ذكر قصتي الخضر وإلياس (١)
أما الخَضر فقد تقدّم أن موسى ﵇ رحل إليه في طلب ما عنده من العلم اللَّدُنّي، وقصّ الله من خبرهما في كتابه العزيز في سورة الكهف، وذكرنا في تفسير ذلك هنالك، وأوردنا هنا ذكر الحديث المصرّح بذكر الخضر ﵇ وأن الذي رحل إليه هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل ﵇الذي أنزلت عليه التوراة.
وقد اختلف في الخضر في اسمه ونسبه ونبوته وحياته إلى الآن على أقوال سأذكرها لك هاهنا، إن شاء الله وبحوله وقوته.
قال الحافظ ابن عساكر: يقال: إنّه الخضر بن آدم ﵇لصلبه.
ثمّ روى من طريق الدارقُطني: حدّثنا محمد بن الفتح القَلانِسي (١)، حدّثنا العباس بن عبد الله التَّرْقُفي، حدّثنا رَوَّاد بن الجرَّاح، حدّثنا مقاتك بن سليمان، عن الضحّاك، عن ابن عباس قال: الخضر ابن آدم لصلبه ونُسئَ له في أجله حتى يُكذّبَ الدجَّال.
وهذا منقطع وغريب.
وقال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني:سمعت مشيختنا، منهم أبو عبيدة وغيره، قالوا: إن أطول بني آدم عمرًا الخضر، واسمه خضرون بن قابيل بن آدم.
قال:وذكر ابن إسحاق: أن آدم ﵇ لما حضرته الوفاة أخبر بنيه أن الطوفان سيقع بالناس، وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم في السفينة، وأن يدفنوه في مكان عيَّنه لهم.
فلما كان الطوفان حملوه معهم، فلما هبطوا إلى الأرض أمر نوح بنيه أن يذهبوا ببدنه فيدفنوه حيث أوصى.
فقالوا: إن الأرض ليس بها أنيس وعليها وحشة (٢)، فحرّضهم وحثّهم على ذلك، وقال: إن آدم دعا لمن يلي دفْنه بطول العمر، فهابوا المسير
إلى ذلك الموضع في ذلك الوقت، فلم يزل جسده عندهم حتى كان الخضر هو الذي تولى دفنه، وأنجز الله له ما وعده، فهو يحيا إلى ما شاء الله له أن يحيا.
وذكر ابن قتيبة في (المعارف) عن وهب بن منبه أن اسم الخضر.
بليا، ويقال إيليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح).
وقال إسماعيل بن أبي أويس: اسم الخضر -فيما بلغنا والله أعلم- المعمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن لازد.
وقال غيره: هو خضرون بن عميائيل بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل.
ويقال هو أرميا بن طبقا.
فالله أعلم.
وقيل: إنّه كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر.
وهذا غريب جدًا.
قال ابن الجوزي: رواه محمد بن أيوب، عن ابن لهيعة، وهما ضعيفان.
وقيل: إنه ابن مالك، وهو أخو إلياس.
قاله السدي كما سيأتي.
وقيل: كان على مقدمة ذي القرنين.
وقيل: كان ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر معه.
وقيل: كان نبيًا في زمن بشتاسب بن لهراسب ).
قال ابن جرير: والصحيح أنه كان متقدمًا في زمن أفريدون حتى أدركه موسى.
وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيِّب أنه قال:الخضر أمه رومية وأبوه فارسي.
وقد ورد ما يدل على أنه كان من بني إسرائيل في زمان فرعون أيضًا.
قال أبو زرعة في "دلائل النبوة": حدّثنا صفوان بن صالح الدمشقي، حدّثنا الوليد، حدّثنا سعيد بن بشير، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب، عن رسول الله ﷺ أنه ليلة أُسري به وجَدَ رائحة طيبةً فقال "يا جِبْريلُ ما هذِهِ الرائِحَةُ الطَّيِّبةُ؟ قالَ: هذهِ رِيْحُ قَبْرِ الماشِطَةِ وابنتِها وزَوْجِها".
