قصة زكريا ويحيى (١)
قال الله تعالى في كتابه العزيز بسم الله الرحمن الرحيم ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (٩) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١) يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم:١ - ١٥].
وقال تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٣٧ - ٤١].
وقال تعالى في سوره الأنبياء: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩، ٩٠].
وقال تعالى ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾ [الأنعام: ٨٥].
قال الحافظ أبو القاسم بن عساكر في كتابه التاريخ المشهور الحافل: زكريا بن برخيا، ويقال: زكريا بن دان، ويقال: زكريا بن لدن بن مسلم بن صدوف بن خُشبان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن بلعاطة بن ناحور بن شلوم بن بهغاشاط بن إينامن بن رحبعام بن سليمان بن داود أبو يحيى النبي ﵇ من بني إسرائيل.
دخل البثنية من أعمال دمشق في طلب ابنه يحيى.
وقيل: إنه كان بدمشق حين قتل ابنه يحيى.
واللّه أعلم.
وقد قيل غير ذلك في نسبه، ويقال فيه: زكريا بالمد وبالقصر.
ويقال: زكرى أيضًا.
والمقصود أن الله تعالى أمر رسوله محمدًا ﷺ أن يقصّ على الناس خبر زكريا ﵇ وما كان من أمره حين وهبه اللّه ولدًا على الكبر، وكانت امرأته عاقرًا في حال شبيبتها، وقد أسَنَّت أيضًا، حتى لا ييأس أحد من فضل الله ورحمته، ولا يقنط من فضله تعالى وتقدس، فقال تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾.
قال قتادة عند تفسيرها: إن اللّه يعلم القلب النقيَّ ويسمع الصوت الخفيَّ.
وقال بعض السلف: قام من الليل فنادى ربه مناداةً أسرّها عمّن كان حاضرًا عنده مخافتة فقال: يا رب، يا رب، يا رب! فقال اللّه: لبيك لبيك لبيك ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي: ضعف وخار منَ الكبر، ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ استعارة من اشتعال النار في الحطب، أي: غلب على سواد الشعر شيبُه، كما قال ابن دريد في مقصورته: [من الرجز]
إمّا تَرَيْ رَأسِيَ حاكَى لَوْنُه … طُرَّةَ صُبحٍ تَحْتَ أذيالِ الدُّجى
واشْتَعَلَ المُبْيَضُّ في مُسْودِّهِ … مِثْلَ اشْتِعالِ النَّارِ في جَمر الغَضى
وآضَ عودُ اللَّهْوِ يَبْسًا ذَاويًا … مِنْ بَعْدِ ما قدْ كانَ مَجَّاجَ الثَّرَى)
يذكر أن الضعف قد استحوذ عليه باطنًا وظاهرًا، وهكذا قال زكريا ﵇ ﴿إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ وقوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ أي: ما دعوتني فيما أسألك إلا الإجابة.
وكان الباعث له على هذه المسألة أنه لما كفل مريم بنتَ عمران بن ماثان؛ وكان كلما دخل عليها محرابها وجد عندها فاكهة في غير أيامها ولا في أوانها، وهذه من كرامات الأولياء، فعلم أن الرازق للشيء في غير أوانه قادر على أن يرزقه ولدًا، وإن كان قد طعن في سنه﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
وقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾.
قيل: المراد بالموالي العصبة، وكأنه خاف من تصرُّفهم بعده في بني إسرائيل بما لا يوافق شرع اللّه وطاعته، فسأل وجود ولد من صلبه يكون برًّا تقيًا مرضيًا، ولهذا قال:﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك بحولك وقوتك ﴿وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ أي في النبوة والحُكْم في بني إسرائيل ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ يعني: كما كان آباؤه وأسلافه من ذرية يعقوب أنبياءَ، فاجعله مثلهم في الكرامة التي أكرمتهم بها من النبوة والوحي، وليس المراد هاهنا وراثة المال كما زعم ذلك من زعمه من الشيعة، ووافقهم ابن جرير هاهنا، وحكاه عن أبي صالح من السلف لوجوه:أحدها ما قدّمناه عند قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ أي في النبوة والملك كما ذكرنا في الحديث المتفق عليه بين العلماء المروي في الصحاح والمسانيد والسنن وغيرها من طرق عن جماعة من الصحابة أن رسول اللّه ﷺ قال: "لا نورث ما تَرَكْنا فَهُو صَدَقَةٌ" فهذا نص على أن رسول اللّه ﷺ لا يورث، ولهذا منع الصدّيق أن يصرف ما يختص به في حياته، إلى أحد من ورَّاثه الذين لولا هذا النص لصرف إليهم، وهم ابنته فاطمة وأزواجه التسع وعمه العباس ﵃، واحتج عليهم الصدِّيق في منعه إياهم بهذا الحديث، وقد وافقه على روايته عن رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وأبو هريرة، وآخرون ﵃.
الثاني: أن الترمذي رواه بلفظ يعم سائر الأنبياء "نَحْنُ مَعَاشرَ الأنبياءِ لا نورث" وصححه.
