة إلى أن كل من استغفر ربه غفر له، كما قال سبحانه عن داود ﷺ: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤)﴾ [ص: ٢٤].
ومنها ما ورد بلفظ المستقبل، كقوله سبحانه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
ترغيباً للعباد في استغفار الغفور.
ومنها ما ورد بلفظ الأمر، تعليماً للعباد لطلب المغفرة من الغفور كما قال سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)﴾ [البقرة: ٢٨٦].
ومنها ما ورد بلفظ المصدر كما قال سبحانه: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥)﴾ [البقرة: ٢٨٥].
وآدم ﷺ أظهر الذلة، ثم طلب المغفرة، فغفر الله له: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف: ٢٣].
وموسى ﷺ أظهر الذلة ثم طلب المغفرة، فغفر الله له: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ [القصص: ١٦].
فلله الحمد حمداً طيباً كثيراً مباركاً لا نهاية لعدده، لربنا الغفور الغفار، الذي أظهر الجميل، وستر القبيح، وهذا الستر إما في الدنيا أو في الآخرة.
أما الدنيا ففي أحوال النفس والبدن، أما النفس فالله سبحانه جعل مستقر الخواطر والإرادات القبيحة في قلب العبد، وسترها حتى لا يطلع أحد عليها، ولو كشف هذا للخلق لمقتوا هذا العبد، وسعوا في إهلاكه، لكن الله هو الستير، الذي ستر ذلك على عبده.
وأما البدن فالله جعل محاسن البدن، من العيون، والشعور، وملاحة الوجه مكشوفة، وجعل مقابح بدنه التي تستقبحها الأعين مستورة في باطنه.
وأما في الآخرة فالله الغفور الرحيم، يغفر ذنوب من استغفر، ولا يطلع المذنب ولا غيره عليها، صوناً له عن ألم الخجل من الله: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠].
هو سبحانه غافر الذنب إكراماً، وقابل التوب إنعاماً، وشديد العقاب عدلاً، وذي الطول إحساناً وفضلاً، لا إله إلا هو،واحد أحد إليه المصير: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ [غافر: ٣].
هو سبحانه الرب الغفور الرحيم، الغافر الذي يزيل معاصيك من ديوانك، الغفور الذي ينسي الملائكة أفعالك، الغفار الذي ينسيك ذنوبك حتى كأنك لم تفعلها:﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾ [الملك: ١ - ٢].
واعلم أنه لا يخلوا مخلوق من حسن أو قبح، فمن تغافل عن قبائح الخلق، وذكر محاسنهم، فله حظ ونصيب من اسم الله الغفور، فاغفر غفر الله لك: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [التغابن: ١٤].
والله ﷿ هو الوهاب، والهبة هي التمليك بغير عوض.
هو الوهاب الذي كل شيء في الكون من هباته في العالم العلوي والعالم السفلي، والواهب من الخلق إنما وهب لأن الوهاب وهبه، فوهب مما أعطاه الله لغيره: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
فالله سبحانه هو الوهاب وحده لا شريك له، فالعبد ملك الله، والعبد لا يهب إلا لعوض، والله هو الوهاب الذي جميع خلقه من هباته: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
أما الله ﷿ فهو الملك، الذي يملك من شاء من خلقه ما شاء من فضله، وهو سبحانه الغني عن كل ما سواه، المنزه عن الحاجات والأعراض، فهو الوهاب الذي يعطي بلا حد ولا عوض، لأنه لا تنقص خزائنه أبداً: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ [ص: ٥٤].
هو سبحانه الوهاب جزيل العطاء والنوال، كثير المن والإفضال، يعطي من غير سؤال، ولا يقطع نواله عن العبد في أي حال.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
وحظ العبد من هذا الاسم الكريم أن يبذل ما أعطاه الله في سبيل مرضاة مولاه، وأن يقتصر على عبادة مولاه، ويبعد عمن سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
والله ﷿ هو الرزاق، الذي تكفل بجميع أرزاق الخلق.
ورزق الله نوعان:
الأول: رزق الأبدان: بالأطعمة والأشربة ونحوهما.