قال: وكان بدء ذلك أن الخضر كان من أشراف بني إسرائيل، وكان ممره براهب في صومعته فتطلّع عليه الراهب فعلَّمه الإسلام، فلما بلغ الخضر زوَّجه أبوه امرأة، فعلّمها الإسلام، وأخذ عليها أن لا تعلِّمه أحدًا، وكان لا يقرب النساء.
لمّ طلّقها، ثمّ زوجه أبوه بأخرى، فعلّمها الإسلام، وأخذ عليها أن لا تعلِّمه أحدًا، ثمّ
طلّقها.
فكتمت إحداهما وأفشت عليه الأخرى.
فانطلق هاربًا حتى أتى جزيرةً في البحر، فأقبل رجلان يَحْتَطِبان، فرأياه، فكتم أحدهما وأفشى عليه الآخر؛ قال قد رأيت العزقيل ومن رآه معك؟ قال: فلان، فسُئل فكتم، وكان من دِينهم أنه من كذب قُتِل، فقتل.
وكان قد تزوج الكاتم المرأة الكاتمة.
قال: فبينما هي تمشط بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تَعِس فرعون.
فأخبرت أباها، وكان للمرأة ابنان وزوجٌ، فأرسل إليهم، فراوَد المرأةَ وزوجَها أن يرجعا عن دينهما، فأبيا، فقال: إني قاتلكما.
فقالا: إحسان منك إلينا إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد، فجعلهما في قبر واحد.
فقال: وما وجدت ريحًا أطيب منهما وقد دخلت الجنه.
وقد تقدمت قصة مائلة بنت فرعون.
وهذا البسط في أمر الخضر قد يكون مدرجًا من كلام أُبي بن كعب أو عبد الله بن عباس، والله أعلم.
وقال بعضهم: كنيته أبو العباس.
والأشبه -والله أعلم- أن الخضر لقب غلب عليه.
قال البخاري ﵀: حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، حدثنا ابن المبارك، عن مَعْمر، عن هَمام، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "إنما سُمّي الخَضِر لأنه جَلَس على فَرْوَةٍ بيضاءَ فإذا هي تهْتَزُّ من خَلْفِه خَضْرَاءَ".
تفرد به البخاري.
وكذلك رواه عبد الرزاق عن معمر، به ).
ثم قال عبد الرزاق: الفَرْوة: الحشيش الأبيض وما أشبهه، يعني الهَشِيم اليابس.
وقال الخطّابي: وقال أبو عُمر: الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها، وقال غيره: هو الهشيم اليابس، شَبَّهه بالفروة،ومنه قيل: فروة الرأس، وهي جلدته بما عليها من الشعر،كما قال الراعي:
ولقدْ تَرى الحبَشيَّ حولَ بُيوتِنا … جَذِلًا إذا ما نالَ يومًا مأكلا)
صَعْلًا أصكَّ كأنّ فروةَ رأسِه … بُذِرَت فأَنبتَ جَانباهُ فُلفُلا
قال الخطابي: وإنما سمي الخضر خضرًا لحسنه وإشراق وجهه.
قلت: وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح، فإن كان ولا بد من التعليل بأحدهما، فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى، بل لا يلتفت إلى ما عداه، وقد روى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث أيضًا من طريق إسماعيل بن حفص بن عمر الأَيْلي، حدّثنا عثمان وأبو جُرَي) وهمام بن يحيى، عن قتادة، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: "إنما سُمي الخَضِرُ خَضِرًا لأنَّهُ صَلّى عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فاهْتَزَّتْ خَضْراء".
وهذا غريب من هذا الوجه.
وقال قبيصة، عن الثوري، عن منصور، عن مجاهد قال: إنما سمي الخضر لأنه كان إذا صلّى اخضرّ ما حولَه.
