فقه التكليف (٦)
إن الله تبارك وتعالى اصطفى آدم على مخلوقات الأرض.
واصطفى الأنبياء على البشر.
واصطفى المؤمنين على الكفار.
والله عزَّ وجلَّ يريد إقامة عالم رباني خالص، عالم محوره الإيمان بالله وحده، يشد المسلمين كلهم إلى هذا المحور، بعروة واحدة لا انفصام لها، ويبرئ نفوسهم من كل عصبية أخرى:
عصبية القوم.
أو الجنس.
أو الأرض.
أو العشيرة.
أو القرابة.
أو اللون.
أو اللسان.
ليجعل مكانها عقدة واحدة هي عقيدة الإيمان بالله، والوقوف تحت راية لا إله إلا الله مع حزب الله.
إن العالم الذي يريده الله عالم رباني، يستمد كل مقوماته من توجيه الله وحكمه، ويتجه إلى الله بكل شعوره وعمله، يشمل الجنس الإنساني كله، ويجمعه في رحاب العقيدة، في رحاب الإيمان، في رحاب الشريعة.
وتذوب فيه جميع فواصل الجنس والوطن واللغة والنسب، وسائر ما يميز إنسانًا عن إنسان عدا عقيدة الإيمان.
وهذا هو العالم الرفيع اللائق أن يعيش فيه الإنسان الكريم على الله.
ودون إقامة هذا المجتمع الفاضل المتميز تقف عقبات كثيرة منذ فجر الرسالة.
وما تزال في العالم كله إلى اليوم عقبات من التعصب للبيت، والتعصب للعشيرة، والتصعب للقوم، والتعصب للجنس، والتعصب للأرض.
كما تقف عقبات أخرى من رغائب النفوس، وأهواء القلوب من الحرص والشح، وحب الخير للذات، ومن الكبرياء الذاتية، والالتواءات النفسية، وغيرها مما تكنه الصدور، ويوغر القلوب.
والإسلام يعالج هذا كله في الجماعة التي يعدها لتحقيق منهج الله في الأرض في صورة عملية واقعة.
إنه يعالج مشكلة الأواصر القريبة، والعصبيات الصغيرة، وحرص النفوس على مألوفاتها الموروثة، ليخرج بها من هذا الضيق المحلي النفسي الحيواني، إلى الأفق العالمي الإنساني.
والله تبارك وتعالى يخلق لهذا الدين من يحمله، ويهتدي بهديه، ويعتز به، ويشعرهم أنهم رجاله وحزبه.
ومن ثم فهم يوسمون بسمته، ويحملون شارته، ويعرفون بهذه الشارة، وتلك السمة بين الأقوام جميعًا في الدنيا والآخرة: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (١٣٨)} [البقرة: ١٣٨].
والله عزَّ وجلَّ يشعر المؤمنين بأنهم منه وإليه، فهم رجاله المنتسبون إليه، الذين يحملون شارته في هذه الأرض، وهم أولياؤه وأحباؤه، يعاديهم من يعاديه، فلا يجوز أن يلقوا بالمودة إلى أعدائهم وأعدائه.
والله يدعوهم باسم الإيمان الذين ينسبهم إليه، يدعوهم ليحذرهم من حبائل أعدائهم، ويذكرهم بالمهمة الملقاة على عواتقهم: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: ١].
إن المؤمن يعمل ويرجو الآخرة، والوشيجة التي تربطه بغيره هي الدين،والأقارب والأرحام والأولاد إذا كانوا كفارًا، قد تجر القلوب جرًا إلى المودة، وتنسى تكاليف الدين، وتضطر المسلمين إلى مودة أعداء الله وأعدائهم وقاية لها.
فهذه المودة لا تنفع، لأن العروة التي تربط المسلم بغيره مقطوعة وهي الإيمان: {لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣)} [الممتحنة: ٣].
فإذا انتفى العداء والعدوان من الكفار، فهو البر لمن يستحق البر، وهو القسط في المعاملة والعدل ولو كانوا كفارًا، فعسى هذا البر يكون سببًا في إسلامهم، ويعود الجميع إخوة مؤتلفي القلوب: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)} [الممتحنة: ٧، ٨].
إن الإسلام دين سلام، ودين محبة وأمن ونظام يستهدف أن يظلل العالم كله بظله، ويصبغهم بصبغته، وأن يقيم فيهم منهجه، وأن يجمع الناس تحت لواء الإسلام إخوة متحابين.
ونهى الإسلام أشد النهي عن الولاء لمن قاتل المسلمين، وأخرجوهم من ديارهم، وحكم على المؤمنين الذين يتولونهم بأنهم ظالمون: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)} [الممتحنة: ٩].
إن القضية بين المؤمنين ومخالفيهم هي مسألة العقيدة وحدها، فليس بينهم وبين الناس ما يتخاصمون عليه ويتقاتلون إلا حرية الدعوة، وحرية العقيدة، وتحقيق منهج الله في الأرض، وإعلاء كلمة الله عز وجل.
فالعقيدة هي الراية الجامعة التي يقف تحتها المسلمون أين كانوا، ومن كانوا.
فمن وقف معهم تحتها فهو منهم.
ومن قاتلهم من أجلها فهو عدوهم.
ومن سالمهم فتركهم لعقيدتهم ودعوتهم، ولم يصد الناس عنها، ولم يحل بينهم وبين سماعها، ولم يفتن المؤمنين بها، فهو مسالم لا يمنع الإسلام من البر به والقسط معه.
