فقه القرآن الكريم (٦)
لقد جاء كتاب الله الكريم بمنهاج شامل للحياة كلها، وجاء في الوقت ذاته بمنهاج للتربية يوافق الفطرة البشرية عن علم بها من خالقها، فجاء لذلك منجَّماً وفق الحاجات والاستعدادات التي تستجد وتنمو يوماً بعد يوم.
جاء ليكون كتاب عمل، وليكون منهج تربية، ومنهج حياة، لا ليكون كتاب ثقافة يُقرأ لمجرد اللذة، أو لمجرد المعرفة.
جاء لينفذ حرفاً حرفاً، وكلمة كلمة، وآية آية، وسورة سورة.
جاء لتكون آياته هي الأوامر اليومية التي يتلقاها المسلمون في حينها، ليعملوا بها فور تلقيها في جميع شئون حياتهم.
ولقد حقق القرآن بمنهجه ذاك الجمال والجلال، والعظمة والهيبة في حياة الأمة التي تلقته بالقبول والعمل.
فلما غفل المسلمون عن هذا المنهج، وزحزحوا عنه، وزهدوا بما فيه من البركات والثمرات، وقعوا على جيفة الدنيا، وموائد الشيطان، واتخذوا القرآن كتاب متاع للثقافة، وكتاب تعبد للتلاوة فحسب، وأحياناً تفتتح الجلسات والحفلات بآيات منه، ولم يتخذوه منهج تربية للانطباع والتكيف، ولا منهج حياة للعمل والتنفيذ، فلم ينتفعوا من القرآن بشيء، وحرموا بركته؛ لأنهم خرجوا عن منهجه الذي رسمه العليم الخبير.
فيا ويح هذه الأمة ماذا خسرت، وماذا فقدت حين أعرضت عن مصدر هدايتها وعزتها؟.
إن الله تبارك وتعالى كما أنزل من السماء ماء طهوراً، يغسل وجه الأرض بالماء الطهور، الذي ينشئ الحياة في الموات، ويسقي الأناسي والأنعام، كذلك هو سبحانه أنزل القرآن لتطهير القلوب والأرواح وإحيائها: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)} [الفرقان: ٤٨ - ٥٠].
فوا عجباً لهؤلاء البشر، كيف يستبشرون بالماء المحيي للأجسام، ولا يستبشرون بالقرآن المحيي للقلوب؟.
إن مهمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - مهمة شاقة ضخمة، فهو يواجه البشرية كلها، وأكثرها أضله الهوى، وأبى إلا الكفر، ودلائل الإيمان حاضرة أمامه.
والله قادر على أن يبعث في كل قرية نذيراً، فتوزع المهمة، وتخف الشقة، ولكن الله اختار لها عبداً واحداً هو خاتم الرسل.
وكلفه إنذار القرى جميعاً، لتتوحد الرسالة الأخيرة، فلا تتفرق على ألسنة الرسل في القرى المتفرقة، وأعطاه القرآن أعظم الكتب وآخرها، ليجاهدهم به، ويحكمه في حياتهم.
ففيه من القوة والسلطان والتأثير العميق والجاذبية التي لا تقاوم ما كان يهز القلوب هزاً، يجاهدهم بقوة لا يقف لها كيان البشر، ولا يثبت لها جدال أو محال: {وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)} [الفرقان: ٥١، ٥٢].
والله عزَّ وجلَّ قادر على أن يلوي أعناق الكفار إلى الإيمان كرهاً بآية قاهرة، تقسرهم عليه قسراً: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)} [الشعراء: ٤].
لكنه سبحانه لم يشأ أن يجعل مع هذه الرسالة الأخيرة آية قاهرة يراها جيل من الناس، بل جعل آيتها دائمة يراها كل البشر، وهي القرآن الكريم، الذي هو منهج حياة كاملة، ومعجز في كل ناحية.
ذلك أن هذه الرسالة الأخيرة مفتوحة للأمم كلها، وللأجيال كلها، وليست مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان.
فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة لكل أمة في مشارق الأرض ومغاربها، ومعروضة على كل جيل من أجيال البشرية إلى يوم القيامة: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)} [العنكبوت: ٥١].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنَ الأنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْياً أوْحَاهُ الله إِلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» متفق عليه (١).
فالمعجزات القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها، ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى لا واقعاً يُشهد ويُرى.
فأما القرآن فهو كتاب مفتوح، ومنهج مرسوم، يستمد منه أهل كل زمان ما يقوم حياتهم، ويلبي حاجاتهم كاملة، ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل، وأفق أعلى، ويعطي لكل طالب بقدر حاجته.
فكيف يليق بالإنسان أن يعرض عن هذا القرآن العظيم؟.
وكيف يجهل عظيم رحمة الله بتنزيل هذا الذكر الحكيم؟.
