أدوية أمراض القلوب (٥)
والذين غرهم الشيطان منهم فرق كثيرة:
فمنهم من غروره في الصلاة.
ومنهم من غروره في تلاوة القرآن.
ومنهم من غروره في الحج أو الصيام أو الأذكار.
ومنهم من غروره في الوضوء.
ومنهم من غروره في الزهد.
وكل عامل غالبًا لا يخلو من غرور إلا من رحم الله.
فمنهم فرقة أهملوا الفرائض، واشتغلوا بالنوافل والفضائل، وربما تعمقوا فيالفضائل حتى وصلوا إلى حد العدوان والسرف، كمن غلبه الوسواس في الوضوء والغسل.
وفرقة أخرى غلب عليها الوسواس في الصلاة، فلا يدعه الشيطان يعقد نية صحيحة، بل يشوش عليه حتى تفوته الجماعة أو الركعة، ويخرج الصلاة عن وقتها، وإن كبَّر شككه الشيطان في صحة نيته.
ومنه من تغلب عليه الوسوسة في إخراج حروف الفاتحة وسائر الأذكار من مخارجها، فلا يزال يحتاط ويردد التشديدات لا يهمه غيره، ذاهلاً عن معاني الآيات، والاتعاظ بها وفهمها، وهذا من أقبح أنواع الغرور، فإن الله لم يكلف عباده في تلاوة القرآن إلا بما جرت به عادتهم في الكلام.
وطائفة اغتروا بتلاوة القرآن يهذونه هذًا، وربما ختموه في اليوم والليلة مرتين، يتلوه هذا المغرور، وقلبه في أودية الأماني يتجول، فهو مغرور يظن أن المقصود من إنزال القرآن الهمهمة مع الغفلة عن تدبره والعمل بموجبه.
وفرقة أخرى اغتروا بالصوم، وربما صاموا الدهر، أو صاموا الأيام الشريفة، لكن صام الظاهر منهم دون الباطن.
فأطلقوا ألسنتهم في كل شيء من الهذيان والغيبة، وملؤوا بطونهم بالحرام عند الإفطار، وقعدوا عن الدعوة إلى الحق، ونشر الهداية.
وكذلك الحج غرهم الشيطان فحجوا بزادٍ حرام، وعليهم من المظالم والديون ما عليهم، وأشغلهم بالرفث والفسوق والخصام.
وفرقة أخرى أخذت في طريق الحسبة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ينكرون على الناس ما ظهر من المعاصي، وينسون ما في بواطن أنفسهم من المنكرات التي تأكل ما جمعوه من الحسنات.
وفرقة زهدت في المال، وقنعت من اللباس والطعام بالدون، ومن المساكن بالمساجد، وظنت أنها أدركت رتبة الزهاد، وهم مع ذلك راغبون في الرياسة والجاه، إما بالعلم، وإما بالوعظ أو بمجرد الزهد.
وهكذا في كل عمل للشيطان منه نصيب.
ومنهم فرقة غرهم الشيطان، وجعل لهم زيًا وهيئة ومنطقًا وحركات ومراسم، واختار لهم أدعية باطلة، وحالات مشينة كالتماوت والسماع والتنفس إلى غير ذلك من الشمائل والهيئات المشينة التي غرهم بها الشيطان.
وفرقة منهم ادعت علم المعرفة ومشاهدة الحق، ومجاوزة المقامات والأحوال، والملازمة في عين الشهود والكشف والوجد، وغيرها من الطامات والهذيان والبهتان، حتى ظن بعضهم أن ما هم عليه من الباطل أعلى من علم الأولين والآخرين، وينظر هؤلاء إلى الفقهاء والعلماء والمحدثين والمفسرين بعين الازدراء، فضلاً عن العوام، فكم يفرح الشيطان بمثل هؤلاء؟.
وفرقة أخرى وقعت في الإباحة، وطووا بساط الشرع، ورفضوا الأحكام، وسووا بين الحلال والحرام.
فبعضهم يزعم أن الله مستغنٍ عن عمله فلِمَ يتعب نفسه؟.
وقال بعضهم: كلف العباد ما لا يطيقون من تطهير القلوب من الشهوات وحب الدنيا وذلك محال.
فلله كم أضل الشيطان من البشر بمثل هذه الخواطر والأفكار؟.
الصنف الثالث: أرباب الأموال.
والمغترون منهم فرق:
ففرقة منهم يحرصون على بناء المساجد والمدارس والقناطر، وما يظهر للناس، ويكتبون أسماءهم عليها، ليتخلد ذكرهم ويدعى لهم، ويظنون أنهم يغفر لهم بذلك، وهم مغرورون حيث بنوها من أموال محرمة، فهم قد تعرضوا لسخط الله في كسبها، وتعرضوا لسخطه في إنفاقها، وكتابة الأسماء تنافي الإخلاص، والله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا صوابًا، والله أعلم بما في صدور العالمين.
وربما اكتسبت هذه الفرقة المال من الحلال، وأنفقت على المساجد، وهي أيضًا مغرورة إما بالرياء، وحب الثناء، أو بالإسراف الذي زينه الشيطان بزخرفة المساجد ونقشها، والتي تشغل المصلين، وتخطف أبصارهم.
والمقصود من الصلاة الخشوع، وحضور القلب، وهذه الزخرفة تشغلهم عن ذلك، وتحبط ثواب أعمالهم.
ووبال ذلك كله يرجع إليه، وهو مع ذلك يغتر به، ويرى أنه من الخيرات.