ولكن أنى للكفار أن يسالموا أحدًا أو يرعوا عهدًا؟.
إن من البلاء العظيم أن العالم الطبيعي لا يخلص من الطبيعة إلى رب الطبيعة، وأن لا يرتقي الإنسان الحيواني إلى درجة كائن مفكر شاعر بوجوده وقيمته ورسالته.
ومن العجب كذلك أن يعلم الإنسان أنه جهاز له عمل وإنتاج، ولكن لا يدري من يدير هذا الجهاز، لأنه بدون أن يدار لا فائدة منه، والعاقل يعلم أن خالق هذا الكون هو الذي يدبره.
ألا ما أخطر العلم الذي يقبع في سجن المادية وجدرانها، ولا علاقة له بفاطر السموات والأرض، ولا صلة له بدينه وشرعه.
إن أرباب هذا العلم يعيشون في تخلف عقلي عن العلم، وفي تخلف روحي عن الدين، وفي تخلف إنساني عما يليق بالإنسان الذي كرمه الله وفضله على ما سواه.
إن هذا الإنسان عظيم، وخلق لأمر عظيم، وإن هذا الدين عظيم، وإن هذا القرآن عظيم، وإن شأن من عمل به لعظيم: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)} [الزخرف: ٤٤].
فهل يفقه البشر هذا؟.
وهل يفرغون من كل لغو، وينتهون إلى التسبيح باسم الرب العظيم؟.
{فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)} [فصلت: ٣٨].
إن الله سبحانه أكرم البشرية بالدين الذي ينظم حركة الحياة في الكون، فحركة الحياة ميدان كل إنسان سواء كان مؤمنًا أو كافرًا.
فكل أحد يريد أن يتحرك في الحياة ليحصل على رزقه وقوته، وما يحتاجه مما يعينه على أمور معاشه.
لذلك كان المؤمن متحركًا في الحياة.
والكافر متحركًا في الحياة.
فلا بدَّ من منهج يسير عليه البشر، ولا بدَّ أن يكون المنهج موحدًا، حتى لا يقع التصادم بين البشر، ويهلك الناس بعضهم بعضاً.
فأنزل الله الدين الكامل ينظم الحياة فقبله المؤمن، ورده الكافر.
فالمؤمن يتحرك في حياته وفقًا لمنهج الله المرسوم، فيسعد في الدنيا والآخرة بامتثال أوامر الله سبحانه، في علاقته مع ربه، وفي علاقته مع غيره من المخلوقات: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)} [فصلت: ٣٠].
وأما الكافر فيتحرك في الحياة وفق هواه وشهواته، لا يعرف حلالاً ولا حرامًا، ولا طيبًا ولا خبيثًا، يأخذ ما شاء، ويتمتع بما شاء ويفعل ما شاء، ولا تحكم حركته حدود ولا قيود: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)} [القصص: ٥٠].
وقد خلق الله السموات والأرض، والشمس والقمر، والجبال والبحار، والنبات والحيوان، ثم خلق آدم آخر المخلوقات.
فلما أعد الله السكن وهيأه سبحانه، خلق من يسكنه.
وكأن هذا الكون شجرة، والإنسان ثمرة لهذه الشجرة.
ثم إن الإنسان في هذه الحياة انخدع بهذه المخلوقات لحاجته إليها، فاشتغل بها وغفل عن الله الذي خلقها، ففسدت أحوال الإنسانية واضطربت أحوالها، فأرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، لهداية الناس ونجاتهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
وجهد الإنسان في هذه الحياة لا يخلو من شيئين:
أحدهما: جهد على الأموال والأشياء والشهوات، وهذا الجهد له أثره على القلب، يولد فيه الحرص والطمع، والجشع والحسد، والظلم والكذب،
ويجعل صاحبه لا يحب الله ولا رسوله ولا المؤمنين، ولا يرغب في الطاعات، ولا يحجز نفسه عن المحرمات.
وكلما كثرت الأموال والأشياء عنده زاد حبه لها، وتعلق قلبه بها، وزاد جهده وشقاؤه، ثم يزداد كبره وإعراضه عن الدين، حتى يكمل عذابه وشقاؤه بعد الموت في النار.
فما أخسر هؤلاء الناس، وإن نالوا شيئًا من النعيم الزائل في صورة عذاب: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (٥٥)} [التوبة: ٥٥].
الثاني: جهد على الإيمان والأعمال الصالحة، وهو جهد الأنبياء والصالحين، وهو جهد الدين.
وأثره على القلب أنه يولّد فيه محبة الله ورسوله والمؤمنين، وأعمال الدين، فيسعد القلب ويطمئن، ويزداد فرحه وسروره بربه.
وكلما اجتهد المسلم للدين أكثر زاد إيمانه، وارتفعت درجاته، وزادت سعادته في الدنيا ثم في القبر ثم في الحشر ثم تبلغ كمالها في الجنة دار النعيم والخلود.
وهذا الإنسان المؤمن يرجح بالسموات والأرض، لأنه حقق مراد الله عزَّ وجلَّ، وقدمه على شهواته ومحبوباته، والله سبحانه يكمل له شهواته ومحبوباته في الجنة كما أكمل محبوبات الله في الدنيا: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)} [السجدة: ١٧].
فعلى المسلم أن يأخذ من الدنيا فقط بقدر الضرورة، ويتفرغ لما خلق له من عبادة ربه، والدعوة إليه، والعمل بشرعه، والمسارعة إلى الخيرات.
اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
مختارات