الثالث: أن الدنيا كانت أحقر عند الأنبياء من أن يكنزوا لها أو يلتفتوا إليها أو يفمهم أمرها، حتى يسألوا الأولاد ليحوزوها بعدهم، فإن من لا يصل إلى قريب منازلهم في الزهادة لا يهتم بهذا المقدار أن يسأل ولدًا يكون وارثًا له فيها.
الرابع: أن زكريا ﵇ كان نجّارًا يعمل بيده ويأكل من كسبها، كما كان داود ﵇ يأكل من كسب يده، والغالب ولا سيما من مثل حال الأنبياء أنه لا يجهد نفسه في العمل إجهادًا يستفضل منه ما لا يكون ذخيرة له يخلفه من بعده، وهذا أمر بين واضح لكل من تامله بتدبُّر وتفهُّم إن شاء اللّه.
قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، يعني ابن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "كانَ زَكَرِيّا نجارًا".
وهكذا رواه مسلم وابن ماجة من غير وجه عن حماد بن سلمة به.
وقوله: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ وهذا مفسر بقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
فلما بُشر بالولد وتحقَّق البشارة، شرع يستعلم على وجه التعجُّب وجود الولد والحالة هذه له ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ أي كيف يوجد ولد من شيخ كبير؟! قيل: كان عمره إذ ذاك سبعًا وسبعين سنة، والأشبه -والله أعلم - أنه كان أسن من ذلك ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ يعني وقد كانت امرأتي في حال شبيبتها عاقرًا ولا تلد.
والله أعلم.
كما قال الخليل ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤].
وقالت سارة: ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٢، ٧٣].
وهكذا أُجيب زكريا ﵇، قال له الملَك الذي يوحي إليه بأمر ربه: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي هذا سهل يسير عليه ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أي قُدْرَتُه أوجدتْك بعد أن لم تكن شيئًا مذكورًا، أفلا يوجِدُ منكَ ولدًا وإن كنت شيخًا.
وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ومعنى إصلاح زوجته أنها كانت لا تحيض فحاضت.
وقيل: كان في لسانها شيء، أي بذاءه)﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أي: علامة على وقت تعلّق مني المرأة بهذا الولد المبشّر به ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ يقول: علامة ذلك أن يعتريك سكت لا تنطق معه ثلاثة أيام إلا رمزًا، وأنت في ذلك سَويّ الخلق، صحيح المزاج، معتدل البنية.
وأمر بكثرة الذِّكر في هذه الحال بالقلب واستحضار ذلك بفؤاده بالعشي والإبكار، فلما بشّر بهذه البشارة خرج مسرورًا بها على قومه من محرابه ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾.
والوحي هاهنا هو الأمر الخفي إما بكتابة، كما قال مجاهد والسُّدّي، أو إشارة كما قاله مجاهد أيضًا ووهب وقتادة.
قال مجاهد وعكرمة ووهب والسُّدّي وقتادة: اعتقل لسانة من غير مرض.
وقال ابن زيد: كان يقرأ ويسبّح، ولكن لا يستطيع كلام أحد.
وقوله ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾، يخبر تعالى عن وجود الولد وفق البشارة الإلهية لأبيه زكريا ﵇، وأن الله تعالى علَّمه الكتابة والحكمة وهو صغير في حال صباه.
قال عبد اله بن المبارك: قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب.
فقال: ما للّعب خُلِقنا.
قال: وذلك قوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾.
وأما قوله: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ فروى ابن جرير عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان.
وعن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ أي رَحْمة من عندنا، رحمنا بها زكريا فوهبنا له هذا الولد.
وعن عكرمة ﴿وَحَنَانًا﴾ أي محبّة عليه.
ويحتمل أن يكون ذلك صفة لتحنّن يحيى على الناس ولا سيما على أبويه، وهو محبَّتهما والشفقة عليهما وبرُّه بهما.
وأما الزكاة: فهو طهارة الخلق وسلامته من النقائص والرذائل.
والتقوى طاعة اله بامتثال أوامره وترك زواجره.
ثمّ ذكر برَّه بوالديه وطاعته لهما أمرًا ونهيًا وترك عقوقهما قولًا وفعلًا فقال ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا﴾ ثم قال ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ هذه الأوقات الثلاثة أشد ما تكون على الإنسان، فإنه ينتقل في كلّ منها من عالم إلى عالم آخر، فيفقد الأول بعد ما كان ألفه وعرفه، ويصير إلى آخر، ولا يدري ما بين يديه، ولهذا يستهل صارخًا إذا خرج من بين الأحشاء وفارق لينها وضمَّها، وينتفل إلى هذه الدار ليكابد همومها وغمّها.
وكذلك إذا فارق هذه الدار، وانتقل إلى عالم البرزخ بينها وبين دار القرار وصار بعد الدور والقصور إلى عَرَصة الأموات سكان القبور، وانتظر هناك النفخة في الصور ليوم البعث والنشور، فمن مسرور ومحيور، ومن محزون ومثبور، وما بين مجبور وكسير، وفريق في الجنة وفريق في السّعير.
