قصة زكريا ويحيى (٢)
فيه غرابة، وهو من الإسرائيليات
وقال إسرائيل، عن أبي حصين، عن خيثمة قال: كان عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ابني خالة، وكان عيسى يلبس الصوف، وكان يحيى يلبس الوبر، ولم يكن لواحد منهما دينار ولا درهم ولا عبد ولا أمة ولا مأوى يأويان إليه، أين ما جنَّهما الليلُ أويا، فلما أرادا أن يتفرقا قال له يحيى:أوصني، قال: لا تغضب.
قال: لا أستطيع إلا أن أغضب.
قال: لا تقتَنِ مالًا.
قال: أمَّا هذه فعسى.
وقد اختلفت الروايات عن وهب بن منبه:هل مات زكريا ﵇ موتًا، أو قتل قتلًا على روايتين: فروى عبد المنعم بن إدريس بن سنان، عن أبيه، عن وهب بن منبه أنه قال:هرب من قومه فدخل شجرةً، فجاؤوا فوضعوا المنشار عليها، فلما وصل المنشار إلى أضلاعه أنَّ، فأوحى الله إليه لئن لم يسكن أنينُك لأقلبنَّ الأرض ومن عليها، فسكن أنينه حتى قطع باثنتين.
وقد روي هذا في حديث مرفوع سنورده بعدُ إن شاء اللّه.
وروى إسحاق بن بشر، عن إدريس بن سنان، عن وهب أنه قال: الذي انصدعت له الشجرة هو شعيا، فأما زكريا فمات موتًا.
فاللّه أعلم.
وقال الإمام أحمد: حدّثنا عفّان، حَدَّثَنَا أبو خلف موسى بن خلف، وكان يُعدُّ من البُدَلَاء، حدّثنا يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جدّه ممطور، عن الحارث الأشعري، أن نبي الله ﷺ قال: "إنّ الله أمَرَ يَحْيَى بنَ زَكَرِيا بخمسِ كلماتٍ أنْ يَعْمَلَ بِهنَّ وأنْ يأمُرَ بَني إسْرائيلَ أنْ يَعْملوا بهنَّ وكادَ أنْ يُبْطِئَ، فقالَ له عِيْسى: إنَّكَ قَدْ أُمِرْتَ بخمسِ كلماتٍ أنْ تَعَملَ بهنَّ وتأمُرَ بَني إسْرائيلَ أنْ يَعْملُوا بهن، فإمّا أنْ تُبلّغهنَّ، وإمّا أنْ أُبلّغَهنَّ.
فقالَ: يا أخي إني أخشى إنْ سَبقْتَني أنْ أُعَذَّبَ أو يُخْسَفَ بي.
قالَ: فجمعَ يَحْيَى بني إسرائيلَ في بيتِ المقدسِ حتّى امتلأ المسجدُ، فَقعدَ على الشرفِ، فحمدَ اللهَ وأثنى عليهِ ثمَّ قال: إنَّ الله ﷿ أمرني بخمسِ كلماتٍ أنْ أعْملَ بهنَّ وآمُرَكُم أنْ تَعملُوا بهنَّ.
وأوَّلُهنّ أن تعبدوا اللهَ لا تُشْركُوا بهِ شيئًا، فإنَّ مَثَلَ ذلكِ مَثَلُ مَنِ اشْتَرى عَبدًا مِنْ خالصِ مالِه بوَرِقٍ أو ذَهَبٍ، فجعلَ يعملُ ويؤدي غلّته إلى غير سيّده، فأيكم يَسُرُّهُ أن يكونَ عبدُهُ كذلك؟ وأنَّ اللّه خَلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وآمُرَكُم بالصلاةِ فإن اللّه ينصبُ وجهَهُ قِبَلَ عَبْدِه ما لم يلتفتْ، فإذا صَلّيتم فلا تلتفتوا.
وآمُرُكم بالصيامِ فإن مَثَلَ ذلك كمثلِ رَجُل معه صرةٌ من مِسْكٍ في عصابة كلُّهم يَجدُ ريحَ المسك.
وآمُرُكم بالصدقة، فإنَّ مَثل ذلك كمثل رجل أسَرَهُ العدوُّ فشدُّوا يده إلى عنقه، وقدَّموه ليضربوا عنقه، فقال: هل لكم أن أفتديَ نفسي منكم، فجعل يفتدي نفسَه منهم بالقليل والكثير حتى فكّ نفسه.
