الخزانة التاسعة..
غذاء القلوب:
العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله أعظم أبواب التوحيد، وأول العلوم، وأوجب العلوم، وأشرف العلوم، لأنه أساس العبودية، والعلم به يدعو العبد إلى محبة الله، وتكبيره، وتعظيمه، وتوحيده، وخشيته، وتقواه، وإخلاص العمل له، ولتحصل للعبد معرفة المعبود قبل العبادة، ومعرفة المطاع قبل الطاعة، ومعرفة المسئول قبل السؤال، ومعرفة الآمر قبل معرفة الأوامر.
فتستقر في القلوب عظمة الرب وجلاله، وتمتلئ بمحبته وإجلاله، وتطمئن بذكره وعبادته، ويجتمع باطن الإنسان وظاهره على طاعة مولاه، ويتفق سر الإنسان وعلانيته، على حسن الثناء على ربه، وحمده وشكره، والافتقار إليه،والانكسار بين يديه: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ (٢٩)﴾ [الرعد: ٢٨ - ٢٩].
لهذا أمرنا الله ﷿ أولًا بمعرفته قبل كل شيء، فمعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أعظم العلوم نفعًا، وأحسنها ثمرة، وأحلاها طعمًا: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
وغذاء القلوب في هذا العلم الذي يثمر التوحيد والإيمان الصادق.
والله ﷿ هو الكبير في ذاته وأسمائه وصفاته، والكبير في قوته، وكل ما سواه مخلوقٌ صغيرٌ ضعيفٌ عاجزٌ محتاج، فإذا تسلط عليك أحد، فاعلم أن الله أرسله إليك ليؤدبك به، لتعود إليه.
ثم الله ﷿ ينتقم منه، فالطغاة عصيٌ بيد الله ينتقم الله بها من الظالمين، ثم ينتقم منها، كما سلط الله فرعون على بني إسرائيل، لما خالفوا أمر الله، ثم أغرق الله ﷿ فرعون وجنوده في اليم.
والأسباب بيد الله، وهي من جنود الله، والله له سنةٌ يفعلها، أو يعطلها، أو يعكسها، فالله أنجى إبراهيم ﷺ من النار وهي تشتعل، ودمر فرعون مع ملكه، وخسف بقارون مع ماله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ [لقمان: ٣٠].
والأمر كله بيد الكبير وحده لا شريك له، هو الكبير الذي في يده كل شيء، فأن نأخذ بالأسباب، ونتوكل عليها، فهذا شرك، وأن نعطل الأسباب ولا نأخذ بها هذه معصية، وأن نأخذ بالأسباب، ولا نتوكل إلا على الله، فنعمل الأسباب بجوارحنا، ونتوكل على الله بقلوبنا، فهذا هو الإيمان بالله:﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٣)﴾ [التغابن: ١٣].
والله ﷿ هو الكبير الذي له الكبرياء في السماوات والأرض، هو الذي يجب أن يعبد وحده لا شريك له:﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ [غافر: ١٢].
والله ﷿ كبيرٌ في ذاته، ولا يعرف كبرياءه إلا هو: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾ [الأعراف: ١٤٣].
وهو ﷻ الكبير في قدرته: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾ [الأعراف: ٥٤].
وهو الكبير في كلامه: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧) مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾ [لقمان: ٢٧ - ٢٨].
هو الكبير الذي خلق كل شيء، وقدر كل شيء، وعلم كل شيء: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
هو ﷻ الكبير في ملكه وسلطانه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
وهو الكبير سبحانه في حكمه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج: ٦٢].
وهو الكبير في علمه: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩].
فمن هذا شأنه، وهذا جلاله وكبرياؤه، وهذه قدرته، وهذا علمه، وهذا حكمه، وهذا سلطانه، يجب أن نؤمن به ولا نكفره، ويجب أن نطيعه ولا نعصيه، ويجب أن نذكره ولا ننساه، ويجب أن نحبه ونعظمه ونعبده وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ [الزمر: ٦].
الذي يجب أن نحب هو العظيم الكبير، الكريم الرحيم:﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢)﴾ [الحشر: ٢٢].
فأعلى الحب أن تحب من يستحق الحب الكامل، وتطيع وتعبد من يستحق الطاعة والعبادة الكاملة وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وبقدر المعرفة لله بأسمائه وصفاته وأفعاله تكون المحبة لله، وبقدر المحبة تكون الطاعة والعبادة، وبقدر الطاعة والعبادة تكون السعادة في الدنيا والآخرة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب: ٧١].
