وظيفة العقل البشري (٢)
إن الإيمان بالله هو كبرى المنن التي ينعم الله بها على عبد من عباده في الأرض كما قال سبحانه: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)} [الحجرات: ١٧].
إن إيمان العبد بالله يعرّفه بحقيقة الوجود حوله، وحقيقة الدور المقسوم له، وحقيقة الطاقة المهيأة له للقيام بهذا الدور.
ومن هذه المعرفة يستمد الطمأنينة والسكينة والارتياح لما يجري حوله.
ولما يقع له.
فهو يعرف من أين جاء؟.
ولماذا جاء؟.
وإلى أين يذهب؟.
وماذا هو واجد هناك؟.
وأنه موجود هنا لأمر.
وما يقع له مقدر لتمام هذا الأمر.
وأنه لم يخلق عبثًا.
ولن يترك سدى، ولن يمضي مفردًا.
ومن هذه المعرفة الإيمانية تختفي مشاعر القلق والشك والحيرة الناشئة عن عدم معرفة المنشأ والمصير، وعدم رؤية المطوي من الطريق.
إن المؤمن يعرف بقلب مطمئن، وروح مستبشرة أنه يلبس ثوب العمر بقدر الله الذي يصرف الوجود كله، تصريف الحكيم الخبير، وأن اليد التي خلقته وألبسته إياه أحكم منه وأرحم به، وأنه يلبسه لأداء دور معين، في هذا الكون الذي يتأثر بكل ما فيه، ويؤثر في كل ما فيه.
إن المؤمن يقطع الرحلة إلى الآخرة، ويؤدي الدور المطلوب منه في ثقة وطمأنينة ويقين.
إنه يقطع الرحلة، ويؤدي دوره في فرح وسرور، شاعرًا بجمال الهبة، وجلال العطية الكبرى.
هبة العمر الممنوح له من يد الكريم المنان الجميل اللطيف.
وهبة الدور الذي يؤديه مهما كان شاقًا.
لينتهي به إلى ربه الكريم والمقام الأمين.
إن الإيمان بالله قوة دافعة، وطاقة مجمعة، ما تكاد حقيقته تستقر في القلب حتى تتحرك لتعمل، ولتحقق ذاتها في الواقع، ولتوائم بين صورتها المضمرة وصورتها الظاهرة، كما أنها تستولي على مصادر الحركة كلها في الكائن البشري، وتدفعها في الطريق السوي.
ذلك سر قوة الإيمان في القلب، وسر قوة الإنسان بالإيمان، فبه صنع الخوارق التي غيرت وجه الحياة، وبه يندفع المرء إلى التضحية بالعمر الفاني المحدود في سبيل الحياة الكبرى التي لا تفنى، وبه يقف الفرد القليل الضئيل أمام قوى السلطان الغاشم، وقوى المال الفاتن، وقوى الحديد والنار، فإذا هي كلها تنهزم أمام العقيدة الدافعة في روح الفرد المؤمن المتصل بربه.
وما هو الفرد الفاني المحدود الذي هزم تلك القوى جميعًا، ولكنها قوة الله التي استمدت منها تلك الروح، والينبوع المتفجر الذي لا ينضب ولا ينحسر: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)} [الأنفال: ١٧].
إنها المنّة الكبرى على العباد، منة الإيمان التي لا يملكها ولا يهبها إلا الله وحده، لمن يعلم أنه مستحق لها، وأهل للقيام بشكرها.
وماذا فقد من وجد الأنس بالله بالإيمان الذي يصله بربه، وقطع رحلته على هذه الأرض في ظلال شريعة الله وهداها.
وماذا وجد من فقد ذلك، ولو تقلب في أعطاف النعيم، وتمتع وأكل كما تأكل الأنعام، والأنعام أهدى منه، لأنها تعرف بفطرتها الإيمان، وتهتدي به إلى بارئها الكريم: {أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)} [الفرقان: ٤٤].
والله تبارك وتعالى بالآيات الكونية، والآيات الشرعية، ينبه العقل الغافل، ويوقظه لمعرفة عظمة هذا الكون، وتناسقه وجماله، ومعرفة الخالق العظيم الذي أبدعه: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨)} [الرحمن: ٧، ٨].
فإلى جانب هذه العظمة في رفع هذه السماء الهائلة الواسعة، المملوءة بالمخلوقات التي تعبد ربها وتطيعه، وضع سبحانه الميزان، ميزان الحق وضعه ثابتًا راسخًا مستقرًا رحمة بالعباد.
