فقه النية (١)
قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)} [البينة: ٥].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللهِ وَرَسُولِه فَهجْرتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمنْ كانََتْ هجرتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أوْ إلَى امْرَأةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» متفق عليه (١).
النية: هي عزم القلب على شيء ما خيرًا كان أو شرًا، ومحلها القلب.
وتطلق شرعًا على الإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء وجه الله تعالى.
والنية شرط لقبول الأعمال، فكل عمل لا قيمة له عند الله إلا بنية.
والناس في نياتهم متفاوتون:
فمنهم من يكون عمله للطاعات، وتركه للمعاصي إجابة لباعث الخوف من الله عزَّ وجلَّ.
ومنهم من يكون عمله إجابة لباعث الرجاء من الله.
ومنهم من يكون عمله إجابة لباعث الخوف والرجاء معًا، وهذا أكمل، كما قال سبحانه: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)} [الزمر: ٩].
وثمة مقام أرفع من هذين: وهو أن يعمل الطاعة على نية جلال الله، لاستحقاقه الطاعة والعبودية، وهذه أعز النيات وأعلاها، وقليل من يفهمها فضلاً أن يتعاطاها: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)} [الأنعام: ١٠٢].
والنية: هي انبعاث النفس وميلها إلى ما ظهر لها أنه مصلحة لها في الحال أو في المآل.
وكل إنسان مسؤول عن نيته وعمله كما قال سبحانه: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)} [الإسراء: ٣٦].
والله عزَّ وجلَّ عليم بكل شيء، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو مطلع على نية الإنسان المضمرة في صدره، وسيحاسب كل امرئ بما نوى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)} [آل عمران: ٢٩].
والنية تنقسم إلى قسمين:
الأولى: نية العمل، بأن ينوي الوضوء أو الغسل أو الصلاة مثلاً.
الثانية: نية المعمول له، وهو الله عزَّ وجلَّ فينوي بالوضوء أو الغسل أو الصلاة أو غيرها التقرب إلى الله وحده.
والنيتان مطلوبتان في كل عمل، لكن الثانية أهم من الأولى.
والنية في العمل لها أربعة أحوال:
الأول: أن يكون أصل الباعث له على العمل طاعة الله عز وجل، دون حصول أي مصلحةٍ دنيويةٍ وراء تلك الطاعة، فهذا عمله مقبول، وهذه أعلى المراتب عند الله عزَّ وجلَّ.
الثاني: أن يقصد بالعمل الدنيا فقط، ولا ينوي شيئاً من الآخرة:
فهذا عمله مردود، وهذا صنيع أهل النفاق: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)} [النساء: ١٤٢].
الثالث: أن يستوي عنده قصد الدنيا، وقصد الآخرة، فلا اعتبار لهذا العمل عند الله.
قال الله تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)} [الكهف: ١١٠]
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أنَا أغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلا
أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَ» أخرجه مسلم (٢).
الرابع: أن يكون الباعث له على العمل هو نية الآخرة، ونية الدنيا حصلت تبعاً، فهذا لا يؤثر، وهو مأجور كما قال سبحانه: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨)} [البقرة: ١٩٨].
والأعمال الظاهرة لها ميزان.
والأعمال الباطنة لها ميزان.
فميزان الأعمال الباطنة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدُنْيَا يُصِيبُهَا أوْ إلَى امْرَأةٍ يتزوجها، فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ» متفق عليه (٣).
وميزان الأعمال الظاهرة قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أحْدَثَ فِي أمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدُّ» متفق عليه (٤).
فالأول يدل على وجوب الإخلاص، والثاني يدل على وجوب المتابعة، ولا يقبل الله العمل إلا إذا كان خالصًا لله، صوابًا على سنة رسول الله، موزونًا بما سبق كما قال سبحانه: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)} [الكهف: ١١٠].
ولما كانت الأعمال بالنيات، فعلينا أن نوسع النية، لنحصل على الأجور الكثيرة، فإن الله واسع عليم.
ففي العبادة: ننوي القيام بالفرائض والنوافل، والسنن والمستحبات، إلى قيام الساعة، ونقوم بما نستطيع حسب الطاقة.
