فقه القرآن الكريم (٧)
وآيات القرآن نوعان:
آيات محكمات.
وآيات متشابهات.
فالآيات المحكمات: هي الواضحات الدلالة، ليس فيها شبهة ولا إشكال، وهي أم الكتاب وأصله الذي يرجع إليه كل متشابه، وهي معظمه وأكثره.
ومنه آيات متشابهات، يلتبس معناها على كثير من الأذهان، لكون دلالتها مجملة، أو يتبادر إلى الأفهام غير المراد منها.
فالواجب رد المتشابه إلى المحكم، والخفي إلى الجلي، وبهذا يزول الإشكال والتعارض.
وكل من المحكم والمتشابه من عند الله، وما كان من عند الله فليس فيه تعارض ولا تناقض، بل هو متفق يصدق بعضه بعضاً، ويشهد بعضه لبعض.
والواجب أن نعمل بمحكمه، ونؤمن بمتشابهه: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧)} [آل عمران: ٧].
وكل من المحكم والمتشابه ابتلاء للعقل، يفهم أشياء ويعمل بها، ولا يفهم أشياء فيجب أن يؤمن بها؛ لأن الله قالها، وعليه الانقياد والتسليم في الحالين.
والقرآن الكريم ذكر يذكر الله به عباده بما يصلحهم في الدنيا والآخرة، كما قال سبحانه: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)} [التكوير: ٢٧، ٢٨].
فالقرآن الكريم يذكرهم بالرب تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله.
ويذكرهم بحقوق الرب على عباده.
ويذكرهم بالمبدأ والمعاد.
ويذكرهم بالخير ليقصدوه.
وبالشر ليجتنبوه.
ويذكرهم بنفوسهم وما تكمل به.
ويذكرهم بالطاعات ليفعلوها.
ويذكرهم بالمعاصي والشرور ليحذروها.
ويذكرهم بعدوهم وكيف يحترزون منه؟.
ويذكرهم برحمة الله ليسألوه إياها.
ويذكرهم بشدة بطشه ليتقوا غضبه.
ويذكرهم بالنعم ليشكروها.
وبإكرامه لمن أطاعه.
وانتقامه ممن عصى أمره.
وكذب رسله.
وقد بين الله عزَّ وجلَّ في القرآن أصول الأخلاق التي تحقق السعادة في الدنيا والآخرة، وزين بها أفضل خلقه وأحسنهم وأجملهم محمداً - صلى الله عليه وسلم -، فكان أحسن الناس خَلْقاً وخُلُقاً؛ لأن خلقه القرآن، يتأدب بآدابه، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويعمل بأوامره، ويجتنب نواهيه، ويتخلق بأخلاقه.
وهذه الأخلاق التي وردت في القرآن:
منها ما يتعلق بالفرد والأسرة.
ومنها ما يتعلق بالمجتمع والشعب.
ومنها ما يتعلق بالحاكم والدولة، وهذه الأخلاق موجهة للبشرية قاطبة، لتأخذ بها وتتجمل بها، وتعمل بها، وتدعو إليها، فهي خير أمة أخرجت للناس، وهذه الأخلاق العالية هي التي تميزها عن الناس.
فقد أمر الله سبحانه الفرد بالتحكم في شهواته، وكظم غيظه، وأمر بالصدق والأمانة.
والحلم والعفو.
والرأفة والرحمة.
والعطف والحب.
والثبات والصبر.
والعدل والإحسان.
والتواضع والرفق.
والمبادرة إلى الصالحات.
والمنافسة في الخيرات، والإحسان وصلة الأرحام.
ونهى الإنسان عن رديء الأخلاق وسيئها:
فنهاه عن الكذب والنفاق.
والرياء والخداع.
والكبر والعجب.
والفخر والاختيال.
والحسد والحقد.
والحرص والطمع.
والتعلق بالدنيا.
وسوء الظن.
وتناقض الأعمال والأقوال.
والسب والاستهزاء.
والسخرية والتعيير.
والقتل بغير حق.
وأكل المحرمات.
وتناول الخبائث.
وظلم العباد.
ونهاه عن الغيبة والنميمة.
وعن الزنا.
وأكل الربا.
وشرب الخمر.
وكل فاحشة.
وكل إثم وبغي.
وكل كسب حرام.
إلخ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)} [النحل: ٩٠].
وفي مجال الأسرة أمر الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم بالإحسان إلى الوالدين وطاعتهما.
وبين واجبات وحقوق كل من الزوجين.
وبين واجب الوالدين نحو الأولاد.
وواجب الأولاد نحو الوالدين.
وبين المحرمات من النساء.
وكيفية الزواج وشروطه.
وحسن المعاشرة.
وأحكام النفقة.
وأحكام المواريث والوصايا.
وأحكام الطلاق.
وأحكام العدة.
وأصول التربية، وآداب الأكل والنوم والضيافة ونحو ذلك.
أما أصول أخلاق المجتمع، فقد قررها القرآن في أكمل صورة وأحسنها، فقد أمر باحترام الجار.
وإكرام الضيف.
وحسن المعاملات.
وصلة الأرحام.
وأداء الأمانة.
والوفاء بالعهد.
وإصلاح ذات البين.
والإحسان إلى الفقراء.
والرفق بالضعفاء.
والعفو عن المسيء.
والإعراض عن الجاهلين.
إلخ.
ونهى القرآن عن قتل النفس بغير حق، وعن الغدر والخداع، والكذب وشهادة الزور.