وتقدم أن موسى ويوشع ﵉ لما رجَعا يقُصَّان الأثر وجداه على طنفسة خضراء على كبد البحر، وهو مسجًّى بثوب قد جُعل طرفاه من تحت رأسه وقدميه، فسلم عليه موسى ﵇فكشف عن وجهه فرد وقال: أنَّى بأرضك السلام من أنت؟قال: أنا موسى.
قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم.
فكان من أمرهما ما قص الله في كتابه عنهما.
وقد دل سياق القصة على نبوته من وجوه:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾.
الثاني: قول موسى له: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ [الكهف: ٦٥ - ٧٠] فلو كان وليًا وليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة، ولم يرذ على موسى هذا الردّ، بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الذي اختصّه الله به دونه، فلو كان غير نبي لم يكن معصومًا ولم تكن لموسى -وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة- كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولي غير واجب العصمة، ولما عزم على الذهاب إليه والتفتيش عليه ولو أنه يمضي حقبًا من الزمان، قيل: ثمانين سنة، لمّ لما اجتمع به تواضع له وعظّمه واتَّبعه في صورة مستفيد منه، دلّ على أنه نبي مثله، يوحى إليه كما يوحى إليه، وقد خُصَّ من العلوم اللدنية
والأسرار النبوية بما لم يُطْلِع اللهُ عليه موسى الكليمَ نبي بني إسرائيل الكريم.
وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرُّمّاني) على نبوة الخضر ﵇.
الثالث: أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام، وما ذاك إلا للوحي إليه من الملك العلّام.
وهذا دليلٌ مستقلٌّ على نبوّته، وبرهانٌ ظاهرٌ على عصمته، لأن الولي لا يجوز له الإقدام على قتل النفوس بمجرّد ما يلقى في خَلَده، لأن خاطره ليس بواجب العصمة؛ إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق.
ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الذي لم يبلغ الحلْم علمًا منه أنه إذا بلغ يكفر ويحمل أبويه على الكفر لشدّة محبتهما له فيتابعانه عليه، ففي قتله مصلحةٌ عظيمةٌ تربو على بقاء مهجته، صيانةً لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته، دلّ ذلك على نبوته وأنه مؤيَّد من الله بعصمته.
وقد رأيت الشيخ أبا الفرج بن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوّة الخضر وصحّحه، وحكى الاحتجاج عليه عن الرّمَّاني أيضًا.
الرابع: أنه لما فسر الخضر تأويل الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره وجلّى قال بعد ذلك كله: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] يعني ما فعلته من تلقاء نفسي، بل أُمرت به وأُوْحِي إفيَ فيه، فدلت هذه الوجوه على نبوته.
ولا ينافي ذلك حصول ولايته بل ولا رسالته كما قاله آخرون.
وأما كونه مَلَكًا من الملائكة، فقول غريب جدًا.
وإذا ثبتت نبوته -كما ذكرناه- لم يبق لمن قال بولايته وأن الولي قد يطلع على حقيقة الأمور دون أرباب الشرع الظاهر مستَندٌ يستندون إليه، ولا معتمدٌ يعتمدون عليه.
وأما الخلاف في وجوده إلى زماننا هذا؛ فالجمهور على أنه باقٍ إلى اليوم.
قيل: لأنه دَفَن آدم بعد خروجهم من الطوفان، فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة.
وقيل: لأنه شرب من عين الحياة فحيي.
وذكروا أخبارًا استشهدوا بها على بقائه إلى الآن، وسنوردها إن شاء الله تعالى وبه الثقة.
وهذه وصيته لموسى حين قال: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨].
قال السهيلي: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، حدّثنا أبو عبد الله الصفّار، حدّثنا أبو بكر بن أبي الدنيا، حدّثنا إسحاق بن إسماعيل، حدّثنا جرير، حدّثني أبو عبد الله المَلَطي (٣) قال: لما أراد موسى أن يفارق الخضر قال له موسى: أوصني.