وآمركم بذكر اللّه ﷿ كثيرًا، فإن مثل ذلك كمثل رجلٍ طلبه العدو سِراعًا في إثره، فأتى حِصنًا حصينًا فتحصّن فيه، وإن العبدَ أحصن ما يكون من الشيطان إذا كان في ذكر اللّه ﷿".
قال: فقال رسول اللّه ﷺ: "وأنا آمرُكم بخمسٍ اللّهُ أمَرني بهنَّ: بالجماعةِ، والسَّمعِ، والطاعةِ، والهجرةِ، والجهادِ في سبيل اللّه.
فإن مَنْ خَرجَ عن الجماعةِ قِيْد شِبرٍ فقد خَلَع ربقة الإسلام من عُنقِه إلا أنْ يرجعَ، ومن دَعَا بدعْوَى الجاهلية فهو من جُثَى جَهَنّم ".
قالوا: يا رسول اللّه وإن صام وصلّى؟ قال: "وإنْ صامَ وصلّى وزَعَم أنه مُسلم.
ادْعوا المسلمينَ بأسمائهم بما سَمَّاهمُ اللّهُ ﷿ المسلمينَ المؤمنينَ عباد اللّه ﷿".
وهكذا رواه أبو يعلى عن هدبة بن خالد، عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، به.
وكذلك رواه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي وموسى بن إسماعيل، كلاهما عن أبان بن يزيد العطار، به.
ورواه النَّسائي عن هشام بن عمار، عن محمد بن شعيب بن سابور، عن معاوية بن سلَّام، عن أخيه زيد بن سلَّام، عن أبي سلَّام، عن الحارث الأشعري، به.
ورواه الحاكم من طريق مروان بن محمد الطَّاطَرِي، عن معاوية بن سلَّام، عن أخيه، به.
ثم قال: تفرّد به مروان الطّاطَري عن معاوية بن سلَّام.
قلت: وليس كما قال.
ورواه الطَّبَراني عن محمد بن عبدة، عن أبي تَوْبة الربيع بن نافع عن معاوية بن سلام عن أبي سلام عن الحارث الأشعري، فذكر نحوه، فسقط ذكر زيد بن سلَّام عن أبي سلَّام عن الحارث الأشعري فذكر نحو هذه الرواية.
ثمّ روى الحافظ ابن عساكر من طريق عبد اللّه بن أبي جعفر الرازي، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: ذُكر لنا عن أصحاب رسول اللّه ﷺ فيما سمعوا من علماء بني إسرائيل أن يحيى بن زكريا أرسل بخمس كلماتٍ، وذكر نحو ما تقدّم.
وقد ذكروا أن يحيى ﵇ كان كثيرَ الانفراد من الناس، إنما كان يأنسُ إلى البراري، ويأكل من ورق الأشجار، ويرد ماء الأنهار ويتغذى بالجراد في بعض الأحيان.
ويقول: من أنعم منك يا يحيى!.
وروى ابن عساكر أن أبويه خرجا في تطلُّبه فوجداه عند بحيرة الأردن، فلما اجتمعا به أبكاهما بكاءً شديدًا لما هو فيه من العبادة والخوف من الله ﷿.
وقال ابن وهب عن مالك عن حميد بن قيس عن مجاهد قال: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإنه كان ليبكي من خشية اللّه حتى لو كان القار على عينيه لخرقه.
وقال محمد بن يحيى الذهلي: حدّثنا أبو صالح، حدّثنا الليث، حدّثني عُقيل، عن ابن شهاب قال: جلست يومًا إلى أبي إدريس الخولاني وهو يقص، فقال: ألا أخبركم بمن كان أطيب الناس طعامًا؟ فلما رأى الناس قد نظروا إليه قال:إن يحيى بن زكريا كان أطيب الناس طعامًا، إنما كان يأكل مع الوحش كراهةَ أن يُخالط الناس في معايشهم.
وقال ابن المبارك عن وهيب بن الورد قال: فَقَدَ زكريا ابنَه يحيى ثلاثة أيام، فخرج يلتمسه في البرية فإذا هو قد احتفر قبرًا وأقام فيه يبكي على نفسه، فقال: يا بني أنا أطلبك من ثلاثة أيام وأنت في قبرٍ قد احتفرته، قائم تبكي فيه؟ فقال: يا أبت ألستَ أنتَ أخبرتني أن بين الجنة والنار مفازة لا تقطع إلا بدموع البكّائين؟ فقال له: ابكِ يا بني، فبكيا جميعًا.