وكتمان الحق والجهر بالسوء.
ونهى قبل ذلك عن الشرك وعبادة الأصنام والأوثان والأشخاص.
وحرم السرقة والغش.
والنهب والاختلاس.
وأكل مال اليتيم.
وخيانة الأمانة.
والظلم والإيذاء.
والتواطؤ على الشر.
والنظر إلى عورات المسلمين.
وفتنة المؤمنين والمؤمنات.
والسب والقذف.
والصد عن سبيل الله.
إلخ.
وكانت حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - حافلة بالمواقف التي تدل على حسن الخلق، وحسن المعاملة مع الشعوب المسلمة وغير المسلمة في جميع جوانب الحياة؛ لتأليف قلوبهم، وجذبهم بتلك الأخلاق من الرحمة والعفو، والإحسان، والإكرام، والحلم والصبر للدخول في الإسلام، راغبين لا مكرهين.
أما ما يتعلق بالحاكم والدولة، فقد بين الله في القرآن واجبات الحاكم وحقوقه:
فأمر الله في كتابه الحاكم المسلم أن يجعل سياسته حسب مراد الله، ومن هنا كانت السياسة في الإسلام عبادة من العبادات، لها أوامر وسنن وأحكام وآداب.
فأمر الله الحاكم بالحكم بالحق والعدل.
ورغبه في العفو والإحسان.
وأمره بالصبر والرفق.
وإقامة الحدود.
والاهتمام بمصالح المسلمين.
وأداء الحقوق.
والاهتمام بالرعية والنصح لهم.
والعناية بتعليمهم.
وتفقد أحوالهم.
والإحسان إليهم وامتثال أوامر الله في كل حال.
والدعوة إلى الله.
والجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة الله.
والحكم بما أنزل الله.
ونهاه عن الدجل والنفاق.
والخداع والكذب.
والظلم والغش.
واتباع الهوى.
وأكل الأموال بالباطل.
والاستكبار في الأرض.
والحكم بغير ما أنزل الله.
واجتناب كل ما نهى الله عنه: {يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)} [ص: ٢٦].
فما أحسن هذا الكتاب، وما أعظم الرب الذي أنزله، وما أحسن الآداب والسنن والأحكام التي اشتمل عليها، وما أعظم الأخلاق العالية التي يدعو إليها: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)} [النحل: ٨٩].
وقد بين الله عزَّ وجلَّ في القرآن أصول دعوة الأنبياء بالتفصيل، وبين كيفية عرض الإسلام على الأفراد والأمم والحكام.
وعلى الأقوياء والضعفاء.
وعلى الأغنياء والفقراء وغيرهم.
فذكر قصص الأنبياء مع أممهم، وبين كيف نصر الله رسله وأتباعهم.
وكيف خذل ودمر من عاندهم وآذاهم.
سواء كان حاكماً كفرعون ونمرود.
أو فرداً كقارون.
أو شعباً.
أو قبيلة.
أو أمة.
أو عائلة.
أو قوماً كعاد وثمود وغيرهما.
والقرآن الكريم كما أنه كتاب توحيد وإيمان، كذلك هو كتاب شريعة، وكما أنه كتاب علم وحكمة، كذلك هو كتاب دعاء وعبودية، وكتاب أمر ودعوة، وكما أنه كتاب ذكر، كذلك هو كتاب فكر.
وميادين جهد المسلم على القرآن أربعة:
جهد على ألفاظ القرآن بحسن التلاوة.
وجهد على معانيه بالفكر والاعتبار، وجهد على العمل بالقرآن في جميع شعب الحياة.
وجهد على الدعوة إلى القرآن، وإبلاغه البشرية في أنحاء الأرض كما قال سبحانه: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
والناس في ذلك متفاوتون، وكل له من ذلك نصيب، وأكملهم أعرفهم بكتاب الله، الذي جمع الله فيه علم الأولين والآخرين: {فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)} [الجاثية: ٦].
فما أظلم المعرضين عنه، وما أشد عقوبتهم؟: {وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)} [الجاثية: ٧، ٨].
وأنت إذا لاحت لك الحقائق، وتبين النور من الظلام، فكن أسعد الناس بالهدى والنور، وإن جفا ذلك الأغمار، وسخر منه الفجار: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)}[الكهف: ٢٨].
والقرآن الكريم صفة لله غير مخلوق؛ لأنه كلامه، منه بدأ وإليه يعود.
تكلم به عزَّ وجلَّ، وسمعه جبريل من الله، وبلّغه جبريل إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، وبلّغه محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى أمته، وعلى أمته أن تبلغه للناس كافة إلى يوم القيامة.
وإذا قرأنا القرآن فالكلام كلام البارئ، والصوت صوت القارئ.
تارة يضيفه الله إلى الرسول الملكي جبريل إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء كما قال سبحانه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)} [التكوير: ١٩، ٢٠].
وتارة يضيفه الله إلى الرسول البشري محمد - صلى الله عليه وسلم - إضافة تبليغ لا إضافة إنشاء؛ لأنه هو الذي بلّغه إلى أمته كما قال سبحانه: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)} [الحاقة: ٤٠، ٤١].
وتارة يضيفه الله إلى نفسه؛ لأنه هو الذي تكلم به كما قال سبحانه: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (٦)} [التوبة: ٦].
والقرآن العظيم فيه تبيان كل شيء، وهو هدى ورحمة، ونور وشفاء.
مختارات