وفي الدعوة: ننوي هداية العالم، والله عزَّ وجلَّ يعطينا الأجر على قدر النية، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كانت نيته هداية العالم، ودعوتهم إلى الله، ولكنه لم يخرج من الجزيرة العربية، ولكن الله كتب له أجر كل من دخل في الإسلام إلى يوم القيامة.
وفي العلم: ننوي طلب العلم إلى يوم القيامة، وننوي تعليم الأمة ما جاء عن الله ورسوله من السنن والأحكام والآداب ابتغاء وجه الله، والله يعطينا الأجر على قدر النية.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الله كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله عزَّ وجلَّ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» متفق عليه (٥).
وهكذا في باقي الأعمال، ننوي الاستعداد للقيام بأي عمل، فإذا قمنا به كان لنا الأجر بالعمل، والباقي بالنية.
فالنية أساس الأمر وعموده وأساسه، وأصله الذي يبنى عليه، فهي روح العمل وقائده وسائقه وحامله، والعمل تابع لها مبني عليها، يصح بصحتها ويفسد بفسادها.
وبحسب النية تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة.
فكم بين مريد بالفتوى مثلاً وجه الله ورضاه، والقرب منه وما عنده من الثواب، ومريد بها وجه المخلوق ورجاء منفعته، وما يناله منه خوفًا أو طمعًا، أو يطلب بها الرئاسة والشهرة.
فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة، أو يصليان الصلاة الواحدة، أو يؤديان الزكاة الواحدة، أو يقدمان النصيحة الواحدة، وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب.
هذا نيته أن تكون كلمة الله هي العليا، ودينه هو الظاهر، ورسوله هو المطاع، راغبًا في ثواب ربه، طالبًا مرضاته.
وذلك نيته أن يكون قوله هو المسموع، وهو المشار إليه، وجاهه هو القائم، سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما.
لكن من سنة الله سبحانه أن يلبس المخلص من المهابة والنور، والمحبة في قلوب الخلق، وإقبال قلوبهم إليه، ما هو بحسب إخلاص العبد ونيته ومعاملته لربه.
ويلبس المرائي اللابس ثوبي الزور، من المقت والمهانة والبغضاء ما هو اللائق به بحسب نيته.
والله عزَّ وجلَّ وضع الأقوال والأفعال بين عباده تعريفًا ودلالةً على ما في نفوسهم، فإذا أراد الإنسان من أخيه شيئًا عرف بمراده وما في نفسه بلفظه، ورتب سبحانه على تلك الإرادات والمقاصد أحكامها بواسطة الألفاظ.
ولم يرتب الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة قول أو فعل، ولا على مجرد ألفاظ المتكلم بها لم يرد معانيها، ولم يحط بها علمًا.
بل تجاوز للأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به.
وتجاوز لها عما تكلمت به أو عملته مخطئة أو ناسية أو مكرهة أو غير عالمة به، إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلمت به أو قاصدة إليه.
قال الله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: ٢٨٦].
ولما نزلت هذه الآية قال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» أخرجه مسلم (٦).
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الله تَجَاوَزَ عَنْ أمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَتَكَلَّمْ» متفق عليه (٧).
فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتب الحكم، وهذا من مقتضيات عدل الله وحكمته ورحمته، فإن خواطر القلوب، وإرادات النفوس، لا تدخل تحت الاختيار، فلو ترتبت عليها الأحكام، لكان في ذلك أعظم حرج ومشقة على الأمة، ورحمة الله تعالى وحكمته تأبى ذلك.
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (١)، واللفظ له، ومسلم برقم (١٩٠٧).
(٢) أخرجه مسلم برقم (٢٩٨٥).
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (١)، واللفظ له، ومسلم برقم (١٩٠٧).
(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢٦٩٧)، ومسلم برقم (١٧١٨) واللفظ له.
(٥) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٦٤٩١)، واللفظ له، ومسلم برقم (١٣١).
(٦) أخرجه مسلم برقم (١٢٦).
(٧) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٥٢٦٩) واللفظ له، ومسلم برقم (١٢٧).
مختارات

