حين اكتمل الطريق… وبقي السائرون
لم يكن في الأرض مثلُه.
رجل إذا ذُكر خفقت القلوب، وإذا رُئي اطمأنت النفوس كأن القلق كان ينتظر إذنه ليرحل.
كانوا يقولون — ولا يرون في ذلك مبالغة — إن وجهه أحسن من القمر ليلة البدر.
أحبّوه حباً لا يُقاس بلسان.
كان أحدهم لو خُيِّر بين نفسه وبينه لاختاره دون تردد، لأنه كان أحقَّ بهم من أنفسهم، وأعلم بما يصلحهم من أهوائهم.
عاش بينهم فلم يترك ظلمة إلا أزالها،
ولا حيرة إلا بددها، ولا طريقاً إلا أوضحه.
علّمهم كيف يعيشون
وكيف يعبدون
وكيف يواجهون الدنيا بثقلها كله.
ثم — حين اكتمل كل شيء — جاء اليوم الذي سكن فيه صوته.
مات.
وعاد كل واحد منهم إلى بيته يحمل في صدره شيئاً لا اسم له.
ليس حزناً فقط، بل فراغاً من نوع لم يعرفوه من قبل.
كأن الهواء قرر أن يكون أثقل.
كأن الجدران اتسعت فجأة اتساعاً مخيفاً.
كان عمر — عمر الذي تهابه الجبال —
قد خرج يقول بصوت عالٍ:
“والله ما مات رسول الله!”
لم يكن كاذباً ولم يكن مجنوناً.
كان قلبه يرفض ببساطة، كما يرفض كل قلب حين تنزل عليه المصيبة التي لم يتخيّل يوماً أنها ستنزل.
حتى جاءه أبو بكر فتلا الآية،
فجلس عمر على الأرض.
ركبتاه آمنتا قبله.
دُفن قريباً منهم،
بجوار المسجد الذي عرف صلاته وكلماته وسكوته.
كانوا يمرون عليه فيتحرك في صدورهم شيء دافئ وموجع في آنٍ معاً، فيُصلّون عليه ويُسلّمون ويمضون.
لا يطلبون.
لا يسألون من تحت التراب شيئاً.
لم يكن ذلك جفاءً، بل كان وفاءً.
لأنه هو نفسه — صلى الله عليه وسلم —
علّمهم ألا يتعلقوا بأحد سوى الله.
أن القلب إذا أحبّ نبياً حقاً فعل ما أمر،
لا ما يشتهي.
وأن أعظم حب هو الذي يأخذك إلى الله،
لا الذي يوقفك عند البشر.
فهموا — منه — أن الطريق لا ينتهي عند قبر.
تركهم على المحجّة البيضاء:
طريق واضح لا غموض فيه ولا نقص.
ودلّهم على ربهم قبل أن يدلّهم على شيء سواه.
فمضت حياتهم على ذلك.
مرضوا فرفعوا أيديهم إلى السماء.
جاعوا فناجوا من بيده الرزق.
ضاقت بهم الدنيا وتشعّبت بهم الفتن فلجأوا إلى من لا تضيق خزائنه.
لم تتوزع قلوبهم ولم تتشعّب وجوههم.
كانت كلها — في الضيق وفي الرخاء — تتجه إلى باب واحد.
وكان ذلك الباب فوق سبع سماوات.
كان حبهم له عظيماً، لكن اتباعهم له كان أعظم.
لم يغلوا فيه،
ولم يرفعوه فوق ما أراد لنفسه،
بل أحبّوه كما علّمهم أن يُحَبّ:
بالطاعة،
والاقتداء،
والسير على أثره دون التفات.
مضت بهم الأيام بفتنها ومصائبها،
فلم تزدهم إلا تعلقاً بالله.
جيلاً بعد جيل،
قلوبهم معلّقة بالسماء،
ودعاؤهم لا يكون إلا لله.
حتى رحلوا ثابتين، لم يبدّلوا ولم يغيّروا.
أحبّوه فحفظوا طريقه.
واشتاقوا إليه فلم يخالفوا سنّته.
وهكذا لم يكن أعظم ما تركه موضعاً يُقصد، بل كان طريقاً — من سلكه وصل إلى الله، ومن تركه ضلّ عنه.
طريقاً ينتهي دائماً عند الله وحده.
صلى الله عليه وسلم
ورضي الله عن أصحابه الغرّ الميامين، وألحقنا بهم في الفردوس الأعلى.
مختارات