قال: كُنْ نفّاعًا، ولا تكن ضَرَّارًا.
كن بشّاشًا، ولا تكن غضبانَ.
ارجع عن اللّجاجة، ولا تمش في غير حاجة.
وفي رواية من طريق أخرى زيادة: ولا تضحك إلا من عجبٍ.
وقال وهب بن مُنبه: قال الخضر: يا موسى إن الناس معذَّبون في الدنيا على قدر همومهم بها.
وقال بشر بن الحارث الحافي: قال موسى للخضر: أوصني.
فقال نشر الله عليك طاعته.
وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى الوَقَار إلّا أنه من الكذَّابين الكبار، قال: قرئ على عبد الله بن وهب وأنا أسمع قال الثوري: قال مجالد، قال أبو الودّاك، قال أبو سعيد الخدري: قال عمر بن الخطاب: قال قال رسول الله ﷺ: "قالَ أخي مُوْسى: يا رَبّ، ذكر كلمة، فأتاه الخَضِرُ وهو فتًى طيّبُ الرِّيحِ، حَسَنُ بياضِ الثيابِ مشمِّرُها، فقال:السلامُ عليكَ ورحمةُ الله يا موسى بن عمران، إنّ ربَّك يَقْرَأ عَلَيك السلامَ.
قال موسى: هو السَّلامُ وإلَيه السَّلَامُ، والحمد للهِ رَبِّ العالمينَ الذي لا أُحْصي نِعَمَهُ ولا أقْدِرُ على أداءَ شُكْرِه إلا بمعونته.
ثمّ قال موسى: أريدُ أن توصيني بوصيةٍ ينفَعُني اللهُ بها بعدَك.
فقالَ الخضِر: يا طالِبَ العِلْم إنّ القائِلَ أقلُّ ملامة من المستمع، فلا تملَّ جلساءك إذا حدثتهم، واعلم أنَّ قلبك وعاءٌ فانظر ماذا تحشو به وعاءك.
واغرف من الدنيا وانبذها وراءك، فإنها لَيسَت لك بدار، ولا لك فيها محل قرار.
وإنما جعلت بُلْغة (٤) للعباد والتزود منها ليوم المعاد.
ورُضْ نفسك على الصبر تخلص من الإثم.
يا موسى تفرَّغ للعلم إنْ كنت تريدُه، فإنما العلمُ لمن تَفَرَّغ له.
ولا تكن مكثارًا للعلم مهذارًا فإن
كثرة المنطق تشين العلماء، وتبدي مساوئ السخفاء.
ولكن عَليكَ بالاقتصادِ، فإن ذلك من التوفيق والسداد.
وأعرِض عن الجهَّال وماطلهم واحلم عن السفهاء (١) فإن ذلك فعل الحكماء وزين العلماء.
إذا شتمك الجاهلُ فاسكتْ عنه حِلمًا، وجانبه حَزْمًا، فإنّ ما بقي من جهله عليك وسبِّه إياك أكثر وأعظم.
يا ابن عِمْران ولا تَرى أتك أُوْتيتَ من العلم إلا قليلًا.
فإن الاندلاث (٥) والتعسُّف من الاقتحام والتكلّف.
يا ابن عمران لا تقتحن بابًا لا تدري ما غَلْقه، ولا تغلقن بابًا لا تدري ما فتحه.
يا ابن عمران من لا ينتهي من الدنيا نَهْمَتُه، ولا تنقضي منها رغبته، ومن يحقر حاله ويتهم الله فيما قضى له كيف يكون زاهدًا؟! هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه.
أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه، لأن سعيه إلى آخرته وهو مقبل على دنياه.
يا موسى تعلّم ما تعلمت لتعملَ يه ولا تعلَّمه لتحدّث به فيكون عليك بوارُه ولغيرك نوره.
