فقه القرآن الكريم (٨)
وعمل القلب عند تلاوة القرآن:
أن يستحضر عظمة المتكلم به وهو الله تبارك وتعالى.
ويفهم عظمة كلامه سبحانه.
ويحضر قلبه ويترك حديث النفس عند تلاوته.
ويتدبر ما يقرأ وهو أمر وراء حضور القلب.
ويفهم من كل آية ما تحمله من أحكام.
ويتخلى عن موانع الفهم.
وأن يقدر أنه المقصود بكل خطاب في القرآن.
فإن سمع أمراً أو نهياً قدر أنه المأمور والمنهي، وإن سمع وعداً أو وعيداً فمثل ذلك.
وإن سمع قصص الأنبياء علم أنه المقصود ليعتبر ويتأثر قلبه بآثار مختلفة حسب الآيات، فيكون له بحسب كل فهم حال من الخوف والرجاء والحزن ونحو ذلك.
ويترقى ويحضر قلبه، وكأنه يقرؤه على الله عزَّ وجلَّ، واقفاً بين يديه، وهو ناظر إليه يستمع منه.
فيكون حاله السؤال والتملق، والتضرع والابتهال، ويشهد بقلبه كأن الله عزَّ وجلَّ يراه ويخاطبه بألطافه، ويناجيه بإنعامه وإحسانه، فمقامه هنا:
الحياء والتعظيم.
والإصغاء والفهم.
والحمد والشكر.
متفكراً في عظمة ربه، وفي آلائه وإحسانه، وفي خلقه وأمره.
يتبرأ من حوله وقوته، ولا يزكي نفسه، فإذا تلا آيات الوعد والمدح للصالحين، فلا يشهد نفسه عند ذلك.
بل يشهد الموقنين الصادقين فيها، ويتشوف إلى أن يلحقه الله بهم.
وإن تلا آيات الوعيد والمقت للعصاة وذم المقصرين، شهد نفسه هناك، وقدر أنه المخاطب خوفاً وإشفاقاً، وسأل الله أن يرحمه ويعفو عنه، فالناس رجلان: تائب وظالم: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)} [الحجرات: ١١].
وقد وصف الله القرآن الكريم بأربع صفات كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٥٧)} [يونس: ٥٧].
وقد أنزل الله عزَّ وجلَّ القرآن على محمد - صلى الله عليه وسلم -، فعالج به القلوب المريضة بالشرك والكبر والظلم.
فوحدت ربها.
وآمنت به.
وخضعت له.
واستقامت على دينه.
والطبيب إذا وصل إليه المريض فله معه أربع مراتب:
الأولى: أن ينهاه عن تناول ما يضره، ويأمره بالاحتراز من الأشياء التي بسببها وقع في ذلك المرض، وهذا هو الموعظة.
الثانية: أن يأمره بتناول الأغذية النافعة، بعد أن يسقيه أدوية تزيل عن باطنه تلك الأخلاط الفاسدة، وهكذا الأنبياء يأمرون الناس بالأخلاق الحميدة بعد زوال الأخلاق الذميمة، وهذا هو الشفاء.
الثالثة: حصول الشفاء بعد تناول الغذاء وزوال الأخلاط، وكذا حصول الهدى، لا يمكن إلا بعد حصول النور في القلب، فإذا جاء نور الإيمان، جاء الهدى ونور القرآن، وإذا جاء الهدى ولى الضلال.
الرابعة: الرحمة، وبالرحمة يكون العلاج، ولولا رحمة الله ما قام في الدنيا والآخرة شيء.
فالنفس الزكية البالغة درجات الكمال تفيض أنوارها على أرواح الناقصين، وخص المؤمنين؛ لأن أرواح الكفار والمعاندين لا تستضيء بأنوار أرواح الأنبياء، كما أن الجسم القابل للنور هو الجسم المقابل لقرص الشمس.
وكلام الله عزَّ وجلَّ كله عظيم، وبعضه أفضل من بعض، وذلك أن الكلام له نسبتان:
نسبة إلى المتكلم به وهو الله.
ونسبة إلى المتكلَّم فيه.
فهو يتفاضل باعتبار النسبتين، وباعتبار نفسه أيضاً.
فـ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)} [الإخلاص: ١].
و: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)} [المسد: ١].
كلاهما كلام الله، وهما مشتركان في هذه الجهة.
لكنهما يتفاضلان من جهة المتكلَّم فيه، فهذا كلام الله وخبره عن نفسه عزَّ وجلَّ، والثاني كلام الله الذي تكلم به عن بعض خلقه.
وكلام الأنبياء والعلماء والخطباء، بعضه أفضل من بعض، وإن كان المتكلم واحداً، وتفاضل الكلام من جهة المتكلم فيه سواء كان خبراً أو إنشاءً أمر معلوم.
فليس الخبر عن الله وأسمائه وصفاته والثناء عليه كالخبر المتضمن لذكر أبي لهب وفرعون وإبليس، وإن كان كل الكلام عظيماً تكلم به الله.
وكذلك الأمر بالتوحيد والإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ونحو ذلك ليس كالأمر بلعق الأصابع وإماطة الأذى عن الطريق ونحو ذلك، وإن كانت كل الأوامر الشرعية عظيمة أمر الله بها.
والقرآن الكريم أنزله الله هدى للناس: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)} [البقرة: ٢٦].
فمن سمعه وأطاع الله أفلح، ومن سمعه وعصى الله شقي، والله أعلم بمن يصلح لدار كرامته، ومن يصلح لدار إهانته.
