فقه التكليف (٥)
وعباد الرحمن لا تكفيهم تلك السمات والصفات، بل يرجون أن تعقبهم ذرية تسير على هديهم ونهجهم، وأن تكون لهم أزواج من نوعهم، فتقر بهم عيونهم، ويرجون أن يجعل الله منهم قدوة طيبة للذين يتقون الله ويخافونه: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)} [الفرقان: ٧٤].
ومن سمات عباد الرحمن: أنهم يوفون بعهد الله الذي عهده إليهم، والذي عاهدهم عليه، من القيام بحقوقه كاملة موفرة من الإيمان والتوحيد والأعمال الصالحة، ومن تمام الوفاء بها أنهم لا ينقضون الميثاق: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (٢٠)} [الرعد: ٢٠].
ومن سمات عباد الرحمن: أنهم يصلون ما أمر الله به أن يوصل من جميع أمور الدين، من الإيمان بالله ورسوله، ومحبته ومحبة رسوله، والانقياد لعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ودعوة الخلق إليه، وتعليمهم شرعه.
ويصلون آباءهم وأمهاتهم ببرهم بالقول والعمل، وعدم عقوقهم.
ويصلون الأقارب والأرحام بالإحسان إليهم قولاً وفعلاً.
ويصلون ما بينهم وبين الأزواج والأصحاب والمماليك بأداء حقهم كاملاً موفرًا.
ومن سماتهم: أنهم يخشون ربهم ويخافونه، فيمنعهم خوفهم منه، والقدوم عليه يوم الحساب، أن يتجرؤوا على معاصي الله، أو يقصروا في شيء مما أمر الله به، خوفًا من العقاب، ورجاءً للثواب: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (٢١)} [الرعد: ٢١].
ومن سماتهم الصبر على الإسلام الخالص، إسلام القلب والوجه لله، ومغالبة الهوى والشهوة، وأعسر الصبر ما كان على الهوى والشهوة، والالتواء والانحراف.
والصبر على السخرية والاستهزاء بهم، فصبروا على الإيمان، وثبتوا على العمل، فلم تزعزعهم عن ذلك شبهة ولا شك، ولا ثناهم عن الإيمان رياسة ولا شهوة ولا مال ولا ولد.
وصبرهم ابتغاء وجه ربهم فقط، طلبًا لمرضاة ربهم، ورجاء القرب منه، والحظوة بثوابه، وهذا الصبر من خصائص أهل الإيمان.
ومن سماتهم حسن علاقتهم بالخالق، ودوام ذكره وشكره والثناء عليه، ودوام ذلك بالصلاة التي يؤدونها كاملة بشروطها وأركانها.
ومن سماتهم حسن علاقتهم بالخلق، ومواساتهم بما يحتاجون إليه من المال وسائر المنافع، يفعلون ذلك سرًا لكمال إخلاصهم، وعلانية ليُقتدى بهم.
ومن صفاتهم: أنهم يدرؤون بالحسنة السيئة، وذلك أشد من مجرد الصبر على الإيذاء والسخرية، إنه الاستعلاء على كبرياء النفس، ورغبتها في دفع السخرية، ورد الأذى، والشفاء من الغيظ، بالصعود إلى أفق أعلى، ودرجة أسمى، درجة السماحة الراضية، التي ترد القبيح بالجميل، وتقابل الجاهل الساخر بالطمأنينة والهدوء، والرحمة والإحسان.
وذلك أفق من العظمة لا يبلغه إلا المؤمنون الصادقون.
فمن أساء إليهم بقول أو فعل لم يقابلوه بفعله، بل قابلوه بالإحسان إليه، فيعطون من حرمهم، ويصلون من قطعهم، ويعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم.
وإذا كانوا يقابلون المسيء بالإحسان، فما ظنك بما يقابلون به المحسن؟.
إن هؤلاء بصفاتهم العالية، رحمة تجري على وجه الأرض، وشمس تجري في جو السماء: {وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢)} [الرعد: ٢٢].
ومن سماتهم أنهم إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، واللغو فارغ الحديث الذي لا طائل تحته، ولا حاصل وراءه، وهو الهذيان الذي يقتل الوقت دون أن يضيف إلى القلب والعقل زادًا جديدًا، ولا معرفة مفيدة، وهو البذيء من القول الذي يفسد الحس واللسان، سواء وجه إلى مخاطب، أم حكي عن غائب.
فالقلوب المؤمنة لا تلغو ذلك اللغو، ولا تستمع إلى ذلك الهذر، ولا تعنى بهذا البذاء، فهي مشغولة بتكاليف الإيمان، مرتفعة بأشواقه، متطهرة بنوره.
ينزهون أنفسهم عن اللغو، ويصونونها عن الخوض فيه: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)} [القصص: ٥٥].
فأما جزاء الرحمن، تلك الخلاصة الصافية للبشرية، الذين هم لب العالم وصفوة بني آدم، أولو العقول الرزينة، والآراء الكاملة، والأخلاق العالية.
فما جزاء أولئك على صفاتهم وأخلاقهم وأعمالهم؟.
أولئك الكرام يُستقبلون في الجنة بالتحية والسلام، جزاء ما صبروا على تلك الصفات والسمات: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)} [الفرقان: ٧٥، ٧٦].