يا موسى بن عمران اجعلِ الزهدَ والتقوى لباسَك، والعلمَ والذِّكْر كلامَك، واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات، وزعزع بالخوف قلبك فإن ذلك يُرضى ربَّك، واعمل خيرًا فإنك لا بد عاملٌ سوءًا.
قد وعظت إن حفظتَ.
فال: فَتَولّى الخضر وبقي موسى محزونًا مكروبًا يبكي".
لا يصح هذا الحديث.
وأظنه من صنعة زكريا بن يحيى الوقَار المصري، كذّبه غر واحد من الأئمة.
والعجب أن الحافظ اين عساكر سَكَت عنه.
وقال الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني: حدّثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، حدّثنا عمرو بن إسحاق بن إيراهيم بن العلاء الحمصي، حدّثنا محمد بن الفضل بن عمران الكِنْدي، حدّثنا بَقِيَّة بن الوليد، عن محمد بن زياد، عن أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه: "أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنِ الخَضِرِ؟ " قالوا: بلى يا رسول الله.
قال: "بينَما هُو ذاتَ يومٍ يَمشي في سُوقِ بَني إسْرائيلَ أبْصَره رَجُلٌ مُكَاتَب (٦) فقال: تَصَدَّقْ عَلَيَّ بارَكَ اللهُ فيكَ.
فقالَ الخضِرُ: آمنتُ باللهِ ما شاءَ اللهُ من أمرٍ يَكُونُ، ما عندي من شيءٍ أُعْطِيكَهُ.
فقالَ المسكينُ: أسألكَ بوجهِ اللهِ لَمَا تَصَدَّقْتَ علَيَّ، فإني نظرتُ إلى السماء في وجهكَ
ورجَوتُ البرَكَةَ عِندك.
فقالَ الخضِر: آمنت باللهِ ما عِنْدي من شيء أعطيكه إلّا أنْ تأخذَنىِ فتبيعني.
فقال المسكينُ:وهلْ يَستقيمُ هذا؟ قالَ: نعم.
الحقَّ أقولُ لكَ، لَقَدْ سألتني بأمرٍ عظيم أمَا إني لا أُخَيّبكَ بوجه ربي، بعني.
قال: فقدَّمه إلى السُّوقِ فباعه بأربع مئة درهم.
فمكث عند المشتري زمانًا لا يَستَعملُه في شيء.
فقال له: إنما ابتعتني التماسَ خيرٍ عندي؛ فأوصني بعملٍ.
قال: أكرهُ أن أشُقَّ عليكَ إنكَ شَيخٌ كبيرٌ ضعيفٌ.
قال: ليس تشق علَيَّ.
قال: فانقلْ هذه الحجارةَ، وكان لا ينقلها دون ستةِ نفرٍ في يوم، فخرجَ الرجل لبعض حاجته، ثمّ انصرف وقد نقلَ الحجارة في ساعة.
فقال: أحسنتَ وأجملتَ وأطقتَ ما لم أَرَكَ تُطيقه.
ثمّ عرضَ للرجلِ سفرٌ فقال: إني أَحْسبك أمينًا فاخلُفني في أهلي خِلافةً حسنةً.
قال: فأوصني بعملٍ.
قال: إني أكره أن أشقَّ عليكَ.
قال: ليس تَشُقُّ عليَّ.
قال: فاضرب من اللَّبِن لبيتي حتى أقدم عليكَ.
فمضى الرجْل لسفره، فرجَع وقد شُيِّد بناؤه، فقال: أسألك بوجه الله ما سبيلُكَ وما أمرك؟ فقال:سألتني بوجهِ اللهِ، والسؤالُ بوجهِ اللهِ أوقعني في العُبُودِية، سأُخبركَ مَنْ أَنَا، أنا الخضِر الذي سمعت به، سألني مسكينٌ صدقةً فلم يكن عندي من شيءً أُعطيه، فسألني بوجهِ اللهِ فأمْكَنْتُه من رَقَبَتي فباعني، وأُخبرُكَ أنه من سُئِل بوجهِ اللهِ فردَّ سائلَه وهو يقدر وقفَ يومِ القيامةِ جلْدُه لا لَحَم لَه ولا عظمَ يتقعقع (٧).