فالقرآن الكريم سمعه أبو بكر - رضي الله عنه - فصار صدّيقاً.
وسمعه مسيلمة فصار كذَّاباً.
وسمعه عمر - رضي الله عنه - فصار فاروق هذه الأمة.
وسمعه أبو جهل فصار فرعون هذه الأمة.
وسمعه أبو عبيدة - رضي الله عنه - فصار أمين هذه الأمة.
وسمعه سعد بن معاذ فصار من المهتدين، واهتز لموته عرش الرحمن، وسمعه عبد الله بن أبي فصار أكبر المنافقين.
والله أعلم حيث يجعل رسالته، وهو أعلم بمن يصلح لولايته.
والمعول والمقصود: سمعنا وأطعنا، ليس سمعنا وعصينا، ولا سمعنا فقط: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦)} [التغابن: ١٦].
وكما أن رؤية الأشياء تتم بأمرين: سلامة البصر، ووجود النور الخارجي، فكذلك الاستفادة من الدين تتم بأمرين:
نور الإيمان.
ونور القرآن.
فقارئ القرآن بلا إيمان لا يستفيد منه، والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن لا يستفيد، فلا بدَّ من نور الإيمان ونور القرآن لتحصل الهداية والسلامة وقد سمى الله القرآن روحاً إشارة إلى أنه لا حياة للناس إلا بالقرآن.
وسماه نوراً إشارة إلى أنه لا نور في الدنيا والآخرة إلا بالقرآن: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)} [الشورى: ٥٢].
وحقيقة الإيمان: هو التصديق التام بما أخبرت به الرسل، المتضمن لانقياد الجوارح.
وليس الشأن في الإيمان بالأشياء المشاهدة بالحس، فإنه لا يتميز بها المؤمن من الكافر، إنما الشأن في الإيمان بالغيب، الذي لم نره ولم نشاهده، وإنما نؤمن به لخبر الله وخبر رسوله عنه.
فهذا الإيمان الذي يتميز به المسلم عن الكافر؛ لأنه تصديق مجرد لله ورسوله: {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)} [البقرة: ٢، ٣].
وآيات القرآن الكريم تبصر العبد بحدود الحلال والحرام، وتهديه في ظلم الآراء إلى سواء السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل.
وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل، وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق، وتناديه كلما فترت عزماته ليلحق بالركب الكريم.
وتحثه على التزود لمعاده، وتحذره وتخوفه من العذاب الأليم، وتوقفه على ما أعد الله لأوليائه من دار النعيم المطلق، وما أعد لأعدائه من دار العقاب الوبيل.
والقرآن كلام الله عزَّ وجلَّ:
وقد وصف الله كلامه بأنه مجيد، وهو أحق بالمجد من كل كلام، كما أن المتكلم به له المجد كله، فهو سبحانه المجيد، وكلامه مجيد، وعرشه مجيد.
ووصفه بأنه عظيم، وهو أحق بالتعظيم من كل كلام، والمتكلم به هو العظيم الذي له العظمة كلها.
ووصفه بأنه كريم، وهو أحق بالكرم من كل كلام، والمتكلم به هو الكريم الذي لا أكرم منه، وكثرة خير القرآن لا يعلمها إلا من تكلم به: {إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)} [الواقعة: ٧٧، ٧٨].
وقد حفظ الله كتابه، فالشياطين لا يمكنهم التنزل به؛ لأن محله محفوظ أن يصلوا إليه، وهو في نفسه محفوظ أن يقدر الشيطان على الزيادة فيه، والنقصان منه كما قال سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)} [الحجر: ٩].
فالله تبارك وتعالى حفظ كتابه.
وحفظ محله.
وحفظه من الزيادة والنقصان.
وحفظه من التبديل والتغيير.
وحفظ ألفاظه من التبديل.
وحفظ معانيه من التحريف.
وأقام له من يحفظ حروفه من الزيادة والنقصان.
ويحفظ معانيه من التحريف والتغيير: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)} [فصلت: ٤١، ٤٢].
وكتب الله عزَّ وجلَّ فيها الهدى والنور، والموعظة والبيان والشفاء، والمتقون هم الذين يجدون في كتب الله الهدى والنور والموعظة، وهم الذين تنفتح قلوبهم لما في هذه الكتب من الهدى والنور والموعظة.
أما القلوب القاسية القاسية الغليظة الصلدة، فلا تبلغ إليها الموعظة، ولا تذوق حلاوتها، ولا تسمع لتوجيهاتها، ولا تنتفع من هذا الهدى، ومن هذا النور، بهداية ولا معرفة، ولا تقبل ولا تستجيب.
إن النور موجود، ولكن لا تدركه إلا البصيرة المفتوحة.
وإن الهدى موجود، ولكن لا تدركه إلا الروح المستشرفة.
وإن الموعظة موجودة، ولكن لا يلتقطها إلا القلب الواعي.
وقد بين الله عزَّ وجلَّ في القرآن كل شيء في أصول الدين وفروعه، وفي أحكام الدنيا والآخرة، وكل ما يحتاج إليه العباد فهو مبين فيه أتم تبيين كما قال سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)} [النحل: ٨٩].
فلما كان القرآن الكريم تبياناً لكل شيء، صار حجة الله على العباد كلهم، فانقطعت به حجة الظالمين، وانتفع به المسلمون، فصار هدى لهم يهتدون به إلى أمر دينهم ودنياهم، ورحمة ينالون بها كل خير في الدنيا والآخرة: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٢٣)} [الزمر: ٢٣].
مختارات