فلهم تحية وسلام من ربهم، ومن ملائكته الكرام، ومن بعضهم لبعض، وهم سالمون من جميع المكروهات والمنغصات.
أولئك الكرام لهم عقبى الدار، جنات عدن يقيمون فيها إقامة دائمة، ولا يبغون عنها حولاً، لأنهم لا يرون فوقها غاية، لما اشتملت عليه من النعيم الذي لا يزول، وليس فوقه نعيم.
ومن تمام نعيمهم وسرورهم وقرة أعينهم، أنهم يدخلون الجنة، ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.
والملائكة يسلمون عليهم، ويهنئونهم بالسلامة، وكرامة الله لهم، ويقولون لهم صبركم هو الذي أوصلكم إلى هذه المنازل العالية، والجنان الغالية والنعيمالأبدي.
فيا سعادة هؤلاء: {أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)} [الرعد: ٢٢ - ٢٤].
فحقيق بكل عبد نصح نفسه، وكان لها عنده قيمة، أن يجاهدها لعلها تأخذ من أوصاف أولي الألباب بنصيب، لعلها تحظى بهذه الدار، التي هي منية النفوس، وسرور الأرواح، الجامعة لجميع اللذات والأفراح.
ألا ما أعظم منة الله على عباده.
حيث بين لهم أوصاف من يحب.
ونعت لهم أوصافهم، ووصف هيئاتهم، وبين لهم همهم.
وأوضح أجورهم.
وكشف عن منازلهم في الجنة.
ليشتاقوا إلى الاتصاف بأوصافهم.
ويبذلوا جهدهم في الاقتداء بهم.
ويسألوا ربهم أن يهديهم كما هداهم.
ويتولاهم كما تولاهم.
فلله ما أعلى هذه الصفات، وما أرفع هذه الهمم، وما أزكى تلك النفوس، وما أطهر تلك القلوب.
ولله ما أصفى هؤلاء الأخيار الأبرار، وما أتقى هؤلاء السادة الأئمة.
ولله در هذه الأنفس ما أعزها، وهذه الأخلاق ما أحسنها، وهذه الهمم ما أرفعها.
ولله فضل الله عليهم ونعمته التي جللتهم، ورحمته التي وسعتهم، ولطفه الذي أوصلهم إلى هذه المنازل العالية: {فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)} [الزمر: ١٧، ١٨].
وما قيمة البشرية كلها لولا القلة المؤمنة التي تدعو الله، وتتضرع إليه، وتوقره وتحبه، وتعبده وتطيعه؟.
وما هذه الأرض الواسعة التي تضم البشر جميعًا؟.
إن هي إلا ذرة صغيرة في فضاء الكون الهائل، والبشرية كلها إن هي إلا نوع واحد من أنواع الأحياء الكثيرة على وجه هذه الأرض، والأمة واحدة من أممهذه الأرض، والجيل الواحد من أمة إن هو إلا صفحة من كتاب ضخم، لا يعلم عدد صفحاته إلا الله العليم الخبير.
وما قيمة الإنسان بلا إيمان؟.
إنه لقي ضائع لا يعبأ الله به، لو وضع نوعه كله في الميزان، ما رجحت به كفة الميزان: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)} [الفرقان: ٧٧].
والفقراء هم السابقون إلى الرسل والرسالات، وإلى الإيمان والاستسلام، الذين لا يصدهم عن الهدى كبرياء فارغة، ولا خوف على مصلحة، أو وضع اجتماعي، أو مكانة أو رياسة، ومن ثم فهم الملبون السابقون.
ومن بيوت الفقراء نبت العلماء والفقهاء، والحكماء والقادة، وهم الصف الأول في إجابة الرسل والإيمان بهم: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)} [الحشر: ٨].
فأما الملأ الكبراء، فتقعد بهم كبرياؤهم، وتقعد بهم مصالحهم القائمة على الأوضاع المزيفة، والقائمة على احتقار من دونهم، ومن ثم يأنفون أن يسويهم التوحيد الخالص بعامة الناس، حيث تسقط القيم الزائفة كلها، وترتفع قيمة واحدة، قيمة الإيمان والعمل الصالح.
ترفع قومًا.
وتضع آخرين.
تعز قومًا.
وتذل آخرين.
وهذا ما يصد كثيرًا من الكبراء عن الإيمان كما قال الكفار لنوح - صلى الله عليه وسلم -: {قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)} [الشعراء: ١١١ - ١١٥].
وقالوا لصالح - صلى الله عليه وسلم -: {وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (٢٧)} [هود: ٢٧].
فما أجهل هؤلاء بربهم.
وما أضلهم عن معرفة سنة الله في خلقه.
إن الفقر والغنى من سنة الله في عباده، فالفقر له أوامر وله أهل، والغنى له أوامر وله أهل، والله يعلم من يصلح لهذا، ومن يصلح لهذا، ولكل منهما عبودية، فعبودية الفقر الصبر، وعبودية الغنى الشكر.
أما الإيمان فهو حق للجميع، وواجب على الجميع، وحاجة الجميع، يحتاجه الغني كما يحتاجه الفقير، ويجب على الغني كما يجب على الفقير، ويستطيعه الفقير كما يستطيعه الغني: {أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤)} [النساء: ٥٣، ٥٤].
فما أسمج هؤلاء، وما أسخف عقولهم، وما أقل فقههم.
{فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)} [الجاثية: ٦].
مختارات

