الصحابة والمرض والموت!
المرض لا يستأذن.
لا يطرق باباً، ولا يفرّق بين جسد وآخر، ولا يتوقف عند سابقة ولا منزلة.
يدخل كما يدخل الليل — بلا صوت، وبلا إعلان — ثم يجلس.
وقد جلس عندهم جميعاً.
أبو بكركان اليوم بارداً.
اغتسل كما اعتاد، ولم يدرِ أن ذلك الماء سيكون بداية النهاية.
جاءته الحمى بعدها — لا كزائر عابر، بل كمقيم.
خمسة عشر يوماً والجسد يتألم من الداخل، والوعي يغيب ويعود، والمدينة خلف الجدران تنتظر.
كان يُغمى عليه ثم يفيق.
وفي كل مرة يعود فيها، لم يسأل عن نفسه.
سأل: “أصلى الناس؟” كأن الصلاة كانت الشيء الوحيد الذي يعيده إلى نفسه حين يضيع منها.
وقيل أنهم حين عرضوا عليه الدواء، قال بهدوء: “لا حاجة لي به.
” ثم طلب أن تُردّ كل درهم أخذه من بيت المال طوال خلافته — حتى أدقّ الأشياء وأتفهها.
كأن الجسد كلما ضعف اشتدّ الإيمان.
لم يُنقل عنه في تلك الأيام الخمسة عشر أنه طلب كشف الضر من أحد.
ولا الاستشفاع بأحد، ولا الدعاء بجاه أحد، حتى من حبيبه وأحب الخلق إلى قلبهمحمد صلى الله عليه وسلم.
عمرلم يكن مرضاً بالمعنى الذي يعرفه الناس.
كان خنجراً، وثلاث طعنات، وصلاة فجر لم تكتمل.
سقط والدم يسيل، لكن صوته سبق ألمه: “أتمّوا صلاتكم.
” لم يكن يفكر في نفسه.
كان يفكر في الصف.
حُمل إلى بيته والنزف لا يتوقف.
جاء الطبيب فسقاه لبناً، فخرج اللبن من الجرح.
فعرف الطبيب وعرف عمر ما يعنيه ذلك.
قال الطبيب: “اعهد يا أمير المؤمنين.
” فأغمض عمر عينيه لحظة.
ثم بدأ يرتّب ما بعده، كأن الموت أمر آخر من أوامر الدنيا لا بد من إتمامه.
ثلاثة أيام بين إغماء وصحو وألم لا يُحتمل — ولم ينشغل بنفسه.
انشغل بالأمة.
يُدير شؤون الخلافة وجرحه ينزف.
يسأل عمن يخلفه وهو لا يكاد يتكلم.
وحين أثنوا عليه، بكى.
وقال: “وددت أن أنجو منها كفافاً، لا عليّ ولا لي.
”
عمر الذي فُتحت على يديه الأمصار، والذي قيل فيه (ما سلكت فجًا إلا سلك الشيطان فجًا غير فجك) بل وقال نبينا عليه الصلاة والسلام “رأيتني دخلت الجنة، فإذا أنا بقصر… فقيل: هذا لعمر"
كان في لحظة الموت يتمنى فقط أن ينجو.
ولم يطلب من أحد مضى شيئاً.
رفع قلبه إلى الله، كما تعلّم.
أبو عبيدةالطاعون لا يُستأذن.
يأتي كما تأتي الريح — لا تراه حتى يكون قد وصل.
كتب إليه عمر: اخرج من الشام، أنت تُحتاج.
فكتب إليه أبو عبيدة: “إني في جند من المسلمين، ولا أجد في نفسي رغبة عنهم.
” بقي.
ثم أُصيب.
الجسد الذي حمل السيف في بدر واليرموك أصبح لا يحمل نفسه.
القوة التي كانت تُثبّت الصفوف صارت تتلاشى يوماً بعد يوم.
والحمى تأخذ منه شيئاً فشيئاً.
وفي آخر لحظاته، دعا الله فقال: “اللهم إنك تعلم أني أحبك.
”لم يقل: اشفني.
قال: أحبك.
كأن المحبة كانت أعظم عنده من العافية.
معاذرأى الطاعون قبل أن يراه في نفسه.
أخذ من حوله واحداً بعد واحد — ابنه، ثم أهله، ثم من يحب.
