ذكر قصتي الخضر وإلياس (٣)
فإن قيل: فهلا يقال: إنه كان حاضرًا في هذه المواطن كلّها ولكن لم يكن أحدٌ يراه؟ فالجواب: أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرّد التوهُّمات.
ثمّ ما الحامل له على هذا الاختفاء، وظهوره أعظم لأجره، وأعلى في مرتبته، وأظهر لمعجزته.
ثمّ لو كان باقيًا بعده لكان تبليغه عن رسول الله ﷺ الأحاديث النبوية، والآيات القرآنية، وإنكاره لِمَا وقع من الأحاديث المكذوبة، والروايات المقلوبة، والآراء البدعية، والأهواء العصبية، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم، وشهوده جمعهم وجماعاتهم، ونفعه إياهم ودفعه الضرر عنهم ممن سواهم، وتسديده العلماء والحكام، وتقديره الأدلة والأحكام أفضل ما يقال عنه من كونه في الأمصار، وجَوْبه الفيافي والأقطار.
واجتماعه بعباد لا يعرف أحوال كثير منهم، وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم.
وهذا الذي ذكرناه لا يتوقّف أحد فيه بعد التفهيم، والله يهدي من يَشاء إلى صراط مستقيم.
ومن ذلك ما ثبت في (الصحيحين) وغيرهما عن عبد الله بن عُمر، أن رسول الله ﷺ صلَّى ليلةً العِشاءَ ثم قال:"أرأيْتُم لَيْلَتَكُم هذ فإنَّهُ إلى مِئة سَنَةٍ لا يَبْقَى مِمَّنْ هُو عَلَى وَجْهِ الأرْضِ اليَوْمَ أَحَدٌ".
وفي رواية: "عَيْنٌ تَطرفُ".
قال ابن عمر: فَوَهَلَ الناس في مقالة رسول الله ﷺ هذه، وإنما أراد انخرام قرنه.
قال الإمام أحمد: حدّثنا عبد الرزاق أنبأنا مَعمر،عن الزهري قال: أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمةَ أن عبد الله بن عمر قال: صلّى رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلّم قام فقال: "أرأيْتُم لَيلتكم هذهِ فإنَّ علَى رأسِ مِئة سَنَةٍ لا يَبْقَى ممن على ظهر الأرض أحدٌ".
وأخرجه البخاري، ومُسلم من حديث الزهري.
وقال الإمام أحمد حدّثنا محمد بن أبي عدي، عن سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن جابر بن عبد الله قال:قال رسول الله ﷺ قبل موته بقليل أو بشهر: "ما مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، أو ما مِنْكُم مِنْ نَفْسٍ اليومَ مَنْفُوسَةٍ يأتي عَلَيها مئة سَنَةٍ وهيَ يَوْمَئذٍ حَيَّة".
وقال أحمد: حدّثنا موسى بن داود، حدّثنا ابن لَهِيْعة، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي ﷺ أنه قال قبل أن يموت بشهر: "تَسْأَلونَني عَنِ السَّاعَةِ وَإنّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ.
أُقْسِمُ باللهِ ما عَلَى الأرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ اليومَ يأتي عَلَيْها مئة سَنَةٍ".
وهكذا رواه مسلم من طريق أبي نَضرة وأبي الزبير كلٌّ منهما عن جابر بن عبد الله، به نحوه.
وقال الترمذي حدّثنا هنّاد، حدّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: "ما على الأرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يأتي عَلَيها مئة سَنَةٍ".
وهذا أيضًا على شرط مسلم.
قال ابن الجوزي: فهذه الأحاديث الصِّحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر ﵇.
قالوا: فالخَضِر إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله ﷺكما هو المظنون الذي يترقى في القوة إلى القطع، فلا إشكال، وإن كان قد أدرك زمانه، فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعده مئة سنة، فيكون الآن مفقودًا لا موجودًا، لأنه داخل في هذا العموم، والأصل عدم المخصِّص له حتى يثبت بدليل صحيح يجب قبوله.
والله أعلم.
وقد حكى الحافظ أبو القاسم السُّهيلي في كتابه "التعريف والإعلام" عن البخاري، وشيخه أبي بكر بن العربي أنه أدرك حياة النبي ﷺ ولكن مات بعده لهذا الحديث، وفي كون البخاري ﵀ يقول بهذا، وأنه بقي إلى زمان النبي ﷺ نظر.
ورجَّح السهيلي بقاءه، وحكاه عن الأكثرين.
قال:وأما اجتماعه مع النبي ﷺ وتعزيته لأهل البيت بعدَه، فمروي من طُرق صِحاح ثمّ ذكر ما تقدّم مما ضعَّفناه، ولم يورد أسانيدها.
والله أعلم.