فقالَ الرجل: آمنتُ باللهِ، شَقَقْتُ عليكَ يا نَبيَّ اللهِ ولم أعْلَم.
فقالَ: لا بأسَ، أحْسَنْتَ وأبقَيتَ.
فقال الرجلُ: بأبي وأمي يا نبي اللهِ احكُم في أهلي ومالي بما أراك الله، أو أُخيّرك فأُخلي سبيلك؟ فقال:أحِبُّ أن تُخليَ سبيلي فأعْبُدَ ربي.
فخلّى سبيله.
فقال الخضر:الحمدُ لله الذي أوْقَعَني في العبوديةِ ثمّ نجّاني منها".
وهذا حديث رفْعُه خطأ، والأشبه أن يكون موقوفًا.
وفي رجاله من لا يُعْرف، فالله أعلم.
وقد رواه ابن الجوزي في كتابه (عُجالة المنتظِر في شرح حال الخضِر) من طريق عبد الوهاب بن الضحاك)، وهو متروك، عن بقية.
وقد روكما الحاقظ ابن عساكر بإسناده إلى السُّدّي أن الخضو وإلياس كانا أخوين، وكان أبوهما ملِكًا، فقال إلياس لأبيه: أَن أخي الخضِر لا رغبة له في الملك فلو أنك زوجته لعل يجيء منه ولدٌ يكون المُلْكُ
له، فزوَّجه أبوه بامرأةٍ حسناء بكر، فقال لها الخضر: إنه لا حاجة لي في النساء، فإن شئتِ أطلقتُ
سراحَك، وإن شئتِ أقمتِ معي تعبدين الله ﷿ وتكتمين عليَّ سِرِّي.
فقالت: نَعَم، وأقامت معه
سنةً.
فلما مضت السنة دعاها الملكُ فقال: إنك شابة وابني شاب فأين الولد؟ فقالت: إنما الولد من عند الله، إن شاءَ كانَ وإن لم يشأ لم يكن.
فأمره أبوه فطلّقها وزوَّجه بأخرى ثَيِّبًا قد وُلد لها، فلما زُفَّت إليه قال لها كما قال للتي قَبْلَها، فأجابت إلى الإقامة عندَه.
فلما مضت السنة سألها الملكُ عن الولد، فقالت: إن ابنَك لا حاجة له بالنساء.
فتطلبه أبوه، فهربَ، فأرسل وراءه فلم يقدروا عليه.
فيقال: إنه قتل المرأة الثانية لكونها أفشت سرَّه فهرب من أجل ذلك، وأطلق سراح الأُخرى فأقامت تعبدُ الله في بعض نواحي تلك المدينة، فمرّ بها رَجُل يومًا فسمعته يقول: بسم الله،فقالت له: أنَّى لك هذا الاسم؟ فقال: إني من أصحاب الخضِر، فتزوجته فولدت له أولادًا.
ثم صار من أمرها أن صارت ماشِطةَ بنتِ فِرعون،فبينما هي يومًا تمشطها إذ وقع المشط من يدها فقالت:بسم الله.
فقالت ابنة فرعون: أبي؟ فقالت: لا، ربي وربّك وربّ أبيك، الله.
فأعلمت أباها، فأمر ببقرة من نحاس، فأُحميت، ثمّ أمر بها فأُلقيت فيها، فلما عاينت ذلك تقاعست أن تقع فيها، فقال لها ابنٌ معها صغير: يا أماه اصبري فإنك على الحق، فألقت نفسها في النار فماتت رحمها الله.
وقد روى ابن عساكر، عن أبي داود الأعمى نُفيع -وهو كذاب وضاع - عن أنس بن مالك.