وضعه منهج حياة لتقدير القيم، قيم الأشخاص والأحداث، كي لا يختل تقويمها، ولا يضطرب وزنها، ولا تتبع الجهل والغرض والهوى.
وضعه في الفطرة، ووضعه في هذا المنهج الإلهي الذي جاءت به الرسل، وتضمنه القرآن.
وضع الميزان لئلا تطغوا في الميزان فتغالوا وتفرطوا: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)} [الرحمن: ٩].
ومن ثم يستقر الوزن بالقسط بلا طغيان ولا خسران.
ومن ثم يرتبط الحق في الأرض وفي حياة البشر، ببناء الكون ونظامه، يرتبط بالسماء حيث يتنزل منها وحي الله ومنهجه، ومدلولها المنظور حيث تمثل ضخامة الكون وثباته بأمر الله وقدرته.
والله سبحانه وتعالى هو الذي يعطي عطاء الربوبية عطاءً متساويًا للجميع، فالشمس ترسل أشعتها للمؤمن والكافر على حد سواء، بدون جهد من الإنسان وكذلك الهواء.
والأرض تنفعل لكل من حرثها، ووضع البذرة فيها، ثم سقاها بالماء، سواء كان مؤمنًا أو كافرًا، وكذلك البحار والجبال والمعادن تنفعل لمن اجتهد عليها، هذا كله عطاء الرب لخلقه جميعًا.
ولا أحد يستطيع أن ينكر عطاء الربوبية، لأنه ظاهر، ولا يمكن لأحد أن يدعيه لنفسه من دون الله، فعطاء الربوبية لا يختلف عليه أحد، ولكن المسألة في العبادة، فعطاء الربوبية أمامنا واضحاً جلياً، ويجب أن يقودنا إلى العبودية لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.
والعقل مخلوق كغيره، وله طاقة محدودة كغيره، يدرك بعض الأشياء ويفهمها، ويخفى عليه أكثرها.
فالكون فيه الظاهر والباطن، والغيب والشهادة، والكبير والصغير.
والقرآن فيه محكم ومتشابه.
ولا يعلم ذلك كله إلا الله وحده، والعقل يدرك ما أذن الله له من ذلك بمعرفته، ويجهل أكثره.
والله وحده عالم الغيب والشهادة: {ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)} [السجدة: ٦].
والأعمال التي كلفنا الله بها قسمان:
أحدها: ما نعرف وجه الحكمة فيه على الجملة بعقولنا كالصلاة والزكاة والصوم ونحوها، فإن الصلاة تواضع محض، وتضرع للخالق.
والزكاة سعي في دفع حاجة الفقير، وتطهير للنفس من الشح.
والصوم تعويد على الصبر، وسعي في كسر الشهوة.
الثاني: ما لا نعرف وجه الحكمة فيه كبعض أفعال الحج.
فإننا لا نعرف بعقولنا وجه الحكمة في رمي الجمرات، وتقبيل الحجر الأسود، والسعي بين الصفا والمروة، والارتحال من منى إلى عرفات إلى المزدلفة.
لكن كما يحسن من الله أن يأمر عباده بالنوع الأول، يحسن منه كذلك أن يأمرهم بالنوع الثاني، لأن الطاعة في النوع الأول لا تدل على كمال الانقياد، لاحتمال أن المأمور إنما أتى به لما عرف وجه المصلحة فيه.
أما الطاعة في الوجه الثاني فإنها تدل على كمال الانقياد، ونهاية التسليم، لأنه لما لم يعرف وجه المصلحة البتة فيه، لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم لمن هو أعلم منه.
والعاقل يؤمن بهذا وهذا، وينقاد ويسلم لكل ما أمر الله به، وكل ما أخبر الله به: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)} [النساء: ٦٥].
وسمى العقل عقلاً، لأنه يعقل به صاحبه ما ينفعه من الخير، وينعقل به عما يضره، وذلك أن العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به من الخير، وأول تارك لما ينهى عنه من الشر.
فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله.
أو نهاه عن الشر فلم يتركه.
دل على عدم عقله وجهله، خاصة إذا كان عالمًا بذلك: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)} [البقرة: ٤٤].
فلا يجوز للإنسان إذا لم يقم بما أمره الله به أن يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فإن على كل إنسان واجبين:
أمر نفسه بالخير، ونهيها عن الشر.