وَأمّا إلياس…
فقال الله تعالى بعد قصة موسى وهارون من سورة الصافات ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣) إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (١٢٦) فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (١٢٧) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٢٨) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٢٩) سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ (١٣٠) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الآيات: ١٢٣ - ١٣٢].
قال علماء النسب: هو إلياس بن تشبين.
ويقال: ابن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون.
وقيل: إلياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران.
قالوا: وكان إرساله إلى أهل بعلَبَك غربي دمشق، فدعاهم إلى النْه ﷿، وأن يتركوا عبادة صَنَم لهم كانوا يسمونَه: بَعلا.
وقيل: كانت امرأة اسمها: بعل والأول أصح.
ولهذا قال لهم ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤) أَتَدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ (١٢٥) اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ ١٣﴾ فكذّبوه، وخالفوه، وأرادوا قتله، فيقال: إنه هرب منهم، واختفى عنهم.
قال أبو يعقوب الأذرعي، عن يزيد بن عبد الصمد، عن هشام بن عمار قال: وسمعت من يذكر عن كعب الأحبار أنه قال: إن إلياس اختفى من ملك قومه في الغار الذي تحت الدم عشر سنين حتى أهلَكَ اللهُ الملِكَ وولّى غيرَه، فأتاه إلياس، فعرض عليه الإسلام، فأسلم وأسلم من قومه خلقٌ عظيم غير عشرة آلاف منهم، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم.
وقال ابن أبي الدنيا: حدّثني أبو محمد القاسم بن هاشم، حدّثنا عمر بن سعيد الدمشقي، حدّثنا سعيد بن عبد العزيز، عن بعض مشيخة دمشق قال: أقام إلياس ﵇هاربًا من قومه في كهف جبل عشرين ليلة، أو قال أربعين ليلة، تأتيه الغربان برزقه.
وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي: أخبرنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه قال: أول نبي بُعث إدريس، ثمّ نوح، ثمّ إبراهيم، ثمّ إسماعيل وإسحاق، ثمّ يعقوب، ثمّ يوسف، ثمّ لوط، ثمّ هود، ثمّ صالح، ثمّ شعيب، ثمّ موسى وهارون ابنا عمران، ثمّ إلياس بن تشبين بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈، هكذا قال.
وفي هذا الترتب نظر.
وقال مكحول، عن كعب: أربعة أنبياء أحياء، اثنان في الأرض: إلياس والخضر، واثنان في السماء: إدريس وعيسى.
وقد قدّمنا قول من ذكر أن إلياس والخضر يجتمعان في كلِّ عام في شهر رمضان في بيت المقدس، وأنّهما يحجّان كلّ سنة، ويشربان من زمزم شَربة تكفيهما إلى مثلها من العام المقبل.
وأوردنا الحديث الذي فيه أنهما يجتمعان بعرفات كلّ سنة، وبيَّنا أنه لم يصح شيء من ذلك، وأن الذى يقوم عليه الدليل أن الخضر ماتَ، وكذلك إلياس ﵉.
وما ذكره وهب بن منته وغيره أنه لما دعا ربه ﷿ أن يقبضه إليه لما كذبوه وآذوه، فجاءته دابة لونُها لون النار، فركبها وجعل الله له ريشًا وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، وصار ملكيًا بشريًا سماويًا أرضيًا، وأوصى إلى اليسع بن أخطوب ففي هذا نظر، وهو من الإسرائيليات التي لا تُصدّق ولا تكذب، بل الظاهر أن صحتها بعيدة.
والله أعلم.
فأما الحديث الذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أيو عبد الله الحافظ، حدّثني أبو العباس أحمد بن سعيد المَعْداني ببخارى، حدّثنا عبد الله بن محمود، حدّثنا عبدان بن سنان، حدّثني أحمد بن عبد الله البَرْقي، حدّثنا يزيد بن يزيد البلوي، حدّثنا أبو إسحاق الفزاري، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن أنس بن مالك قال: كنا مع رسول الله ﷺ فى سفر، فنزلنا منزلًا، فإذا رجلٌ في الوادي يقول: اللهم اجعلني من أمّة محمد ﷺ المرحومة المغفورة المتاب لها.
قال: فأشرفت على الوادي فإذا رجلٌ طوله أكثر من ثلاثمئة ذراع، فقال لي: من أنت؟ فقلت: أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ.
قال: فأين هو؟ قلت: هو ذا يسمع كلامَك.
قال: فأته فأقرئه السلامَ، وقل له: أخوك إلياس يُقرئك السلامَ.
قال: فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فجاء حتى لقيه فعانقه وسلّم، ثمّ قعدا يتحادثان، فقال له: يا رسول الله إني ما آكل في سنة إلا يومًا وهدّا يوم فطري، فآكل أنا وأنت.
