فقه النبوة والرسالة (٦)
٨وقد نادى الله جميع الأنبياء والرسل بأسمائهم، ونادى محمداً - صلى الله عليه وسلم - بوصف النبوة والرسالة.
فنادى آدم - صلى الله عليه وسلم - بقوله سبحانه: {وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)} [البقرة: ٣٥].
ونادى إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - بقوله سبحانه: {وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥)} [الصافات: ١٠٤،١٠٥].
ونادى موسى - صلى الله عليه وسلم - بقوله سبحانه: {يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١)} [القصص: ٣١].
ونادى عيسى - صلى الله عليه وسلم - بقوله سبحانه: {إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)} [آل عمران: ٥٥].
أما محمد - صلى الله عليه وسلم - سيد الأولين والآخرين، وأفضل الأنبياء والمرسلين فقد ناداه ربه بوصف النبوة والرسالة؛ تذكيراً له بعظمة الوظيفة التي أرسل بها.
فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)} [المائدة: ٦٧].
وقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)} [الأحزاب: ٤٥،٤٦].
وقد خير الله رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - بين أن يكون عبداً رسولاً أو ملكاً رسولاً، فاختار العبودية على الملك؛ لأنها أقرب إلى التواضع والافتقار، ولأنه إذا كان عبداً كان افتخاره بمولاه ومالكه، ويعظمه ويحمده ويثني عليه، ويتشرف بذكر أسمائه وصفاته، وآلائه ونعمه وإحسانه، وإذا كان ملكاً كان افتخاره بملكه وعبيده وأمواله.
فالعبودية لله أعظم صفة شرف له ولأتباعه، وليس عند العبد شغل أو عمل إلا امتثال أوامر سيده، وطاعته في جميع الأحوال.
ولذا قال الله عنه في مقام الوحي: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)} [النجم: ١٠].
وفي مقام الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)} [الإسراء: ١].
وفي مقام التنزيل: {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)} [الفرقان: ١].
وجميع الأنبياء والرسل أرسلهم الله عزَّ وجلَّ بثلاثة أشياء، وهي:
الدعوة إلى الله.
وبيان الطريق الموصل إليه.
وبيان حال المدعوين بعد قدومهم عليه.
فهذه القواعد الثلاث ضرورية في كل أمة، على لسان كل رسول.
فعرَّف الرسل ربهم عزَّ وجلَّ بأسمائه وصفاته وأفعاله تعريفاً مفصلاً حتى كأن العباد يشاهدونه سبحانه، ويرونه يأمر وينهى، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، ويفعل ما يشاء.
وعرَّفوا الخلق بالطريق الموصل إلى ربهم، وهو صراطه المستقيم الذي نصبه لرسله وأتباعهم، وهو امتثال أمره، واجتناب نهيه، والإيمان بوعده ووعيده، وعرَّفوهم بما لهم بعد الوصول إليه، وهو ما تضمنه اليوم الآخر من الجنة والنار، وما قبل ذلك من الحساب، والميزان، والحوض، والصراط.
فقعد شياطين الإنس والجن على رأس القاعدة الأولى، فحالوا بين القلوب وبين معرفة ربها، وسموا إثبات صفاته وعلوه فوق خلقه واستواءه على عرشه تشبيهاً وتجسيماً، فنفروا عنه من انخدع بمكرهم وكيدهم.
وترتب على ذلك الإعراض عن الله، وعن معرفة أسمائه وصفاته، والإعراض عن ذكره ومحبته، والثناء عليه بأوصاف كماله، وانصرفت قوى حبها وشوقها وأنسها إلى سواه.
وجاء أهل الآراء الفاسدة، والأذواق المنحرفة، والعوائد الجاهلية، فقعدوا على رأس الطريق الموصل إلى الله، وحالوا بين القلوب وبين الوصول إلى نبيها، وما كان عليه هو وأصحابه، وعابوا من خالفهم في قعودهم عن ذلك، ورغب عما اختاروه لأنفسهم، فتركوا الإيمان والأعمال الصالحة، واشتغلوا بالأموال والأشياء، ورغبوا بالدنيا عن الدين، والعادات والتقاليد عن العبادات والسنن.
وجاء أصحاب الشهوات فقعدوا على رأس طريق المعاد، والاستعداد للجنة ولقاء الله، وعمروا الدنيا، واتبعوا الشهوات، وقالوا لا نبيع حاضراً بغائب، وقالوا للناس خلوا لنا الدنيا، ونحن قد خلينا لكم الآخرة.
فالإيمان بالله ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله وشهود القلب لذلك هو مبدأ الطريق ووسطه وغايته، وهو روح السالكين، والحادي بهم إلى الوصول، ومحرك عزماتهم إذا فتروا، ومثير هممهم إذا قصروا، فإن سيرهم إنما هو على الشواهد.
فمن لا شاهد له فلا سير له ولا طلب، وأعظم الشواهد صفات محبوبهم ونهاية مطلوبهم، وذلك هو العلم الذي رفع لهم في السير فشمروا إليه.
ولا يزال العبد في التواني والفتور والكسل حتى يرفع الله عزَّ وجلَّ له بفضله ومنِّه علماً يشاهده بقلبه فيشمر إليه، ويعمل عليه.
فسبحان من حال بين أعدائه وبين محبته ومعرفته، والسرور والفرح به، ورؤيته، والتمتع بخطابه في محل كرامته، ودار ثوا به، فلو رآها أهلاً لذلك لمنَّ عليها به، وأكرمها به، والله أعلم حيث يجعل كرامته، ويضع نعمته.
وقد شاء الله عزَّ وجلَّ برحمته وحكمته أن لا يأخذ الناس بعهد الفطرة، وهي معرفة ربهم، وأن لا يأخذهم بالآيات الكونية التي تدل على عظمة الله واستحقاقه الحمد، بل مع ذلك أرسل الرسل، وأنزل الكتب؛ إقامة للحجة، وإبلاغاً لدين الله سبحانه.
وأرسل الله الرسل لكل قوم، وفي كل أرض، فحيثما وجد الناس كانت رحمة الله معهم، وكان رسول الله بينهم: {وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)} [فاطر: ٢٤].
ثم بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)} [الأنبياء: ١٠٧].
فعموم العالمين حصل لهم النفع برسالته:
أما أتباعه فنالوا بها كرامة الدنيا والآخرة.
وأما أعداؤه المحاربون له فالدين عجل قتلهم، وموتهم خير لهم من حياتهم، فقد كتب عليهم الشقاء، فتعجيل موتهم خير من طول أعمارهم في الكفر.
وأما المعاهدون له فعاشوا في الدنيا تحت ظله وعهده، وهم أقل شراً بذلك العهد من المحاربين له، وأما المنافقون فحصل لهم بإظهار الإسلام حقن دمائهم، وحفظ أموالهم، وجريان أحكام الإسلام عليهم في التوارث وغيره، وأما الأمم النائية عنه، فإن الله سبحانه رفع برسالته العذاب العام عن أهل الأرض، فأصاب كل العالمين النفع برسالته، فصلوات الله وسلامه على من بعثه الله رحمة للعالمين، فهو رحمة لكل أحد، لكن المؤمنين قبلوا هذه الرحمة، وانتفعوا بها دنيا وأخرى، والكفار ردوها ولم يقبلوها، ولكن نالهم من بركتها ما هو رحمة لهم وإن لم يزيدوه: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا} [غافر: ٧].
مختارات