ولقد أحسن بعض الشعراء حيث يقول:[من الكامل]
وَلَدتكَ أُمّكَ باكيًا مُسْتَصْرِخًا … والناسُ حولَك يَضْحكونَ سُرورا
فاحْرِصْ لنفسِك أن تكونَ إذا بَكَوا … في يَوْمِ مَوْتِك ضاحِكًا مَسْرُورا ولما كانت هذه المواطن الثلاثة أشق ما تكون على ابن آدم سلَّم الله تعالى على يحيى في كلّ موطن منها فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.
وقال سعيد ابن أبي عَروبة، عن قتادة أن الحسن قال: إن يحيى وعيسى التقيا، فقال له عيسى: استغفر لي أنت خيرٌ مني، فقال له الآخر: استغفر لي أنت خير مني، فقال له عيسى: أنت خير مني، سلّمتُ على نفسي، وسلّم الله عليكَ، فعرف والله فضلها.
وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فقيل: المراد بالحَصُور الذي لا يأتي النساء.
وقيل غير ذلك وهو أشبه لقوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾.
وقد قال الإمام أحمد حَدَّثَنَا عفّان، حَدَّثَنَا حمّاد، أخبرنا علي بن زيد، عن يوسف بن مِهران، عن ابن عباس أن رسول اللّه ﷺ قال: "ما من أحدٍ من ولد آدمَ إلَّا وقدْ أخطأ أو هَمَّ بخطيئة، لَيْس يَحْيى بن زكريا، وما ينبغي لأحدٍ يقول: أنا خَيْرٌ مِنْ يُوْنُس بن متَّى".
علي بن زيد بن جُدْعان، تكلم فيه غير واحدٍ من الأئمة، وهو منكر الحديث.
وقد رواه ابن خزيمة والدارقطني من طريق أبي عاصم العبّادَاني عن علي بن زيد بن جدعان به مطولًا، ثمّ قال ابن خزيمة: وليس على شرطنا.
وقال ابن وهب: حدثني ابن لَهِيْعة، عن عُقَيْل، عن ابن شهاب قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه يومًا وهم يتذاكرون فضل الأنبياء، فقال قائل: موسى كليم الله.
وقال قائل: عيسى روح الله وكلمته.
وقال قائل: إبراهيم خليل الله فقال: أين الشهيد ابن الشهيد يلبس الوبر ويأكل الشجر مخافة الذنب.
قال ابن وهب: يريد يحيى بن زكريا.
وقد رواه محمد بن إسحاق، وهو مدلّس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، حدّثني ابن العاص أنه سمع رسول اللّه ﷺ يقول: "كلُّ ابن آدم يأتي يوم القيامة وله ذنْبٌ، إلا ما كان من يحيى بن زكريا"
فهذا من رواية ابن إسحاق وهو من المدلّسين، وقد عنعن هاهنا.
ثمّ قد رواه عبد الرزاق عن معمر، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب مرسلًا.
ثمّ رأيت ابن عساكر ساقه من طريق أبي أسامة عن يحيى بن سعيد الأنصاري.
ثم رواه ابن عساكر من طريق إبراهيم بن يعقوب الجُوزجَاني خطيب دمشق حدّثنا محمد بن الأصبهاني، وحَدَّثَنَا أبو خالد الأحمر، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد اللّه بن عمرو قال:ما أحد إلا يلقى اللّه بذنب إلا يحيى بن زكريا.
ثمّ تلا قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ ثمّ رفع شيئًا من الأرض فقال: ما كان معه إلا مثل هذا، ثمّ ذبح ذبحًا.
وهذا موقوف من هذه الطريق وكونه موقوفًا أصح من رفعه.
واللّه أعلم.
وأورده ابن عساكر من طرق من ذلك ما أورده من حديث إسحاق بن بشر، وهو ضعيف، عن عثمان بن ساج عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن معاذ عن النبي ﷺ بنحوه.
وروي من طريق أبي داود الطيالسي وغيره، عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبي نُعْم، عن أبيه، عن أبي سعيد قال:قال رسول اللّه ﷺ: "الحسَنُ والحُسَيْن سَيِّدا شبابِ أهْلِ الجَنةِ إلّا ابني الخالة يَحيَى وعيْسى ﵉".
وقال أبو نعيم الحافظ الأصبهاني: حدّثنا إسحاق بن أحمد، حدّثنا إبراهيم بن يوسف، حَدَّثَنَا أحمد ابن أبي الحَواري،سمعت أبا سليمان يقول: خرج عيسى بن مريم ويحيى بن زكريا يتماشيان فصدم يحيى امرأة، فقال له عيسى: يا ابن خالة، لقد أصبت اليوم خطيئة ما أظن أن تغفر لك أبدًا،قال: وما هي يا ابن خالة.
قال: امرأة صدمتها.
قال: واللّه ما شعرت بها.
قال: سبحان اللّه بدنك معي فأين روحك؟ قال:معلق بالعرش، ولو أن قلبي اطمئنَّ إلى جبريل لظننتُ أني ما عرفت اللّه طرفة عين.
مختارات

