فقه حمل الأمانة (١)
قال الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)} [الأحزاب: ٧٢].
وقال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)} [الأنفال: ٢٧].
إن السموات والأرض والجبال، من المخلوقات العظيمة التي يبدو الإنسان أمامها شيئاً صغيراً ضئيلاً، هذه الخلائق تعرف بارئها بلا محاولة، وتهتدي إلى من يحكمها ويدبرها، وتطيع أمر الخالق طاعة مباشرة بلا تدبر ولا واسطة.
وتجري في تنفيذ أوامر خالقها دائبة منقادة.
فهذه الشمس تدور في فلكها، وترسل أشعتها، وتجري لمستقر لها، وتؤدي وظيفتها التي قدر الله لها بلا إرادة منها.
وهذا القمر، وهذه النجوم والكواكب، وهذه الرياح والسحب، وهذا الهواء، كلها تمضي لشأنها بإذن ربها، وتعرف بارئها، وتخضع لمشيئته بلا جهد منها، ولا كد ولا محاولة.
وهذه السماء المرفوعة بما فيها من العجائب والمخلوقات الهائلة.
وهذه الأرض بما فيها من الآيات والعبر، تخرج زرعها، وتقوت أبناءها، وتواري موتاها، وتفجر ينابيعها، وفق سنة الله بلا إرادة منها.
وهذا الماء الجاري.
وهذه النباتات المختلفة.
وهذه الأشجار المثمرة.
وهذه الجبال العالية.
وهذه البحار الواسعة.
وهذه السهول.
وهذه الوهاد.
وهذه البطاح.
كلها تؤدي دورها.
وتقوم بوظيفتها طائعة منقادة بإذن بارئها.
خاشعة لربها.
تنفذ أمره بلا إرادة منها.
هذه المخلوقات العظيمة في العالم العلوي، وفي العالم السفلي، كلها أشفقت من أمانة التبعة، أمانة الإرادة، أمانة المعرفة الذاتية، أمانة المحاولة الخاصة.
وحملها الإنسان الذي يعرف الله بإدراكه وشعوره، ويهتدي إلى بارئه بتدبره وبصره، ويطيع الله بإرادته وحمله لنفسه، ومقاومة انحرافاته ونزغاته، ومجاهدة ميوله وشهواته كما قال سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)} [الأحزاب: ٧٢].
حقاً إنها أمانة عظيمة حملها هذا المخلوق الصغير الحجم، القليل القوة، الضعيف الحول، المحدود العمر، الظلوم الجهول، الكفور العجول، الذي تحيط به المغريات، وتناوشه الشهوات، وتستبد به النزغات والميول والأطماع، وإنها لتبعة ثقيلة جسيمة.
وبسبب ظلمه لنفسه.
وجهله بطاقته.
زج نفسه لحملها.
وإنه لمقام عال كريم حين ينهض الإنسان بالتبعة، ويصل إلى معرفة بارئه، والاهتداء المباشر إلى ربه، والطاعة الكاملة لإرادة ربه، كالمخلوقات الأخرى، التي تعرف ربها مباشرة، وتهتدي مباشرة، وتطيع مباشرة، ولا يحول بينها وبين بارئها حائل، ولا تقعد بها المثبطات عن الانقياد والطاعة والأداء.
إن الإنسان حين يصل إلى هذه الدرجة، وهو واع مدرك مريد، فإنه يصل حقاً إلى مقام كريم، ومكان بين خلق الله فريد.
إن الإرادة، والإدراك، والمحاولة، وحمل التبعة، هي ميزة هذا الإنسان على كثير من خلق الله في السماء والأرض.
وهي مناط التكريم، الذي أعلنه الله في الملأ الأعلى، وهوأمر الملائكة بالسجود لآدم، وأكرم بذلك ذريته من بعده.
فليعرف الإنسان مناط تكريمه عند الله، ولينهض بالأمانة التي اختارها، والتي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان.
واختصاص الإنسان بحمل الأمانة، وأخذه على عاتقه أن يعرف بنفسه، ويهتدي بنفسه، ويعمل بنفسه، ويصل بنفسه.
هذا كان ليتحمل عاقبة اختياره.
وليكون جزاؤه على عمله.
وليحق العذاب على المنافقين والمنافقات.
والمشركين والمشركات.
وليمد الله يد العون للمؤمنين والمؤمنات.
فيتوب عليهم مما يقعون فيه تحت ضغط ما ركب فيهم من ضعف ونقص.
وما يقف في طريقهم من حواجز وموانع، وما يشدهم ويجذبهم من الشهوات والمغريات.
فذلك فضل الله وعونه.
وقد حمل الإنسان هذه الأمانة: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)} [الأحزاب: ٧٣].
والأمانات في الدين كثيرة، وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ بأداء جميع الأمانات كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: ٥٨].
والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى، الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان، والتي أبت السموات والأرض أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، وهي أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه.
فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة.
فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به، والاهتداء إليه، ومعرفته، وعبادته، وطاعته، وألزمه طاعة أمره بغير جهد منه.
والإنسان وحده هو الذي وكله الله إلى فطرته، وإلى عقله، وإلى معرفته وإلى إرادته، وإلى اتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله بعون من الله كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
وقد حمل الإنسان هذه الأمانة العظيمة، وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات، ومن هذه الأمانة تنبثق سائر الأمانات التي أمر الله أن تؤدى.
ومن هذه الأمانات أمانة الشهادة لهذا الدين.
الشهادة له في النفس أولاً بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له، ترجمة حية في شعورها وسلوكها، حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس، فيقولون: ما أحسن هذا الإيمان وأطيبه وأزكاه، وهو يصوغ أصحابه على الجمال والكمال، وحسن الأخلاق والآداب.
فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون فيدخلون فيه.
والشهادة له كذلك بدعوة الناس إليه، وبيان فضله وجماله، فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك، وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان، وهي إحدى الأمانات الكبرى: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض منهجاً للبشرية كلها، بكل ما يملكه الفرد.
وتملكه الأمة من وسائل، فإقرار منهج الله في حياة البشر هو كبرى الأمانات بعد الإيمان بالله، ولا يعفى من هذه الأمانة فرد ولا جماعة.
ومن الأمانات التي يجب أداؤها، أمانة التعامل مع الناس، ورد أماناتهم إليهم، وأمانة المعاملات والودائع، وأمانة النصيحة للراعي والرعية، وأمانة القيام على الأهل والأولاد، وأمانة المحافظة على العبادات وأدائها في وقتها بصفتها خالصة لله، وسائر ما ورد في الدين من أحكام وواجبات، وسنن وآداب.
فهذه من الأمانات التي يجب أن تؤدى كما أمر الله بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: ٥٨].
مختارات