ألا ما أحوج البشرية إلى كتاب يهديها إلى ربها، وينظم حركة حياتها.
فإذا جاء من ربها ورفضته، وحرمت نفسها منه، وهي أحوج ما تكون إليه، فهذا فعل مستقبح كريه، وأهله جديرون بالعقاب والعذاب، وسيعاقبهم الله؟.
فما أعجب هؤلاء البشر: {وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦)} [الشعراء: ٥، ٦].
إنهم يطلبون آية خارقة، ويغفلون عن آيات الله الباهرة: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)} [الشعراء: ٧، ٨].
وفي آيات الكون غنى ووفرة وكفاية، ولكن رحمة الله تقتضي أن يبعث الرسل، وينزل الكتب، للتبصير والتنوير، والتبشير والإنذار: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)} [الحج: ٦٥].
والله سبحانه أنزل الكتاب بالحق، وهو الحق الذي يدعو إلى الحق: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (٣١)} [فاطر: ٣١].
ودلائل الحق في القرآن جلية واضحة، وهو مصدق لما قبله من الكتب السابقة الصادرة من مصدره كالتوراة والإنجيل.
هذا هو الكتاب في ذاته، وقد أورثه الله لهذه الأمة المسلمة، واصطفاها لهذه الوراثة، وأكرمها بذلك، ثم أكرمها بفضله في الجزاء حتى لمن أساء كما قال سبحانه: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)} [فاطر: ٣٢].
فالفريق الأول: هو الأكثر عدداً ظالم لنفسه، تربو سيئاته على حسناته.
والثاني: وسط مقتصد، حسناته تعادل سيئاته.
والثالث: سابق بالخيرات بإذن الله، تربو حسناته على سيئاته.
ولكن فضل الله شمل الثلاثة جميعاً.
فكلهم جميعاً انتهى إلى الجنة وإلى النعيم، على تفاوت في الدرجات، ذلك هو الفضل الكبير.
وفي الجانب الآخر الكفار، حيث العذاب والقلق والاضطراب: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)} [فاطر: ٣٦].
إنهما صورتان متقابلتان:
صورة الأمن والراحة.
تقابلها صورة القلق والاضطراب.
ونعمة الشكر والدعاء.
تقابلها ضجة الصراخ والنداء.
ومظهر العناية والتكريم.
يقابله مظهر النسيان والتأنيب.
والكتاب الذي أنزله الله: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)} [يس: ٦٩].
فهو ذكر وقرآن، وهما صفتان لشيء واحد.
ذكرٌ بحسب وظيفته، وقرآنٌ بحسب تلاوته، فهو ذكر لله يشتغل به القلب، وهو قرآن يتلى ويشتغل به اللسان.
وهو منزل ليؤدي وظيفة محددة: {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)} [يس: ٧٠].
ينذر من به حياة فيجدي فيهم الإنذار، فأما الكافرون فهم موتى لا يسمعون النذير، ولو سمعوا ما استجابوا.
ووظيفة القرآن بالنسبة إليهم هي تسجيل الاستحقاق للعذاب، فإن الله لا يعذب أحداً حتى تبلغه الرسالة، ثم يكفر عن بينة، ويهلك بلا حجة ولا معذرة.
والقرآن الكريم كلام الله عزَّ وجلَّ، جعله عربياً حين اختار العرب لحمل هذه الرسالة، ولما يعلمه من صلاحية هذه الأمة، وهذا اللسان لحمل هذه الرسالة ونقلها للعالمين.
ولهذا القرآن عند الله مكانة عظيمة، فهو كتاب الله للبشرية إلى أن تقوم الساعة: {إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)} [الزخرف: ٣، ٤].
فهل يشعر القوم الذين جعل الله القرآن بلسانهم بقيمة الهبة الضخمة التي وهبها الله إياهم؟.
وهل يتذكرون قيمة النعمة التي أنعم الله بها عليهم؟.
وقد كان عجيباً وما يزال، أن يعنى الله في عظمته وعلوه وغناه بهذا الفريق من البشر، فينزل لهم كتاباً بلسانهم، يحدثهم بما في نفوسهم، ويصلح أحوالهم، ويبين لهم طريق الهدى.
ثم هم بعد ذلك يهملون ويعرضون، ولكن الله رحيم لم يعاجلهم بالعقوبة وهم مستحقون للإهمال والإعراض: {أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)} [الزخرف: ٥].
والقرآن العظيم كله محكم، مشتمل على غاية الإتقان والإحكام، والعدل والإحسان كما قال سبحانه: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)} [هود: ١].
وكل القرآن متشابه في الحسن والبلاغة، وتصديق بعضه لبعض كما قال سبحانه: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)} [الزمر: ٢٣].
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٤٩٨١)، واللفظ له، ومسلم برقم (١٥٢).
مختارات

