ذكر قصتي الخضر وإلياس (٢)
والعقيلي: أكثرها موضوع.
وقال البخاري منكر الحديث.
وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث جدًا منكره.
وقال ابن عدي عامّة ما يرويه في فضائل علي، وهو ضعيف غالٍ في التشيع.
وقال الشافعي في "مسنده" أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه علي بن الحسين قال: لما توفي رسولُ الله ﷺ وجاءت التعزيهّ سمعوا قائلًا يقول: إن في الله عزاءً من كلّ مصيبهّ، وخلَفًا من كل هالك، ودرَكًا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حُرِمَ الثواب.
قال علي بن الحسين: أتدرون من هذا؟ هذا الخضر.
شيخ الشافعي القاسم العمري متروك؛ قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يكذب.
زاد أحمد: ويضع الحّديث.
ثمّ هو مرسل، ومثله لا يعتمد عليه هاهنا، والله أعلم.
وقد روي من وجه آخر ضعيف عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جدّه، عن أبيه، عن علي.
ولا يصح، وقد روى عبد الله بن وهب عمن حدّثه، عن محمد بن عجلان، عن محمد بن المنكدر أن عمر بن الخطاب بينما هو يصلي على جنازة إذ سمع هاتفًا وهو يقول: لا تسيقنا يرحمك الله، فانتظره حتى لحق بالصف، فذكر دعاءه للميت: إنْ تعذبه فكثيرًا عصاك، وإن تغفر له ففقير إلى رحمتك.
ولما دُفن قال: طوبى لك يا صاحبَ القبر إن لم تكن عريفًا أو جابيًا أو خازنًا أو كاتبًا أو شرطيًا، فقال عمر: خذوا الرجل نسأله عن صَلاته وكلامه عمَّن هو.
قال: فتوارى عنهم، فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع.
فقال عُمر: هذا -والله- الخضر الذي حدّثنا عنه رسول الله ﷺ.
وهذا الأثر فيه متهم، وفيه انقطاع، ولا يصح مثله.
وروى الحافظ ابن عساكر عن الثوري، عن عبد الله بن مُحَرَّر، عن يزيد بن الأصم، عن علي بن اْبي طالب قال:دخلت الطوافَ في بعض الليل، فإذا أنا برجل متعلقٍ بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يمنعه سَمْع من سمع، ويا من لا تغلطه المسائل، ويا من لا يبرمه إلحاح الملحّين، ولا مسألة السائلين، ارزقني بَرْدَ عفوك، وحلاوة رحمتك.
قال: فقلت: أعِد عليَّ ما قلت.
فقال لي: أو سمعتَه؟ قلت: نعم.
فقال لي: والذي نفس الخضر بيده -قال: وكان هو الخضر- لا يقولها عبدٌ خلفَ صلاة مكتوبة إلا غَفَر الله له ذنوبه.
ولو كانت مثل زبد البحر، وورق الشجر، وعدد النجوم، لغفرها الله له.
وهذا ضعيف من جهة عبد الله بن المحَرَّر فإنه متروك الحديث.
ويزيد بن الأصم لم يدرك عليًا، ومثل هذا لا يصح.
والله أعلم.
وقد رواه أبو إسماعيل الترمذي حدّثنا مالك بن إسماعيل، حدّثنا صالح بن أبي الأسود، عن محفوظ ابن عبد الله الحَضْرَمي، عن محمد بن يحيى قال: بينما علي بن أبي طالب يطوف بالكعبة إذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول: يا من لا يشغله سمع عن سمع، ويا من لا يغلطه السائلون، ويا من لا يتبرَّم بإلحاح الملحِّين، أذقني برد عفوك وحلاوة رحمتك قال: فقال له علي: يا عبد الله أعِد دعاءك هذا.
قال: وقد سمعتَه؟ قال: نعم.
قال: فادع به في دُبر كلِّ صلاة، فوالذي نفس الخضر بيده لو كان عليك من الذنوب عددُ نجوم السماء ومطرها، وحصباء الأرض وترابها، لغفر لك أسرع من طرفة عين ).
وهذا أيضًا منقطع وفي إسناده من لا يُعرف، والله أعلم.
وقد أورده ابن الجوزي من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا، حدّثنا يعقوب بن يوسف، حدّثنا مالك بن إسماعيل، فذكر نحوه، ثمّ قال: وهذا إسنادٌ مجهولٌ منقطعٌ، وليس فيه ما يدل على أن الرجل الخضر.
