فقه النية (٢)
والغلط والسهو والنسيان وسبق اللسان بما لا يريده العبد، أو التكلم به مكرهًا وغير عارف لمقتضاه من لوازم البشرية، لا يكاد الإنسان ينفك عن شيء منه، فلو رتب عليه الحكم لحرجت الأمة، وأصابها غاية التعب والمشقة، فرفع عنها المؤاخذة بذلك كله، حتى الخطأ في اللفظ من شدة الفرح والغضب والسكر، وكذلك الخطأ والنسيان، والإكراه والجهل بالمعنى، وسبق اللسان بما لم يرده، والتكلم في الإغلاق، ولغو اليمين.
فهذه عشرة أشياء لا يؤاخذ الله بها عبده بالتكلم في حال منها، لعدم قصده ونيته، وعقد قلبه الذي يؤاخذ به، فالأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى.
فالخطأ من شدة الفرح كما في حديث فرح الرب بتوبة عبده، وقول الرجل من شدة فرحه لما وجد راحلته: «اللَّهُمَّ! أنْتَ عَبْدِي وَأنَا رَبُّكَ أخْطَأ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» أخرجه مسلم (١).
وأما الخطأ من شدة الغضب فكما قال سبحانه: فلو أجاب الله دعاء من دعا على نفسه وولده حال الغضب، لأهلك الداعي من دعا عليه.
وأما الخطأ من السكر فكما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ} [النساء: ٤٣].
فلم يرتب على كلام السكران حكمًا حتى يعلم ما يقول.
وأما الخطأ والنسيان فقد قال سبحانه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: ٢٨٦].
فقال الله: «قَدْ فَعَلْتُ» أخرجه مسلم (٢).
وأما المكره فقد قال سبحانه: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)} [النحل: ١٠٦].
وأما اللغو فقد رفع الله المؤاخذة به حتى يحصل عقد القلب عليه كما قال سبحانه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} [المائدة: ٨٩].
وأما سبق اللسان بما لم يرده المتكلم فهو دائر بين الخطأ في اللفظ، والخطأ في القصد، فهو أولى أن لا يؤاخذ به من لغو اليمين.
وأما الإغلاق فكل من أغلق عليه باب قصده وعلمه كالمجنون والسكران، والمكره والغضبان، فقد تكلم في الإغلاق.
والله سبحانه رفع المؤاخذة عن المتكلم بكلمة الكفر مكرهًا، لما لم يقصد معناها ولا نواها.
فكذلك المتكلم بالطلاق والعتاق، والوقف واليمين والنذر مكرهًا، لا يلزمه شيء من ذلك لعدم نيته وقصده، وقد أتى باللفظ الصريح، فعلم أن اللفظ إنما يوجب معناه لقصد المتكلم به.
والله سبحانه رفع المؤاخذة عمن حدث نفسه بأمر بغير تلفظ أو عمل، كما رفعها عمن تلفظ باللفظ من غير قصد لمعناه ولا إرادة، ولهذا لا يكفر من جرى على لسانه لفظ الكفر سبقًا من غير قصد لفرح إو دهشة أو نحو ذلك.
ومن غصب مالاً وبنى به مسجدًا، أو حفر به بئرًا للناس والبهائم، فهذا النفع الحاصل للناس متولد من مال هذا، وعمل هذا، والغاصب وإن عوقب على ظلمه وتعديه، واقتص للمظلوم من حسناته، فما تولد من نفع الناس بعمله له، وغصب المال عليه.
وهو لو غصبه وفسق به لعوقب عقوبتين، عقوبة على الغصب، وعقوبة على الفسق به.
فإذا غصبه وتصدق به، أو بنى به مسجدًا، أو فك به أسيرًا، فإنه قد عمل خيرًا وشرًا: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)} [الزلزلة: ٧، ٨].
وأما ثواب صاحب المال المغصوب، فإنه وإن لم يقصد ذلك، فهو متولد من مال اكتسبه، فقد تولد من كسبه خير لم يقصده، فيشبه ما يحصل له من الخير بولده البار، وإن لم يقصد ذلك الخير.
وكذلك فإن أخذ ماله مصيبة، فإذا أنفق في خير، فقد تولد له من المصيبة خير، والمصائب إذا ولدت خيرًا، لم يعدم صاحبها منه ثوابًا.
والنية المجردة عن العمل يثاب عليها، والعمل المجرد عن النية لا يثاب عليه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ بِالْمَدِينَةِ لَرِجَالا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلا كَانُوا مَعَكُمْ، حَبَسَهُمُ الْمَرَضُ» أخرجه مسلم (٣).
والنيات محلها القلب، وإذا صح القلب صلحت النيات، وإذا فسد القلب فسدت النيات، وانعكست الآثار على الجوارح خيرًا أو شرًا.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ألا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ الْقَلْبُ» متفق عليه (٤).
والمحاسبة عند الله عزَّ وجلَّ على ما في القلب من النيات والأعمال التي تتبعها.
أما الأجساد والصور والألوان فليست محل محاسبة عند رب العالمين كما قال سبحانه: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)} [الحج: ٣٧].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ اللهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وأموالكم، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وأعماكم» أخرجه مسلم (٥).
ولا يقبل الله عزَّ وجلَّ من النيات والأعمال إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أنَا أغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلا أشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» أخرجه مسلم (٦).
وكل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه، وإذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» متفق عليه (٧).
ويؤجر المسلم على جميع الأقوال والأعمال الصالحة إذا كانت مقرونة بالنية الشرعية، وهي التقرب بذلك العمل إلى الله.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: «ولست تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إلا اُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى اللقمة تجعلها فِي فِي امْرَأتِكَ» متفق عليه (٨).
اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت.
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٤٧).
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٢٦).
(٣) أخرجه مسلم برقم (١٩١١).
(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٥٢)، ومسلم برقم (١٥٩٩).
(٥) أخرجه مسلم برقم (٢٥٦٤).
(٦) أخرجه مسلم برقم (٢٩٨٥).
(٧) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٣١)، ومسلم برقم (٢٨٨٨).
(٨) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٥٦)، ومسلم برقم (١٦٢٨).
مختارات

