القبر على بُعد خطوات!
مات النبي عليه الصلاة والسلام يوم الاثنين.
ودُفن يوم الثلاثاء.
تولى الصدّيق الأمانةوفي الأيام التي تلت، بدأت تأتي الأخبار.
لم تكن حرباً من أفق بعيد.
ولم تكن عدواً يُعرف وجهه، كانت أشد: تصدعاً من الداخل.
قبائل بعينها رفعت رأسها وقالت: انتهى العهد.
وأخرى قالت: الصلاة نعم، أما الزكاة فلا.
كأن الدين قابل للتجزئة.
كأن ما بناه النبي في ثلاثة وعشرين سنة يمكن أن يُفكَّك في أسابيع.
وكان الصحابة ثابتين، لم تنهار المدينة، لكن الخطر كان حقيقياً.
وكانت اللحظة تحتاج من يرى.
في تلك الليالي، كان أبو بكر يجلس وحده.
الأخبار تأتيه متلاحقة.
وكان بعض من حوله يقولون: تريّث.
الأمة في حزنها.
والجرح لم يلتئم بعد.
وكان كلامهم معقولاً.
جلس.
لم يتكلم.
كانت عيناه تنظران إلى شيء لا يراه غيره — ذلك المكان البعيد الذي يرى فيه الرجال الكبار ما يخفى على سواهم.
ثم أطبق فمه.
ثم فتحه.
وخرجت الكلمة التاريخية العملاقة.
لم تخرج بصوت عالٍ.
خرجت بثقل:“والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدّونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه.
”
لو ضاعت تلك اللحظة، لضاع كل ما بعدها.
وخرجت الجيوش.
لم تكن رايات ترفرف وأناشيد تصدح.
كان خوف.
كان تعب.
كان فقد.
رجال يسقطون.
وأخبار تأتي.
وأيام تمر ثقيلة كالحجر.
وفي كل هذا الثقل — كان القبر هناك.
على بُعد خطوات.
كانوا يمرون به.
كلٌّ منهم بحزنه الخاص.
يتوقفون لحظة، يُصلّون عليه، يُسلّمون، ثم يُعرضون.
ويمضون.
وكان عددهم كبير.
هناك من يقاتل ومن يُخطط ومن ينتظر الخبر.
كلٌّ منهم في ضيقه، والقبر على بُعد خطوات.
ولم يُنقل عن واحد منهم أنه وقف عنده يطلب الفرج.
هذا الإجماع الصامت — في أحلك أيام الأمة — ليس صدفة.
هو منهج، تعلّموه منه.
وحفظوه له في اللحظة التي يُحفظ فيها المنهج: لحظة الأزمة.
كانوا يعرفون أين يُرفع الطلب.
الزيارة سنة، والسلام حق، والطلب — كل الطلب — لله وحده.
فرفعوا أيديهم إلى السماء، ونادوا من لا تنام عينه.
في الليل — دعاء.
وفي النهار — ثبات.
وشيئاً فشيئاً، ثبت الصف، وخمدت الفتنة.
وبقي الدين كما تركه من بناه — كاملاً، لا ينقصه شيء.
ماتوا جميعاً.
واحداً واحداً.
في أمصار شتى.
لكن كلٌّ منهم مات وهو يعرف أين وجّه قلبه.
أحبّوا النبيَّ كما لم يُحبّ بشر بشراً.
زاروه بعد موته، وسلّموا عليه، وبكوا.
لكن حبّهم لم يوقفهم عند قبره طالبين.
أخذهم — ذلك الحب كله — إلى الله.
وهذا هو الفرق بين من يحبّ ليتعلق، ومن يحبّ ليتبع.
فصلوا على النبي الكريم، وألحقنا به وبصحابته المبجلين، ثابتين غير مبدلين.
مختارات