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر: أخبرنا أبو القاسم بن الحصين، أخبرنا أبو طالب محمد بن محمد، أخبرنا أبو إسحاق المُزَكِّي (١)، حدّثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، حدّثنا محمد بن أحمد بن يزيد أملَّهُ علينا بعبَّادان، أخبرنا عمرو بن عاصم، حدّثنا الحسن بن رَزِيْن عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس قال -ولا أعلمه إلا مرفوعًا إلى النبي ﷺ- قال: يلتقي الخضرُ وإلياس كلّ عام في الموسم، فيحلق كلُّ واحد منهما رأس صاحبه، ويَتَفَرَّقان عن هؤلاء الكلمات: بسمِ اللهِ، ما شاء الله،
لا يسوق الخيرَ إلا الله، ما شاء الله، لا يَصْرفُ السوء إلا الله، ما شاء الله، ما كان من نِعمة فمن الله، ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال: وقال ابن عباس: من قالهنَّ حين يُصبح وحين يُمسي ثلاث مرات آمَنَه اللهُ من الغَرق والحرق والسَّرَق.
قال: وأحسبه قال: ومن الشيطان والسُّلطان والحية والعقرب.
قال الدارقطني في "الأفراد": هذا حديث غريب من حديث ابن جُريج لم يُحدِّث به غير هذا الشيخ عنه، يعني الحسن بن رَزِين هذا.
وقد روى عنه محمد بن كثير العبدي أيضًا، ومع هذا قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: ليس بالمعروف.
وقال الحافظ أبو جعفر العقيلي: مجهول وحديثه غير محفوظ.
وقال أبو الحُسين ابن المنادي: هو حديث واهٍ بالحسن بن رَزِين.
وقد روى ابن عساكر نحوه من طريق علي بن الحسن الجهضمي -وهو كذاب- عن ضَمرة بن حبيب المقدسي، عن أبيه، عن العلاء بن زياد القُشَيْري، عن عبد الله بن الحسن، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب مرفوعًا قال: يجتمع كلَّ يوم عَرَفة بعرفات جِبريل وميكائيل وإسرافيل والخضر … وذكر حديثًا طويلًا موضوعًا تركنا إيراده قصدًا، ولله الحمد.
وروى ابن عساكر من طريق هشام بن خالد، عن الحسن بن يحيى الخُشَنِي، عن ابن أبي رَوّاد قال: إلياس والخضِر يصومان شهرَ رمضان في بيت المقدس، ويحجان في كلِّ سنة، ويشربان من ماء زمزم شَربةً واحدةً تكفيهما إلى مثلها من قابل.
وروى ابن عساكر أن الوليد بن عبد الملك بن مروان باني جامع دمشق أحبَّ أن يتعبَّدَ ليلة في المسجد، فأمر القُوَمَة (٢) أن يخلوه له، ففعلوا، فلما كان من الليل جاء من باب الساعات فدخل الجامع فإذا رجل قائم يصلي فيما بينه وبين باب الخضراء، فقال للقُوَمة: ألم آمركم أن تخلوه؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين هذا الخضِر يجيء كلِّ ليلة يصلي هاهنا.
وقال ابن عساكر أيضًا: أخبرنا أبو القاسم إسماعيل بن أحمد، أخبرنا أبو بكر بن الطبري، أخبرنا
أبو الحسين بن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدّثنا يعقوب -وهو ابن سفيان الفَسَوي- حدّثني محمد بن عبد العزيز، حدّثنا ضَمْرة، عن السري بن يحيى، عن رياح بن عَبيدة قال: رأيتُ رجلًا يماشي عمر بن عبد العزيز معتمدًا على يديه، فقلت في نفسي: إن هذا الرجل جاف، قال: فلما انصرف من الصلاة قلت: مَن الرجل الذي كان معتمدًا على يدك آنفًا؟ قال: وهل رأيته يا رياح؟ قلت:نعم.
قال: ما أحسبك إلا رجلًا صالحًا، ذاك أخي الخضِر بشّرني أني سألي وأعدل.
قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: الرَّملي مجروح عند العلماء وقد قدح أبو الحسين بن المنادي في ضمرة، والسري، ورياح ثمّ أورد من طرق أُخر عن عمر بن عبد العزيز أنه اجتمع بالخضر، وضعَّفها كلَّها.
وروى ابن عساكر أيضًا أنه اجتمع بإبراهيم التيمي، وبسفيان بن عُيينة وجماعة يطول ذكرهم.
وهذه الروايات والحكايات هي عُمدة مَن ذهب إلى حياته إلى اليوم، وكُلٌّ من الأحاديث المرفوعة ضعيفة
جدًا لا يقوم بمثلها حجة في الدين، والحكايات لا يخلو أكثرها عن ضعف في الإسناد.
وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره لأنه يجوز عليه الخطأ.
والله أعلم.
وقال عبد الرزاق أخبرنا مَعْمَر، عن الزُّهْري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة أن أبا سعيد قال: حدثنا رسول الله ﷺ حديثًا طويلًا عن الدجَّال، وقال فيما يحدثنا:يأتي الدجّال وهو مُحَرَّم عليه أن يدخل تقاب المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجلٌ هو خير الناس أو من خيرهم،فيقول: أشهدُ أنك أنت الدجّال الذي حدّثنا عنك رسول الله ﷺ بحديثه.
فيقول الدجّال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكّون في الأمر؟ فيقولون: لا.
فيقتله ثم يُحييه،فيقول حين يحيا: والله ما كنتُ أشدَّ بصيرة فيك مني الآن.