وهكذا حكاه وهب بن منبه، ومجاهد بنحوه.
وروى [ابن عساكر] عنه أنه قال: إن أهل الجنة لا ينامون للذة ما هم فيه من النعيم، فكذا ينبغي للصدّيقين أن لا يناموا لما في قلوبهم من نعيم المحبّة لله ﷿.
ثمّ قال: كم بين النعيمين وكم بينهما ؟.
وذكروا أنّه كان كثير البكاء حتى أثر البكاء في خدّيه من كثرة دموعه.
بيان سبب قتل يحيى)
وذكروا في قتله أسبابًا، من أشهرها أن بعض ملوك ذلك الزمان بدمشق كان يريد أن يتزوّج ببعض محارمه أو من لا يحلّ له تزويجها، فنهاه يحيى ﵇ عن ذلك، فبقي في نفسها منه.
فلما كان بينها وبين الملك ما يحب منها استوهبت منه دم يحيى، فوهبه لها، فبعث إليه من قتله وجاء برأسه ودمه في طست إلى عندها.
فيقال: إنها هَلَكت من فورها وساعتها.
وقيل: بل أحبته امرأة ذلك الملك وراسلته فأبى عليها، فلما يئست منه تحيلت في أن استوهبته من الملك، فتمنع عليها الملك، ثمّ أجابها إلى ذلك فبعثت من قتله وأحضر إليها رأسه ودمه في طست.
وقد ورد معناه في حديث رواه إسحاق بن بشر في كتابه "المبتدا"حيث قال: أخبرنا يعقوب الكوفي، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه عن ابن عباس أن رسول اللّه ﷺ ليلة أسري به رأى زكريا في السماء، فسلَّم عليه وقال له: يا أبا يحيى خبّرني عن قتلك كيف كانَ، ولمَ قتلك) بنو إسرائيل.
قال: يا محمد أخبرك أن يحيى كان خير أهل زمانه، وكان أجملهم وأصبحهم وجهًا، وكان كما قال الله تعالى ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾، وكان لا يحتاج إلى النساء، فهويته امرأة ملك بني إسرائيل، وكانت بَغيّةً، فأرسلت إليه وعَصَمَهُ اللّه وامتنع يحيى وأبى عليها، وأجمعت على قتل يحيى.
ولهم عيد يجتمعون في كل عام، وكانت سُنَّة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب.
قال: فخرج الملك إلى العيد، فقامت امرأته فشيَّعته، وكان بها معجبًا، ولم تكن تفعله فيما مضى، فلما أن شيعته قال الملك: سليني فما سألتِني شيئًا إلا أعطيتُك.
قالت: أريدُ دمَ يحيى بن زكريا، قال لها: سليني غيره.
قالت:هو ذاك.
فال: هو لك.
قال: فبعثت جَلاوِزَتَها إلى يحيى، وهو في محرابه يصلّي، وأنا إلى جانبه أصلي، قال: فذُبح في طستٍ وحُمل رأسه ودمُه إليها.
قال: فقال رسول اللّه ﷺ: "فما بلغ من صَبْرِكَ؟ قال: ما انفتلت من صلاتي".
قال: فلما حُمل رأسه إليها فوضع بين يديها، فلما أمسوا خَسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه،فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل: قد غضب إلَه زَكرِيا لزكرِيا، فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكريا، قال:فخرجوا في طلبي ليقتلوني، وجاءني النذير، فهربت منهم، وإبليس أمامهم يدلهم عليَّ، فلما أن تخوّفت أن لا أُعْجِزَهم عرضَتْ لي شجرةٌ، فنادتني وقالت: إليَّ إليَّ، وانصدعت لي، ودخلت فيها.
قال: وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي، والتأمتِ الشجرةُ، وبقي طرف ردائي خارجًا من الشجرة، وجاءت بنو إسرائيل، فقال إبليس: أما رأيتموه دخل هذه الشجرة؟ هذا طرف ردائه، دخلها بسحره، فقالوا: نحرق هذه الشجرة، فقال إبليس: شُقّوهُ بالمنشار شقًا.
قال: فَشُقِقْتُ مع الشجرة بالمنشار.
قال له النبي ﷺ: "هل وَجَدْتَ لَهُ مسًّا أو وجعًا" قال: لا، إنما وجدَتْ ذلكَ الشجرةُ التي جعل اللّه روحي فيها.