والثاني: رزق القلوب بالتوحيد والإيمان والمعارف الإلهية،وهذا أشرف الرزقين فإن ثمرته حياة الأبد وثمرة الظاهر إلى مدة قريبة الأمد: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
وقد أمر الله ﷿ الرزق بطلبك، فلن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، وأجلها، ورزقك يعرف عنوانك، وأنت لا تعرف عنوانه، ورزقك لن يأخذه غيرك، كما أنك لن تأخذ رزق غيرك، فالله قسم الأرزاق كلها، مكاناً، وزماناً، وكمية، ونوعية، فقد أمر الله ﷿ الرزق بطلبك، وأمرك بطلب رضاه، والجنة، فلا تشتغل بما ضمن الله لك، عما أراده الله منك: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠)﴾ [العنكبوت: ٦٠].
فلا إله إلا الله، خالق الأرزاق وتوصيلها إلى المخاليق: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
فيجب على العبد عبادة الرب الخالق الرازق الكريم:﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
أقسام أسماء الله الحسنى:
أسماء الله الحسنى ثلاثة أقسام:
الأول: ما وصف الله به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ، فيجب علينا إثباته كالسمع والبصر، والحياة والقدرة فأمثالها.
الثاني: ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله، فيجب علينا نفيه كالظلم والغفلة، وكذا ما نفاه عنه رسوله ﷺ:﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
وقال الله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ [البقرة: ٢٥٥].
الثالث: ما سكت الله عنه، فيجب أن نسكت عنه، فإن كان دالاً على نقص محض فيجب علينا نفيه؛ لأن الله منزه عن كل نقص وعيب: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
• أقسام صفات الرب ﷿:
صفات الرب ﷿ قسمان:
الأول: الصفات الثبوتية وهي كل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ من صفات الجلال والجمال كالقدرة والعلم، والقوة والرحمة، والحياة والعزة.
الثاني: الصفات المنفية وهي كل ما نفاه الله عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص كالنوم والغفلة، ونحوهما.
والصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين:
الأول: صفات الذات: وهي التي لا تنفك عن الله بحال من الأحوال، كالحياة والعلم والقدرة والوجه واليدين والعينين.
الثاني: الصفات الفعلية: وهي الصفات التي تتعلق بمشيئة الله وإرادته، إن شاء فعلها، وإن شاء لم يفعلها، كالخلق والرزق ونحوهما كالضحك والفرح والعجب، والرضا والسخط، والإحياء والإماتة، وكل صفات الأفعال صادرة عن صفات ثلاث، القدرة الكاملة، والمشيئة النافذة، والحكمة الشاملة.
والصفات الفعلية نوعان:
الأولى: صفات فعلية لها سبب معلوم، كالرضا والفرح ونحوهما.
كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا وَيَشْرَبُ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا» أخرجه مسلم (١).
الثانية: صفات فعلية، ليس لها سبب معلوم كالنزول إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر.
وجميع الصفات الفعلية ترجع إلى الصفات الذاتية، فهي راجعة إلى مشيئة الله وإرادته، وقد تكون الصفة ذاتية من جهة، فعلية من جهة كالعلم، فالله عليم يعلم، ورحمن يرحم وكريم يكرم وهكذا، وعلم الله ﷿ صفة ذاتية لله لازمة لا تنفك عنه أبداً، فهو الذي يعلم ما كان وما يكون وما سيكون.
والصفات المنفية كذلك قسمان:
الأولى: صفات منفية متصلة، وهي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال كالنوم المنافي لكمال القيومية، والظلم المنافي لكمال عدل الله، والجهل المنافي لكمال علم الله وهكذا.
الثانية: صفات منفية منفصلة، كنفي الشريك لله في ربوبيته وألوهيته، ونفي الصاحبة والولد عنه، ونفي الند والمثل، فيجب تنزيه الله عن كل ذلك: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
والله ﷿ مالك الملك والملكوت، كامل العلم والإحاطة، كامل القدرة والقهر، كامل التكوين والإعدام، والموصوف بهذه الكمالات يجب على الخلق أن يعبدوه، وينقادوا له،ويخضعوا لأمره: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤].
فقوله سبحانه: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
إشارة إلى أنه كامل الملك والملكوت.
وقوله ﷻ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
إشارة إلى أنه كامل العلم والإحاطة.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ [البقرة: ٢٨٤].
إشارةٌ إلى أنه كامل القدرة.
والله سبحانه كما أنه الكامل في الملك والعلم والقدرة فهو كذلك الكامل في الرحمة والكرم ومضاعفة الحسنات وغفران السيئات: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
***
مختارات