قال: فنزلتْ عليهما مائدةٌ من السماء عليها خبزٌ وحوت وكَرَفس فأكلا وأطعماني وصلَّيا العصر، ثم ودَّعه.
ورأيته مرّ في السحاب نحو السماء.
فقد كفانا البيهقي أمره وقال: هذا حديث ضعيف بمرَّة، والعجب أن الحاكم أبا عبد الله النيسابوري أخرجه في "مستدركه" ) على الصحيحين، وهذا مما يُستدرك به على "المستدرك" فإنه حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه.
ومعناه لا يصح أيضًا، فقد تقدم في "الصحيحين" أن رسول الله ﷺ قال: "إنَّ اللهَ خَلَقَ آدَم طُوْلُه سِتُّون ذراعًا في السماء" إلى أن قال: "ثُمَّ لَمْ يَزَلِ الخلْقُ يَنْقُصُ حَتَّى الآنَ" وفيه أنه لم يأت إلى رسول الله ﷺ حتى كان هو الذي ذهب إليه.
وهذا لا يصح، لأنه كان أحق بالسعي إلى بين يدي خاتم الأنبياء.
وفيه أنه يأكل في السنة مرة، وقد تقدم عن وهب أنه سلبه الله لذة المطعم والمشرب، وفيما تقدم عن بعضهم أنه يشرب من زمزم كلّ سَنةٍ شربةً تكفيه إلى مثلها من الحول الآخر.
وهذه أشياء متعارضة، وكلّها باطلة لا يصح شيءٌ منها.
وقد ساق ابن عساكر هذا الحديث من طريق آخر، واعترف بضعفها، وهذا عجب منه كيف تكلّم عليه، فإنه أورده من طريق حسن بن عَرفة، عن هانئ بن الحسن، عن بقية، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع، فذكر نحو هذا مطولًا وفيه أن ذلك كان في غزوة تبوك وأنه بعث إليه رسول الله ﷺ أنس بن مالك وحذيفة بن اليمان،قالا: فإذا هو أعلى جسمًا منا بذراعين أو ثلاثة، واعتذر بعدم قدومه لئلا تنفر الإبل، وفيه أنه لما اجتمع به رسول الله ﷺ أكلا من طعام الجنَّة وقال: إن لي في كلِّ أربعين يومًا أكلةً، وفي المائدة خبز ورمان وعنب وموز ورُطَب وبقل ما عدا الكُرَّاث، وفيه أن رسول الله ﷺ سأله عن الخضر فقال:عهدي به عام أول، وقال لي: إنك ستلقاه قبلي، فأقرئه مني السلام.
وهذا يدلّ على أن الخضر وإلياس بتقدير وجودهما، وصحّة هذا الحديث لم يجتمعا به إلى سنة تسعٍ من الهجرة، وهذا لا يسوغ شرعًا، وهذا موضوع أيضًا.
وقد أورد ابن عساكر طرقًا فيمن اجتمع بإلياس من العباد، وكلّها لا يُفرَح بها، إمّا لضعف إسنادها أو لجهالة المسند إليه فيها.
ومن أحسنها ما قال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدّثني بشر بن مُعاذ، حدّثنا حماد بن واقد، عن ثابت قال: كنا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة، فدخلت حائطًا أصلي فيه ركعتين، فافتتحت: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ١ - ٣].
فإذا رجل من خلفي على بغلة شهباءَ، عليه مقطعات يمنية، فقال لي: إذا قلت: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ﴾ فقل: يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي.
وإذا قلت:﴿وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ فقل: يا قابل التوب تقبل توبتي.
وإذا قلت:﴿شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ فقل: يا شديد العقاب لا تعاقبني.
وإذا قلت: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ فقل: يا ذا الطول تطوّل عليّ برحمةٍ، فالتفتُّ فإذا لا أحد، وخرجت فسألت: مرَّ بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية؟ فقالوا: ما مرَّ بنا أحد، فكانوا لا يرون إلا أنه إلياس.
وقوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي: للعذاب، إما في الدنيا والآخرة أو في الآخرة، والأوّل أظهر على ما ذكره المفسرون والمؤرخون.
وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي: إلا من آمن منهم.
وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي: أبقينا بعده ذِكرًا حسنًا له في العالمين، فلا يذكر إلا بخير، ولهذا قال:﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ أي: سلام على إلياس، والعرب تلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها، كما قالوا:إسماعيل وإسماعين، إسرائيل وإسرائين، وإلياس وإلياسين.
ومن قرأ: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ أي على آل محمد،وقرأ ابن مسعود وغيره: (سَلامٌ على إدراسِين) ونقل عنه من طريق إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال: إلياس هو إدريس.
وإليه ذهب الضحاك بن مزاحم، وحكاه قتادة ومحمد بن إسحاق، والصحيح أنه غيره كما تقدم.
والله أعلم.
مختارات