وكان يودّعهم بقلب ثابت، ويدعو لكل واحد منهم، ويمضي.
ثم جاء دوره.
وحين أحسّ بأن الطاعون أخذ فيه مأخذه، قال ما لا يقوله إلا من رأى الحقيقة من قرب: “مرحباً بالموت، زائر مغيب، حبيب جاء على فاقة.
”سمّى الموت حبيباً.
ليس تجلداً ولا تظاهراً.
لقد كان يعني ما يقول.
وفي لحظاته الأخيرة — حين يكون الإنسان أصدق ما يكون — قال: “اللهم إنك تعلم أني كنت أحبك.
” لم يطلب نجاة.
لم يبحث عن وسيط.
عرف الطريق منذ البداية، فسار عليه حتى النهاية.
خالدمات على فراشه.
وهذا كان جرحه الذي لم يلتئم.
جسد لا يوجد فيه موضع سليم — طعنات ورمايات وضربات من مئة معركة وأكثر — وفي النهاية يستسلم للموت.
لا سيف يردّه ولا درع يحميه منه.
بكى.
وقال: “لقد شهدت مئة زحف وزهاءها، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، ثم أموت على فراشي كما يموت البعير.
” ثم قال: “فلا نامت أعين الجبناء.
”
لم يكن اعتراضاً على الله.
بل كان شوقاً إلى الشهادة فات.
والفرق بين الاثنين بعيد.
ورفع قلبه إلى الله كما رفعه في كل معركة — لكن هذه المرة من فراشه.
ابن مسعودضعف في آخر عمره ضعفاً شديداً، حتى كاد الجسد يختفي.
جاءه عثمان يعوده وعرض عليه عطاءه.
فأبى.
قال: “لا حاجة لي فيه.
” قال عثمان: “تتركه لولدك.
” قال: “إني لأرجو أن أُخلّفهم أغنياء.
”
لم يكن يتكلم عن مال.
كان يتكلم عن شيء لا يُؤخذ من بيت مال — ذلك الغنى الذي يورثه الرجل لأبنائه حين يُحسن صلته بالله.
ثم سكت، ومضى.
سعدكان آخرهم رحيلاً، وأكثرهم وحدة في آخر أيامه.
رأى ما لم يتمنَّ أن يرى — الفتنة والاقتتال والأمة تتصدع.
فابتعد واعتزل، ليس هروباً بل حفاظاً على ما تبقى من دينه وسلامة قلبه.
وحين جاءه المرض في آخر عمره، طلب شيئاً واحداً: عباءته التي لبسها يوم بدر.
أخرجها مخبوءة وقال: “كفّنوني فيها.
” كأنه أراد أن يلقى الله بأول خطوة خطاها في سبيله، لا بآخرها.
ثم مضى وحيداً، بعيداً عن الضجيج، قريباً من ربه.
ما يجمعهم
كانوا مختلفين في كل شيء.
في طبائعهم وأمزجتهم.
في طريقة كلامهم وطريقة صمتهم.
القوي منهم والرقيق.
من مات بالوباء ومن مات بالخنجر ومن أخذه الضعف الهادئ.
من بكى ومن سمّى الموت حبيباً
ومن سأل عن الصف وهو يحتضر.
لكن في لحظة الضعف — تلك اللحظة التي يُكشف فيها الإنسان على حقيقته — كانوا واحداً.
وكانوا في شدائدهم يتوجهون إلى الله وحده بالدعاء.
لا إلى قبر.
ولا إلى صاحب مقام.
ولا إلى من أحبوه وفقدوه.
إلى الله وحده — مباشرة، بلا وسيط ولا محطة في الطريق.
وكأنهم لم يعرفوا باباً غيره أصلاً.
وكان ذلك كافياً.
كان دائماً كافياً.
والله إن حبي لرسول الله صلى الله عليه وسلم يزداد بقراءتي لسيرة أصحابه،
ما هذه التربية؟!
وما هذا العلو؟!
وما هذه الصلابة؟!
وما هذا السؤدد الذي نحن فيه أن يكون هؤلاء هم آباؤنا وأحبابنا وقرة أعيننا.
صلى الله وسلم على النبي الكريم،
ورضي الله عن الصحابة أجمعين، وألحقنا بهم على المحجة البيضاء يا عفو يا كريم
مختارات