قال: فيريد قتله الثانية فلا يُسلَّط عليه.
قال مَعْمَر: بلغني أنه يجعل على حلقه صفيحة نحاس.
وبلغني أنه الخضر الذي يقتله الدجّال ثمّ يُحييه.
وهذا الحديث مخرج في "الصحيحين" من حديث الزُّهري، به ).
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سُفيان الفقيه الراوي عن مسلم: الصحيح أن يقال: إن هذا الرجل الخضر.
وقول معمر وغيره: "بلغني"، ليس فيه حجة.
وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث: فيأتي بشابٍ ممتلئ شبابًا فيقتله، وقوله:"الذي حدّثنا عنه رسول الله ﷺ" لا يقتضي المشافهةَ، بل يكفي التواتر.
وقد تصدَّى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀ في كتابه (عُجالة المنتظِر في شرح حال الخضِر) للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات، فبيَّن أنها موضوعات، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم، فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها وجهالة رجالها، وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد.
وأما الذين ذهبوا إلى أنه قد مات، ومنهم البخاري، وإبراهيم الحربي، وأبو الحسين بن المنادي، والشيخ أبو الفرج ابن الجوزي؛ وقد انتصر لذلك وصنَّف فيه كتابًا سماه (عجالة المنتظِر في شرح حال الخضر)، فيحتج لهم بأشياء كثيرة.
منها قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] فالخضر إن كان بشرًا فقد دخل في هذا العموم لا محالة، ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح.
والأصل عدمه حتى يثبت، ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله.
ومنها أن الله تعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١]
قال ابن عباس: ما بعث الله نبيًا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بُعث محمد وهم أحياء ليؤمِنُنَّ به وينصرنه.
ذكره البخاري عته، فالخضر إن كان نبيًا أو وليًا، فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيًا في زمان رسول الله ﷺ لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه، لأنه إن كان وليًا فالصِّدِّيق أفضلُ منه، وأَن كان نبيًا فموسى أفضلُ منه.
وقد روى الإمام أحمد في (مسنده): حدّثنا شُريح بن النعمان، حدّثتا هُشيم، أنبأنا مجالد، عن الشعبي، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نَفْسِىِ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كانَ حَيًّا ما وَسِعَه إلّا أنْ يَتَّبِعَني".
وهذا الذي يُقطع يه، ويُعلم من الدين علم الضرورة.
وقد دلّت عليه هذه الآية الكريمة أن الأنبياء كلّهم لو فرض أنهم أحياء مكلّفون في زمن رسول الله ﷺ لكانوا كلّهم أتباعًا له وتحت أوامره وفي عموم شرعه، كما أنه صلوات الله وسلامه عليه لمّا اجتمع معهم ليلة الإسراء رُفع فوقهم كلّهم، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة، أمره جبريل عن أمر الله أن يَؤُمَّهم، فصلّى بهم في محلِّ ولايتهم، ودار إقامتهم، فدلّ على أنه الإمام الأعظم، والرسول الخاتم المبجَّل، المقدَّم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
فإذا عُلم هذا، وهو معلوم عند كلِّ مؤمن، علم أنه لو كان الخضِر حيًا لكان من جملة أمة محمد ﷺ وممن يقتدي بشرعه، لا يسعه إلّا ذلك.
هذا عيسى بن مريم ﵇ إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة لا يخرج منها ولا يحيد عنها، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين، وخاتم أنبياء بني إسرائيل، والمعلوم أن الخضِر لم يُنقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه أنه اجتمع برسول الله ﷺ في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالًا في مشهد من المشاهد، وهذا يوم بدر يقول الصَّادِق المصدوقُ فيما دعا به لربه ﷿، واستنصره، واستفتحه على من كفره: "اللهمَّ إنْ تهلِكْ هذهِ العِصَابةُ لا تُعْبَدُ بَعْدَها في الأرْضِ" وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ وسادة الملائكة،حتى جبريل ﵇ كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال: إنه أفخر بيت قالته العرب: [من الكامل]
وبئرُ بدْرٍ إذْ يردّ وُجوهَهم … جِبْريلُ تحتَ لِوائِنا ومحمدُ
فلو كان الخضر حيًا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته، وأعظم غزواته.
قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفرّاء الحنبلي:سئل بعض أصحابنا عن الخضِر هل ماتَ؟ فقال: نعم.
قال:وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن الغباري، قال: وكان يحتج بأنه لو كان حيًا لجاء إلى رسول الله ﷺ.
نقله ابن الجوزي في "العُجالة".
(١) المزَكّي، بضم الميم وفتح الزاي، وكاف مشددة، يقال هذا لمن يزكي الشهود ويبحث عن حالهم ويعرفه القاضي.
وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكي شيخ نيسابور في عصره، وكان من العبَّاد المجتهدين.
كثير الحج.
رحل في طلب الحديث.
وتوفي سنة (٣٦٢ هـ)
.
(٢) القومة: الخدم.
مختارات