ومن طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف -وهو كذاب أيضًا- عن أبيه عن جدّه: أن الخضر جاء ليلة، فسمع النبيُّ ﷺكلامه وهو يدعو ويقول: اللهم أعني على ما ينجّيني مما خوَّفتني، وارزقني شوقَ الصالحين إلى ما شوَّقْتَهم إليه، فبعث إليه رسول الله ﷺ أنس بن مالك فسلم عليه، فرد ﵇وقال: قل له: إن الله فضَّلك على الأنبياء كما فضَّل شهرَ رمضان على سائر الشهور، وفضّل أُمتك على
الأمم كما فضّل يوم الجمعة على غيره.
الحديث -وهو مكذوب- لا يصح لا سندًا ولا متنًا، لا يتمثَّل بين يدي رسول الله ﷺ ويجيء بنفسه مسلّمًا ومتعلِّمًا وهم يذكرون في حكاياتهم وما يسندونه عن بعض مشايخهم أن الخضر يأتي إليهم، ويسلّم عليهم، ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالّهم، وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران كليم الله الذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على مَن سواه حتى يتعرف إليه بأنه موسى بني إسرائيل.
وقد قال الحافظ أبو الحسين بن المنادي، بعد إيراده حديث أنس هذا: وأهل الحديث متفقون على أنه حديثٌ منكر الإسناد سقيم المتن يتبين فيه أثر الصنعة.
فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي قائلًا: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر ابن بالويه، حدّثنا محمد بن بشر بن مطر، حدّثنا كامل بن طلحة، حدّثنا عباد بن عبد الصمد، عن أنس ابن مالك قال: لما قُبض رسول الله ﷺ أحدق به أصحابه فبكوا حولَه واجتمعوا، فدخل رجلٌ أشْهَب اللجة جسيمٌ صبيح، فتخطّى رقابَهم، فبكى ثمّ التفت إلى أصحاب رسول الله ﷺفقال: إن في الله عَزاءً من كلِّ مصيبةٍ، وعِوَضًا من كلِّ فائت، وخَلَفًا من كلِّ هالك، فإلى الله فأنيبوا وإليه فارغبوا، ونظره إليكم في البلاء، فانظروا فإن المصاب من لم يُجْبَر، وانصرف.
فقال بعضهم لبعض: تعرفون الرجل؟ فقال أبو بكر وعلي: نعم هذا أخو رسول الله ﷺ الخضر ﵇.
وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا عن كامل بن طلحة، به، وفي متنه مخالفة لسياق البيهقي، ثم قال البيهقي: عباد بن عبد الصمد ضعيفٌ، وهذا منكر بمرة.
قلت: عباد بن عبد الصمد هذا هو أبو معمر البصري، روى عن أنس نسخه؛ قال ابن حِبان
(١) القَلَانسي، بفتح القاف وتخفيف اللام: نسبة إلى القلانس وعملها.
والقلنسوة: لباس للرأس مختلف الأنواع والأشكال ج: قلانس، وقلانيس، وقلاسٍ، وقلاسي.
(٢) في المعمرون: فقالوا: الأرض وَحِشة، ولا أنيس بها، ولا نهتدي الطريق، ولكن نكف حتى يأمن الناس ويكثروا، وتأنس البلاد، وتجف.
(٣) المَلَطي، بفتح الميم واللام: نسبة إلى مدينة مَلَطْية من ثغور الروم.
(٤) البلغة: ما يكفي لسد الحاجة ولا يفضل عنها.
(٦) الاندلاث: السرعة والاندفاع.
يقال: اندلث الرجل: إذا مضى على وجهه، أو أسرع وركب رأسه، فلم ينهنهه شيء في قتال.
اللسان.
(٧) المكاتَبة: أن يكاتبك عبدُك على نفسه بثمنه، فإذا أدّاه عتق.
(٧) يتقعقع: يضطرب.
مختارات