وأمر غيره بالخير، ونهيه عن الشر.
فترك أحدهما لا يكون رخصة في ترك الآخر.
فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير.
وكذلك النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، لأن الأفعال تؤثر أكثر من الأقوال، ولأنه تناقض لا يحسن من العاقل، ولذلك قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)} [الصف: ٢، ٣].
والعاقل حقًا يعلم أن الله عزَّ وجلَّ لم يخلق هذا الكون عبثًا ولا سدى، ولا لغير فائدة، وإنما خلقه بالحق ليقوم أمره وشرعه، ولتتم نعمته على عباده، وليروا من حكمته وقهره وتدبيره، ما يدلهم على أنه وحده معبودهم ومحبوبهم وإلههم: {خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)} [العنكبوت: ٤٤].
وشر الدواب عند الله هم الكفار، لأن الله أعطاهم الأسماع والأبصار والعقول ليستعملوها في طاعة الله، فاستعملوها في معصيته، وكان يمكنهم أن يكونوا من خير البرية، فأبوا هذا الطريق، واختاروا لأنفسهم أن يكونوا من شر البرية: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)} [الأنفال: ٢٢، ٢٣].
فقامت عليهم الحجة بالسماع، وإنما لم يسمعهم الله السماع النافع، لأنه لم يعلم فيهم خيرًا يصلحون به لسماع آياته، ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون، فالله لا يمنع عباده الإيمان والخير إلا لمن يعلم أنه لا خير فيه، ولا يزكو لديه، ولا يثمر عنده.
والعقل ضد الجنون، فالمجنون لا تكليف عليه، لأنه فقد الآلة التي يستقبل بها الوحي، وينفذ الأمر، ويجتنب النهي، وهي العقل كما قال سبحانه: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)} [الرعد: ٤].
ومن لا عقل له، لا قيد له، ولا إناء معه، ولا فائدة له.
والعقل البشري ثلاثة أنواع:
الأول: عقل غريزي، ينتفع به الإنسان في أمور معاشه.
الثاني: عقل إيماني، مستفاد من مشكاة النبوة، وبه يستقبل الوحي، وعليه مدار سعادته في الدنيا والآخرة.
الثالث: عقل نفاقي شيطاني، يظن أربابه أنهم على شيء، وهذا العقل هو حظ أكثر الناس، وهو عين الهلاك.
فإن أربابه يرون أن العقل إرضاء الناس جميعهم، واستجلاب مودتهم، وعدم مخالفتهم في أغراضهم، ولو كان في معصية الله، وإطلاق شهواتهم كالحمر والبهائم.
فسبحان من بيده الداء والدواء، والعافية والبلاء، والرخص والغلاء، والضلال والهدى.
وسبحان من خلق آدم، وخلق من أجله الأشياء، وبث من نسله الرجال والنساء، فمنهم العالم الذاكر، ومنهم الجاهل الغافل.
وسبحان من قسم الخلائق سعيدًا وشقيًا، وقسم الأرزاق بينهم فترى فقيرًا وغنيًا، وقسم العقول فترى منهم ذكيًا وغبيًا.
وأنت أيها الإنسان.
وأنت أيها العاقل.
وأنت أيها الراحل.
يا من سلعه كلها معيب، أمامك يوم عصيب، يا مريضًا ما يعرف أوجاعه وأسقامه، يا غافلاً عن ما يراد منه، وعن ما يراد به، وعن ما أعد له.
يا من لا يردعه ما يسمعه، ولا يقنعه ما يجمعه متى تصحو؟.
ما من وهى شبابه، وامتلأ بالزلل كتابه متى تفيق؟.
يا من كلما زاد عمره زاد إثمه، يا معتقدًا صحته فيما هو سقمه متى تصحو؟.
فليطلب العاقل الناصح لنفسه الذروة العالية من الدين، كما يطلب أهل الدنيا الذروة العالية من الدنيا، وليشد ركائبه إلى جنة الرحمن، كما يشد الكفار ركائبهم إلى النار.
ولله در تلك القلوب الطاهرة التي رفضت حلية الدنيا وإن كانت فاخرة، كم تركت لله من شهوة وهي عليها قادرة، وباتت عيونها والناس نيام ساهرة، كم بينهم وبين بائع الآخرة؟.
مختارات

