الخزانة الثامنة..
• معرفة الله أعظم أبواب التوحيد والإيمان:
الله ﷿ هو رب العالمين، له الخلق كله، وله الأمر كله، وله الحمد كله، وإليه يُرجع الأمر كله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٢ - ٥].
الله ﷿ هو رب العالمين، هو رب كل شيء، وخالق كل شيء، ومالك كل شيء، ومقدر كل شيء، ومدبر كل شيء:﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وهو سبحانه الرب العظيم الذي له السؤدد والعزة والعظمة، والعلو والكبرياء، والجبروت والملكوت: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
وهو سبحانه الرب الذي أصلح خلقه، ورباهم بنعمه، الكافل لهم، القائم بمصالحهم، المواليهم بنعمه، كثير الخير والإحسان، فلا إله إلا الله كيف ينصرف العاقل عنه إلى غيره: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
هو الرب العظيم، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، هو الرب العظيم الذي يربي عباده بنعمه المادية والروحية، فله الحمد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١].
وقال الله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ [الكهف: ١].
وهو سبحانه الرب الكريم، الذي يمد أجسامنا وعقولنا وجوارحنا وقلوبنا بما تحتاج إليه من الأقوات: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [فاطر: ٣].
هو سبحانه الرب الخالق الرازق، الذي منه نعمة الخلق والإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهداية والإسعاد: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
خلق الإنسان ولم يكن شيئًا من قبل، وأمده بالنعم التي لا تعد ولا تحصى، ثم هداه إليه، من أطاعه كافأه، ومن عصاه أدبه، ومن دعاه استجاب له، ومن استغفره غفر له، فلا تتعلق بأحد سواه: ﴿رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء: ٧٧ - ٨٢].
هو سبحانه الرب الحافظ لكل شيء، القريب من كل شيء، الرقيب على كل شيء، البصير بكل شيء، السميع لكل شيء، العليم بكل شيء، الذي له جميع الأسماء الحسنى، وله جميع الصفات العلى، وله المثل الأعلى، لا إله غيره، لا رب سواه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
هو الرب العظيم الذي له الخلق والأمر، فهو الرحمن الذي استوى على عرشه العظيم، وتفرد بتدبير ملكه الكبير،وتولى تربية خلقه بكل حال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ [مريم: ٦٥].
فالخلق كله له، والرزق كله منه، والتدبير كله بيده، ومصير الأمور كلها إليه، ومراسيم التدبير كلها نازلة من عنده، تنفذها وتقسمها ملائكته بأمره، بالعطاء والمنع، والبسط والقبض، والرفع والخفض، والتحريك والتسكين، والإحياء والإماتة: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)﴾ [آل عمران: ٢٦ - ٢٧].
هو سبحانه الرب القوي العزيز الكريم، الذي يكشف الكروب، ويرفع البلاء، ويجيب المضطر، ويغيث الملهوف، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩].
فسبحان ربنا العظيم الذي لا إله غيره، ولا رب سواه.
الله ﷿ هو الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا مثيل ولا نظير، الذي توحد بجميع الكمالات وحده لا شريك له، وهو الأحد الذي لا شبيه له ولا مثيل ولا شريك، وهو الوتر الفرد الذي لا شريك له ولا مثيل، فهو الوتر وجميع خلقه شفع، خلقوا أزواجًا: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٤٩)﴾ [الذاريات: ٤٩].
سبحانه هو الله الواحد القهار، فالقهر ملازمٌ للوحدانية، فالقاهر لا يكون إلا واحدًا، والواحد لا يكون إلا قاهرًا، فالذي يقهر جميع المخلوقات هو الواحد الذي لا نظير له، فهو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له، لأنه الواحد الأحد القاهر القهار وحده لا شريك له: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
هو ﷻ الواحد الأحد بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، هو الواحد الأحد الذي لا قسيم له، هو الواحد الأحد الذي لا شريك له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله وملكه وسلطانه، فلا إله غيره، ولا رب سواه، ولا نعبد إلا إياه، سبحانه هو الله الواحد القهار، هو الرب الواحد الأحد الذي لا شريك له ولا مثيل ولا شبيه ولا نظير له: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
والمؤمن حقًا من يرى أن الله وحده بيده الخير، وبيده كل شيء، وغيره ليس بيده شيء، وهذا هو التوحيد المطلوب من البشر، توحيد الرب بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله،وتوحيده بأفعال العبد من صلاةٍ ودعاءٍ وذكرٍ وغيرها: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ [إبراهيم: ٥٢].
ومن خرج عن هذا التوحيد وقع في آلامٍ وهمومٍ لا تحتمل،وفتح على نفسه أبواب شقاءٍ لا نهاية له: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].