وطائفة أخرى من الأغنياء ينفقون الأموال في الصدقات على الفقراء والمساكين، ويطلبون بذلك المحافل الجامعة، ويرون إخفاء الفقير لما يأخذ منهم جناية عليهم، وكفرانًا لإحسانهم إليه.
ويكرهون التصدق في السر طلبًا لمحمدة الناس، وعلو الجاه عندهم.
وفرقة أخرى من الأغنياء اشتغلوا بحفظ، الأموال وإمساكها بحكم البخل، ثم هم يشتغلون بالعبادات البدنية التي لا يحتاج فيها إلى النفقة كصيام النهار، وقيام الليل، وختم القرآن ونحو ذلك.
وهم مغرورون بذلك، لأن البخل المهلك قد استولى على قلوبهم.
وفرقة أخرى غلبهم البخل، فلا تسمح نفوسهم إلا بأداء الزكاة فقط، ثم إنهم يخرجون من المال الخبيث الرديء الذي يرغبون عنه، ويطلبون من الفقراء من يخدمهم، ويتردد في حاجاتهم، وكل ذلك من مفسدات النية، ومحبطات الأعمال.
وفرقة أخرى من أرباب الأموال والفقراء وعوام الخلق اغتروا بحضور مجالس الذكر، واعتقدوا أن ذلك يغنيهم ويكفيهم، واتخذوا ذلك عادة، ويظنون أن لهم على مجرد سماع الوعظ دون الاتعاظ أجرًا، وهم مغرورون، لأن فضل مجالس الذكر لكونها مرغبة في الخير، فإن لم يهيج المجلس الرغبة في العمل فلا خير فيه.
فهذه وسائل الشيطان ومداخله إلى القلب وهي كثيرة، فليس في الإنسان صفة مذمومة إلا وهي سلاح للشيطان، ومدخل من مداخله، ومطيَة من مطاياه.
وعلاجها على وجه العموم بثلاثة أمور:
الأول: اللجوء إلى الله بالدعاء وسؤاله إبعاد الشيطان عنه.
قال الله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)} [فصلت: ٣٦].
الثاني: العناية في إزالة هذه الصفات المذمومة من القلوب، وقلعها منها، فإن الشيطان مثل الكلب في التسلط على الإنسان، فإذا كان الإنسان متصفًا بهذه الصفات الذميمة من الغضب والحسد والحرص ونحوها، كان بمنزلة من يكون بين يديه خبز ولحم، فإن الكلب لا محالة يتهور عليه ويتوثب، ويشق دفعه.
وإن لم يكن متصفًا بها لم يطمع فيه، لأنه لا داعي له هناك، ويكون دفعه أسهل ما يكون.
وتزال تلك الصفات بضدها.
فيزال الغضب بالرضا.
ويزال الكبر بالتواضع.
ويزال الطمع بالورع.
ويزال الحسد بمعرفة أن النعم فضل الله يؤتيه من يشاء.
وهو أعلم بمن يصلح لها.
ويزال البخل بالإنفاق.
وهكذا.
الثالث: ذكر الله تعالى والفكر، فكلما ألم بقلوبهم شيء من تلك الصفات المذمومة ذكروا الله وتفكروا في حقه، وفيما أمر به، وفيما نهى عنه، فعند ذلك تحصل لهم البصيرة كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)} [الأعراف: ٢٠١].
والغين على القلب ألطف شيء وأرقه.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأسْتَغْفِرُ اللهَ، فِي الْيَوْمِ، مِائَةَ مَرَّةٍ» أخرجه مسلم (١).
والران من أغلظ الحجب على القلب وأكثفها، فإذا كثرت الذنوب والمعاصي عند العبد، وتوالى الذنب بعد الذنب، أحاطت تلك الذنوب والمعاصي بالقلب
وتغشته، فيموت القلب إذا غمرته تلك الأعمال الخبيثة.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللهُ {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)} [المطففين: ١٤]» أخرجه الترمذي وابن ماجه (٢).
فالذنب بعد الذنب يغطي القلب حتى يصير كالران عليه كما قال سبحانه: {كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)} [المطففين: ١٤].
فالغين ألطف شيء وأرقه.
والران أن يسود القلب من الذنوب.
والطبع أن يطبع على القلب، وهو أشد من الران.
والأقفال أشد من الطبع.
وهي أن يقفل على القلب فلا يصل إليه شيء كما قال سبحانه: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)} [محمد: ٢٤].
وجميع أمراض القلوب إنما تنشأ من جانب النفس، ومن جانب الشيطان، ولكل منهما على القلب آثار وأضرار.
ولكل منهما علامات، ولكل منهما دواء.
ولا تزكو القلوب إلا بثلاثة أمور:
تزكية القلوب بالتوحيد والإيمان.
والتزكية بفعل الواجبات وترك المحرمات.
والتزكية بفعل النوافل المشروعة.
فإذا زكت القلوب ذكرت ربها في كل حين، وعبدته بكل جارحة، وأطاعته في كل أمر، وتخلقت بأحسن الأخلاق، مع الله بالإيمان وأحسن الأعمال، ومع الخلق بأحسن المعاملات والمعاشرات: {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨)} [فاطر: ١٨].
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٠٢).
(٢) حسن صحيح: أخرجه الترمذي برقم (٣٣٣٤)، وقال حسن صحيح، وهذا لفظه.
وأخرجه ابن ماجه برقم (٤٢٤٤)، صحيح سنن ابن ماجه رقم (٣٤٢٢).
مختارات