الله ﷿ هو الكبير الذي يجب أن يطاع، هو الكبير الذي يجب أن يعبد، فمن أطاع المخلوق، وعصى الخالق، فما قال الله أكبر ولا مرة، ولو قالها بلسانه ألف مرة، ومن كذب على الله ورسوله ودينه والمؤمنين فما قال الله أكبر ولا مرة، ولو قالها بلسانه ألف مرة.
ومن أعرض عن ذكر الله، أو رضي بشرعٍ غير شرع الله، فما قال الله أكبر ولا مرة، وإن قالها بلسانه ألف مرة، ومن حلل الحرام أو حرم الحلال فما قال الله أكبر ولا مرة، ولو قالها بلسانه ألف مرة، فلابد من تطابق القلب والقالب واللسان في الإيمان بالله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢)﴾ [الصف: ٢].
ومن حكم بغير ما أنزل الله فما قال الله أكبر ولا مرة،وإن قالها بلسانه ألف مرة: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].
ومن أكل الربا أو فعل فاحشة الزنا أو اقتحم المحرمات فما قال الله أكبر ولا مرة، وإن قالها بلسانه ألف مرة.
وكمال الإنسان أن يكمل غيره، كمال الإنسان أن يكون صالحًا ومصلحًا، يكون صالحًا ويصلح غيره، كمال الإنسان أن يكون عالمًا معلمًا لغيره، كمال الإنسان أن يأخذ من ربه ويحسن إلى خلقه، كمال الإنسان أن يحب لغيره كما يحب لنفسه، كمال الإنسان أن يكون ذاكرًا مذكرًا لغيره، كمال الإنسان أن يكون مؤمنًا يأمنه غيره، هذا هو الكبير من العبيد في أقواله وأعماله وأخلاقه، وحتى يحبك الله كن كبيرًا بكل ذلك: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].
فالله ﷿ هو الكبير في وجوده لم يسبقه عدم، ولا يلحقه زوال، وكل ما سواه من الموجودات سبقه عدم، ويلحقه زوال، فكل ما سوى الله مخلوقاتٌ سبقها عدم، وسيلحقها الزوال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٦ - ٢٧].
فالإنسان خلقه الله الكبير، ورزقه الكبير، وأنعم عليه الكبير، وهداه الكبير، فلا يليق بالإنسان إلا أن يعبد الكبير، ويشكر الكبير، ويؤمن بالكبير ﷻ: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)﴾ [النساء: ١٤٧].
ولا يليق بالإنسان أن يتعلق بما سواه من المخلوقات التي هي دونه، أو مثله من المخلوقات، لأن الإنسان خُلِق لعبادة الله، فالتراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان خُلق للإنسان، والإنسان لله، خلقه الله لعبادته: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦].
أي يوحدون، فلا يليق بالإنسان أبدًا أن يكون لغير الله، وأن يعبد غير الله، فسعادته في عبادة ربه وحده لا شريك له، واجتناب عبادة ما سواه: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ [الذاريات: ٥٠ - ٥١].
وغذاء القلوب سبعة أمور:
١ - معرفة الله.
٥ - ومعرفة خزائنه.
٢ - ومعرفة أسمائه.
٦ - ومعرفة وعده.
٣ - ومعرفة صفاته.
٧ - ومعرفة وعيده
٤ - ومعرفة أفعاله.
هذا غذاء القلوب الذي يثمر الإيمان الكامل، والتقوى الكاملة.
والله ﷿ هو العظيم، عظيم الذات، والأسماء، والصفات، والأفعال، عظيم الشأن، كبير القدر، واسع الرحمة، واسع العلم، عظيم القدرة.
والتعظيم لله ﷻ يكون بأمرين:
أحدهما: وصفه بصفات الكمال من العلم المحيط، والقدرة النافذة، والرحمة الواسعة، والكبرياء والعظمة، وتنزيهه عن صفات النقص والعيب: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
الثاني: تعظيم الله وتكبيره بالقلوب والألسن والجوارح وحده لا شريك له، فهو المستحق لكل ذلك وحده من جميع خلقه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
ويحصل ذلك للعبد ببذل الجهد في معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، وذلك يثمر محبة الله وتعظيمه، والذل له، والانكسار بين يديه، والخضوع لعظمته وكبريائه، والخوف منه، والخشية له، وتحريك اللسان بحمده والثناء عليه، والاستغفار له، وقيام الجوارح واللسان بشكره وعبادته:﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
والله ﷻ هو العلي العظيم، العلي الكبير، العزيز الجبار المتكبر، الكبير الذي له الكبرياء في السماوات والأرض، العظيم ذو الجلال والإكرام والعزة والجبروت، العظيم الذي تضاءل عند عظمته جبروت الجبابرة، وتصاغرت بجانب جلاله وكبريائه أنوف الملوك القاهرة، وذلت لعزته جميع العبيد في الدنيا والآخرة: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [آل عمران: ٨٣].