والتوحيد هو الذي فيه الفوز والنجاة فقط، ألّا ترى مع الله أحدًا فتعبده وحده، ولا تلتفت إلى أحدٍ سواه، وأن ترى كل شيءٍ في أقداره وأحكامه ينتهي إلى خير: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾ [آل عمران: ٢٦].
والله ﷻ هو الواحد الأحد الذي ليس له شريك، فهو واحدٌ في ذاته لا شريك له، واحدٌ في أسمائه وصفاته وأفعاله لا شريك له، واحدٌ في إلوهيته وعبوديته فلا شريك له:﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
والتوحيد أن تؤمن بالله ربًا وإلهًا واحدًا لا شريك له،وتتيقن أن الله وحده بيده كل شيء وغيره ليس بيده شيء فتعبده وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
واعلم أيها العبد أن نهاية العلم التوحيد، والتوحيد أفضل ما تعلمه العبيد، وأوجب شيءٍ على المخاليق: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥].
والتوحيد مأخوذٌ من اسم الله الواحد، وهو قسمان:
الأول: توحيد الربوبية، وهو توحيد الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، بأن تؤمن أن الله وحده لا شريك له ولا مثيل له في أسمائه وصفاته وأفعاله، واحدٌ لا شريك له في خلقه وتدبيره وأمره وملكه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
الثاني: توحيد الألوهية: وهو توحيد الله بأفعال العباد، بأن تؤمن أن الله وحده هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له، وتعبده بما شرع، ولا تعبد معه أحدًا غيره، لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى،والأفعال الحميدة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
فلا إله إلا الله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
فسبحان الواحد الأحد الذي تناهى في عظمته وسؤدده، فلا شريك له ولا مثيل، الواحد الذي يكفيك من كل أحد، وكل أحد لا يكفيك من الواحد الأحد، الأحد الذي يحتاجه كل أحد، الواحد الذي لا يحتاج إلى أحد:﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ [البقرة: ١٦٣].
فلا تدع مع الله إلهاً أخر: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ [الإسراء: ٣٩].
تطيع الله مرة وتطيع هذا الإله مرة: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤].
الله واحدٌ أحد لا ثاني له، لا شريك له، لا مثيل له، هو الغني وحده لا شريك له، فتوجه إليه واعبده وحده لا شريك له:﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (٥٢) وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥١ - ٥٣].
فاعبد الواحد الأحد الذي بيده جميع الأمور وحده لا شريك له: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣)﴾ [هود: ١٢٣].
ودلائل وحدانيته ﷻ شائعةٌ في مخلوقاته في السماوات والأرض وشواهدها ظاهرةٌ، ورسومها بينةٌ ناطقة: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ [ق: ٦ - ٨].
اللهم ارزقنا كمال التوحيد والإيمان: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣)﴾ [آل عمران: ٥٣].
الله ﷿ هو الأول والآخر والظاهر والباطن، هو الأول الذي ليس قبله شيء، الذي لا ابتداء لوجوده، الآخر الذي ليس بعده شيء، الذي لا نهاية لوجوده، الظاهر فوق كل شيء الذي ليس فوقه شيء، الأعلى فوق كل شيء، الباطن دون كل شيء، العليم بكل شيء: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
هو الأول فليس قبله شيء، لم يزل كذلك أولًا، ولا يزال كذلك أبدا، له سبحانه أولية الشرف والسؤدد، وله أولية الجمال والجلال، وله الأولية في المراتب والمعالي كلها؛ لأنه العظيم الذي له جميع الأسماء الحسنى بحقائقها، وجميع الصفات العلى بكمالها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو سبحانه الخالق الأول، الرازق الأول، المحبوب الأول، المطلوب الأكبر، المبتغى الأعلى، الكبير الذي إليه المنتهى:﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الروم: ٤ - ٥].
هو سبحانه الأول قبل الأشياء، الباقي بعد فناء الأشياء، الذي كتب كل أولٍ وآخر، وخلق كل أولٍ وآخر، وملك كل أولٍ وآخر، وأعطى كل أولٍ وآخر.
قال رسول الله ﷺ: «كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ».
أخرجه البخاري.
هو سبحانه أول الأولين فلا شيء قبله، وهو آخر الآخرين فلا شيء بعده، وهو سبحانه الأول الذي ابتدأ خلق كل شيء، الأول الذي أوّل الأول من المخلوقات، والآخر الذي أخّر الآخر من المخلوقات، وهو إله الأولين والآخرين ورب الخلق أجمعين: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
هو الأول بلا بداية، وهو الآخر بلا نهاية، ليس كمثله شيء في جميع ما يوصف به من كل شيء يليق بجلاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ [الشورى: ١١].