هذا سياق غريب جدًا، وحديث عَجيبٌ، ورفْعُهُ منكرٌ، وفيه ما ينكر على كلّ حال، ولم يُرَ في شيء من أحاديث الإسراء ذِكْرُ زكريا ﵇ إلا في هذا الحديث، وإنّما المحفوظ في بعض ألفاظ الصحيح في حديث الإسراء: "فمررت بابني الخالة يَحْيَى وعِيسى"، وهما ابنا الخالة على قول الجمهور كما هو ظاهر الحديث، فإن أم يحيى أَشْياعَ بنتَ عمران أختُ مريم بنت عمران.
وقيل: بل أشياع وهي امرأة زكريا أم يحيى هي أخت حَنَّةَ امرأة عمران أم مريم، فيكون يحيى ابن خالة مريم.
فاللّه أعلم.
ثمّ اختُلف في مقتل يحيى بن زكريا: هل كان بالمسجد الأقصى، أم بغيره على قولين، فقال الثوري عن الأعمش،عن شمر بن عطية قال: قتل على الصخرة التي ببيت المقدس سبعونَ نبيًا منهم يحيى بن زكريا ﵇.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلّام: حَدَّثَنَا عبد اللّه بن صالح، عن الليث، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال:قدم بخت نصَّر دمشق، فإذا هو بدم يحيى بن زكريا يغلي، فسأل عنه، فأخبروه.
فقتلَ على دمه سبعين ألفًا، فسَكَن.
وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن المسيب، وهو يقتضي أنه قُتل بدمشق وأنَّ قصة بخت نصَّر كانت بعد المسيح كما قاله عطاء والحسن البصري.
فاللّه أعلم.
وروى الحافظُ ابن عساكر من طريق الوليد بن مسلم،عن زيد بن واقد قال: رأيت رأس يحيى بن زكريا حين أرادوا بناءَ مسجد دمشق أُخرِج من تحت ركن من أركان القبلة الذي يلي المحراب مما يلي الشرق، فكانت البشرةُ والشعر على حاله لم يتغير.
وفي رواية: كأنما قُتِل الساعةَ.
وذكر في بناء مسجد دمشق أنه جعل تحت العمود المعروف بعمود السكاسكة.
فاللّه أعلم.
وقد روى الحافظ ابن عساكر في "المستقصى في فضائل الأقصى" من طريق العباس بن صبح عن مروان عن سعيد بن عبد العزيز عن قاسم مولى معاوية قال: كان ملك هذه المدينة - يعني دمشق - هداد بن هداد، وكان قد زوج ابنه بابنة أخيه أريل ملكة صيدا، قلت: وقد كان من جملة أملاكها سوق الملوك بدمشق، وهو الصاغة العتيقة،قال: وكان قد حلف بطلاقها ثلاثًا.
ثمّ إنه أراد مراجعتها، فاستفتى يحيى بن زكريا، فقال: لا تحل لك حتى تنكح زوجًا غيرك، فحقدت عليه، وسألت من الملك رأس يحيى بن زكريا، وذلك بإشارة أُمها، فأبى عليها، ثمّ أجابها إلى ذلك، وبعث إليه وهو قائم يصلّي بمسجد جيرون مَنْ أتاه برأسه في صينية، فجعل الرأس يقول له: لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، فأخذت المرأة الطبق فحملته على رأسها وأتت به أمها وهو يقول كذلك، فلما تمثَّلت بين يدي أمها خُسف بها إلى قدميها، ثم إلى حقويها.
وجعلت أمها تولول والجواري يصرخن ويلطمن وجوههن، ثمّ خُسف بها إلى منكبيها، فأمرت أمها السياف أن يضرب عنقها لتتسلى برأسها، ففعل.
فلفظت الأرض جثتها عند ذلك، ووقعوا في الذلّ والفناء.
ولم يزل دم يحيى يفور حتى قدم بخت نصَّر، فقتل عليه خمسةً وسبعين ألفًا.
قال سعيد بن عبد العزيز:وهي دية كلّ نبي.
ولم يزل يفور حتى وقف عنده أرميا ﵇فقال: أيها الدم أفنيت بني إسرائيل فاسكن بإذن اللّه.
فسكن، فرفع السيف وهرب من هرب من أهل دمشق إلى بيت المقدس، فتبعهم إليها فقتل خلقًا كثيرًا لا يُحصون كثرة، وسبا منهم ثمّ رجع عنهم.
* * *
مختارات