هو العظيم المالك القادر القاهر لكل شيء، نواصي العباد بيده، وقلوبهم بيده، فلا يتصرفون ولا يعملون إلا بإذنه ومشيئته، ولا يتحركون ولا يسكنون إلا بإرادته: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾ [هود: ٥٦].
هو ﷻ العظيم الواحد الأحد، الذي له الكبرياء والعظمة وحده لا شريك له، وله الخلق كله، وله الأمر كله، وله الملك كله، ومنه الفضل كله، وإليه يُرجع الأمر كله: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾ [الشورى: ٥٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (٤٢)﴾ [النجم: ٤٢].
والكبرياء لله أكمل من العظمة؛ لأنه يتضمنها، ويزيد عليها، ولهذا جاءت الألفاظ المشروعة في الأذان والإقامة والصلاة بقول «الله أكبر»، فذلك أكمل من قول «الله أعظم»، فالكبرياء رداؤه ﷻ، والعظمة إزاره، والرداء أشرف من الإزار وأعلى وأكبر.
«قال اللهُ ﵎: «الكبرياءُ ردائي، والعظمةُ إزارِي، فمن نازَعَني واحِداً منهما قذفتُه في النَّارِ».
رواه أبو داوود بسندٍ صحيح.
والله ﷿ له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، والأفعال الكبرى، والمثل الأعلى، واسم الله العظيم يشتق منه صفة العظمة، وهي من صفات الله الذاتية الثابتة في القرآن والسنة: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤].
وفي السنة نقول في الصلاة: «سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ» أخرجه أبي داود.
والله سبحانه هو العظيم الحليم، الذي على عظمته وكبريائه وجلاله وجبروته وقوته غفورٌ حليم، رءوفٌ رحيمٌ بخلقه، وحلمه وعفوه ومغفرته عن قوةٍ وعظمة، ليس عن عجزٍ وحاجة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
فسبحان من عظمته يزينها الحلم والرفق والعفو والرأفة، أما عظماء البشر وملوكهم فالغالب عندهم ضعف الحلم، وقلة العفو، لأنهم يغترون بعظمتهم ويبطشون بمن خالفهم، لضعف الرحمة في قلوبهم، وعظمة الكبر في نفوسهم: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾ [القصص: ٤].
فسبحان الله العظيم الكبير المجيد الذي له الكبرياء والعظمة، والمجد والجلال: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣)﴾ [الحشر: ٢٢ - ٢٣].
هو العظيم المجيد في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، المجيد في أقواله وأفعاله، العظيم في ملكه وسلطانه، الكبير الذي هو أكبر من كل شيء، الكبير الذي تكبر عن صفات النقص والعيب، وتكبر عن الشريك والمثيل، وتكبر عن كل ما سواه: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
ومن عرف ربه العظيم بأسمائه وصفاته وأفعاله، آمن بكتابه العظيم، وامتثل أمره العظيم، ونال ثوابه العظيم:﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (١٩)﴾ [محمد: ١٩].
ومن آمن بالله العظيم، صدق ذلك بجوارحه، وأوجب له هذا الإيمان بربه العظيم الخوف من الله، والحب لله، والحياء منه، والخضوع له، والتذلل لعظمته، والخشية له، والتوكل عليه، والاستعانة به، وإفراده بالعبادة وحده لا شريك له، والمسارعة إلى طاعته، والبعد عن معصيته، وإخلاص العمل له، وتعظيم أمره وكتابه والانقياد لحكمه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
ومن عظّم الله عظّم شعائره وحرماته، فحقق الطاعة الكاملة بامتثال أوامر الله من الصلاة والصيام والزكاة والحج والأذكار وغيرها وسائر الأركان والواجبات، والسنن والمستحبات: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٣٢].
ومن عرف العظيم عظّم حرماته، فاجتنب ما نهى الله عنه وحرمه من الاعتقادات والأقوال والأعمال والأخلاق، من الشرك والنفاق، وترْك الواجبات، وفعل المحرمات كالزنا والربا وشرب الخمر، والسرقة، واجتنب الكذب وشهادة الزور والغيبة والنميمة وغيرها.
فتعظيم الأمر والنهي ناشئ عن تعظيم الآمر الناهي سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾ [الزمر: ١٧ - ١٨].
فمن عظم الله ولم يعظم أمره ونهيه فما عظم الله بقلبه مرة، ولو عظمه بلسانه ألف مرة: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤) أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ [نوح: ١٣ - ٢٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧]
.
ومن عرف العظيم حقًا كبّره حقًا، وحمده حقًا، ووحده حقًا، ومجده حقًا، وعبده حقًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ [البقرة: ٢١ - ٢٢].
***
مختارات