هو الأول والآخر في الأسماء الحسنى، الأول والآخر في الصفات العلى، الأول والآخر في الجمال والجلال، الأول والآخر في الإحسان والإنعام، الأول والآخر في العدل والإحسان، الأول والآخر في الإيجاد والإمداد، الأول والآخر في التصريف والتدبير: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
هو الأول والآخر في القوة، الأول والآخر في العلم، الأول والآخر في الملك، الأول والآخر في الرحمة، هو الأول في العظمة والكبرياء، الآخر في العظمة والكبرياء، هو الأول في الجلال والجمال، والآخر في الجلال والجمال، هو الأول بإحسانه، الآخر بإحسانه، هو الأول والآخر في الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الجميلة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو الأول والآخر الذي أحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر، فما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، فسبق كل شيءٍ بأوليته، وبقي بعد كل شيءٍ بآخريته، وهو الظاهر والباطن الذي أحاط بكل ظاهرٍ وباطن، فما من ظاهرٍ إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه، الذي علا فوق كل ظاهر، ودنا من كل شيءٍ باطن، الظاهر بعلوه وعظمته، الباطن في قربه ودنوه.
هو الأول والآخر الذي أحاطت أوليته وآخريته بالزمان كله، الظاهر والباطن الذي أحاط بظاهريته وباطنيته بالمكان كله.
فسبحان المحيط الذي أحاط بكل شيءٍ علمًا، المحيط بجميع الزمان والمكان: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)﴾ [الحديد: ٣].
هو الأول والآخر الذي لا ابتداء لوجوده، الآخر الذي لا انتهاء لوجوده، الظاهر الذي علا كل شيء، الباطن الذي دنا من كل شيء، فما من أول إلا والله قبله، وما من آخر إلا والله بعده، وما من ظاهر إلا والله فوقه، وما من باطن إلا والله دونه: ﴿هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٥)﴾ [غافر: ٦٥].
الله وحده هو الأول، والآخر، لأن الأمر منه ابتدأ وإليه يرجع، فما أسعد من آمن بالله، وأخلص عمله لربه، وسارع إلى السبق في كل فضيلة، وابتعد عن كل معصية ورذيلة:﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾ [المؤمنون: ٥٧ - ٦١].
هو سبحانه الأول والآخر الذي جميع الخيرات والبركات جاءت منه، والغايات والنهايات كلها تنتهي إليه، وليس له سبحانه غاية ولا نهاية، لا في وجودٍ، ولا مزيد فضلٍ، ولا نهاية لحمده وعطائه: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
كلما ازداد العبد له شكرًا زاده فضلًا، وكلما ازداد له طاعة زاده مثوبة، وكلما ازداد العبد لله قربًا اقترب منه أكثر، وكلما ازداد له ذكرًا ذكره ربه أكثر، عظيمٌ كريمٌ لا يقف على غايةٍ ولا نهايةٍ أبدًا، فالمؤمنون في الدنيا والآخرة في مزيد فضله الدائم بلا انتهاء: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ [ق: ٣٥].
هو ﷻ أول كل شيءٍ وآخره، هو المبتدئ بالفضل والإحسان حيث لا سبب ولا وسيلة، وكما أن الله هو رب كل شيءٍ وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التي لا صلاح ولا فلاح إلا بأن يكون الله وحده غايته ونهايته ومقصودة: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
فالتوحيد أصل كل خير، والشرك أصل كل شر: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
إن معرفة الله ﷿ بأسمائه وصفاته وأفعاله أعظم روافد الإيمان، وأفضل السبل لزيادة الإيمان، وذوق حلاوته، وأيسر الطرق للوصول إلى حقيقة التوحيد والإيمان، وصدق العبودية: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وأحب عباد الله إليه وأكرمهم عليه هم أهل هذه المعرفة؛ لأنهم في رياض معرفته حاضرون، وإلى جماله وجلاله ناظرون، وبأوامره الملكية الشرعية يعملون، إن نظروا إلى صفات جلاله هابوه، وإن نظروا إلى صفات جماله أحبوه، وإن نظروا إلى شدة نقمته خافوه، وإن نظروا إلى سعة رحمته رجوه وأنابوا إليه: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٨)﴾ [المائدة: ٩٨].
والله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، فمن سار إلى الله باسمٍ من أسمائه الحسنى وصل إليه، ومن تعلق بصفةٍ من صفاته العلى أخذت بيديه حتى تدخله عليه بكمال الحب والتعظيم والذل له، فحياة القلوب في معرفته ومحبته وتعظيمه، وحياة الجوارح في التقرب إليه بالعبادة بما شرع،وحياة اللسان بدوام ذكره وشكره والثناء عليه والدعوة إليه:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن أيقن أن الله ﷿ هو الأول فوض الأمور كلها إليه، وتوكل عليه وحده، ولم يلتفت إلى غيره، ومن أيقن أن الله هو الآخر أيقن أن الأمور كلها أولها وآخرها بدأت منه، وترجع إليه، فلا يلتفت إلى أحدٍ سواه.
وهذان الاسمان الأول والآخر يوجبان للعبد الاضطرار إلى الله، ودوام الافتقار إليه، فهو الأول المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وهو الآخر الذي ينتهي به كل شيء.
ومن أيقن أن الله هو الظاهر قصده وصمد إليه في جميع حوائجه، ومن أيقن أن الله هو الباطن علم قربه منه فاستحيا منه، لكثرة نعمه عليه، وكثرة معصيته له، وأحبه وخافه ورجاه لما له من الأسماء الحسنى،والصفات العلى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣].
لهذا معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله في باب التوحيد، وباب الإيمان، بمنزلة الرأس من الجسد، فالله ﷿ له الأسماء الحسنى والصفات العلى.
ومن أسمائه الحسنى الكبير ﷻ، فهو الكبير الذي كل شيءٍ دونه، ولا شيء أعظم منه، الكبير الأكبر في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، الذي صغر دون جلاله كل كبير: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨].
هو الكبير الذي كبر وتكبر عن التشبه بالمخلوقين، وكبر عن المثيل والشبيه والنظير، وكبر عن صفات النقص والعيب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ١ - ٤].
هو الكبير في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، الذي من كبريائه وعظمته أن الأرض قبضته يوم القيامة، والسماوات مطوياتٌ بيمينه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
والكبرياء لله تتضمن العظمة، والكبرياء أعظم منها، واسم الله الكبير الصفة المشتقة منه هي الكبر: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
ومن عرف أن ربه هو الكبير أكثر من تكبيره، وعظم أوامره، وخاف منه وخشع له، وأحبه ومجده، وأفرده بالعبادة، وأطاع أمره، واجتنب نهيه، وانقاد لحكمه، وعظّم أوامره وحرماته: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١].
فسبحان العلي الكبير الذي كبر وعلا في ذاته فلا أكبر ولا أعظم منه، وسبحان الكبير في صفاته، فصفاته كلها صفات كمالٍ وعظمةٍ وجلالٍ وجمال، وسبحان الكبير في أفعاله،فعظمة آياته ومخلوقاته تشهد بجلال أفعاله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [غافر: ٥٧].
هو ﷻ الكبير العلي العظيم، ذو الجلال والكبرياء، الذي صغر دون جلاله وعظمته كل كبير، فلا إله إلا الله الكبير الذي له العظمة والجبروت، والإكبار والإجلال، والملك والسلطان، في السماوات والأرض: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
هو الكبير الذي كبر وتعالى عن جميع النقائص والعيوب والمساوئ، الكبير الذي كبر وعلا عن عبادة ما سواه، فلا يقبل أن يعبد معه غيره، الذي كبر عن الشبيه والمثيل، الكبير المصرف عباده على ما يريد من خلقٍ وتدبير وأمرٍ ونهي، لا يقضى دونه أمر ولا يرد حكمه أحد: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
هو الكبير الذي كبر عن كل سوءٍ وشرٍ وظلم، والكبير في علوّه، العلي في كبريائه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾ [الحج: ٦١ - ٦٢].
وجلا الله وكبرياؤه لا يعلمه إلا هو، ولا يدرك كنه ذلك أحد، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فالعز إزاره، والكبرياء رداؤه فمن نازعه فيهما عذبه كما قال النبي ﷺ: «الْعِزُّ إِزَارُهُ، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ».
أخرجه مسلم.
فالله هو الكبير المتكبر الذي له الكبرياء في العالم العلوي والعالم السفلي، الكبير الذي لا نهاية لكبريائه وعظمته، فهو سبحانه الكبير وحده في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله،والكبير الأكبر من كل شيء ذاتًا وقدرًا وشأنًا وعزةً وجلالًا وجمالًا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨].
فالله هو الكبير وحده لا شريك له، العظيم وحده لا شريك له، ولا حظ للعبد في هذه الاسماء الكبير والعظيم والعزيز، والكبرياء والعظمة والعزة لله وحده، وحظ العبد من ذلك الذلة والافتقار والصغار للكبير وللعظيم وللعزيز، وأن يتصاغر العبد لكبريائه، ويخضع لعظمته، ويذل لعزته، ويسارع إلى طاعته، ولا يستكبر عن عبادته، ويلازم التسبيح والتحميد والتكبير والإجلال لربه الكبير الأكبر المتعال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾ [الرعد: ٩].
ومن عرف ربه الكبير خلع عن نفسه أوصاف الربوبية، ولبس رداء العبودية، ومن تكبر عن الحق، وتكبر على الخلق، شقي في الدنيا والآخرة واستغنى الله عنه: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت: ٣٨].
ثم حُرم دخول جنة الخلد كما قال النبي ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ».
أخرجه مسلم.
***
مختارات

