فقه العلم والعمل (٤)
والناس في العمل أربعة أقسام:
أحدها: أهل الإخلاص والمتابعة، فأعمالهم كلها خالصة لله على طريقة رسول الله، فهؤلاء خيار الخلق وهم بأشرف المنازل.
الثاني: من لا إخلاص له ولا متابعة، فأعمالهم ليست موافقة للشرع، ولا خالصة لله وحده، وذلك كأعمال المتزينين للخلق، المرائين لهم بما لم يشرعه الله ورسوله.
وهؤلاء هم شرار الخلق وأمقتهم إلى الله عزَّ وجلَّ.
الثالث: من هو مخلص في أعماله، لكن أعماله غير موافقة لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهم كل من عبد الله بغير أمره، كجهال العبّاد ممن يظن أن سماع المكاء والتصدية قربة، وأن مواصلة صوم النهار بالليل قربة، وأن الخلوة لمناجاة الله التي يترك بها الجمعة والجماعة قربة، ونحو ذلك مما لم يرد في الشرع، وكل ذلك مردود على صاحبه كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهِ أمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» أخرجه مسلم (١).
الرابع: من أعماله على طريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - لكنها لغير الله كطاعة المرائين، وكالرجل يقاتل شجاعةً أو حميةً أو رياء، أو يحج ليقال، أو يقرأ القرآن ليقال قارئ، أو يعلم ليقال عالم ونحو ذلك.
فهؤلاء أعمالهم ظاهرها أعمال صالحة مأمور بها، لكنها غير خالصة لله فلا تقبل، وقد سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة، فقال: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ أعْلَى فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» متفق عليه (٢).
فالمقبول من العمل مهما قلَّ أو كثر ما كان خالصاً لله، صواباً على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال سبحانه: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)} [الكهف: ١١٠].
والحجة إنما تقوم على العباد بشيئين هما:
التمكن من العلم بما أنزل الله.
والقدرة على العمل به.
فأما العاجز عن العلم كالمجنون، أو العاجز عن العمل كالخرف فلا أمر عليهما ولا نهي.
قال الله تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)} [الإسراء: ١٥].
فالمجنون لا يعقل العلم، والخرف لا يقدر على العمل، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
ومقاصد الإسلام تدور على أربعة أصول:
الأول: معرفة الله بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو التوحيد والإيمان.
الثاني: كيفية أداء العبادات، والمعاملات، والمعاشرات، والأخلاق التي يحبها الله ويرضاها، باتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في كل ما جاء عنه.
الثالث: الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليسعد كل فرد في العالم بهذا الدين.
الرابع: إيقاف المعتدي عند حده، وذلك بوضع الأحكام والعقوبات، التي تحفظ الأمن والأنفس والأعراض والأموال والدين، وهي الجهاد والحدود.
وآفات العمل ثلاث:
فكل عالم وكل عابد وكل عامل وكل داعٍ وكل مجاهد، إذا قام بالعمل، فإنه يعرض له في عمله ثلاث آفات هي:
رؤية العمل.
وطلب العوض عليه.
ورضاه به، وسكونه إليه.
فالذي يخلِّص العبد من رؤية عمله والإعجاب به مشاهدته لمنة الله عليه، وفضله وتوفيقه له، وأنه من الله وبه لا من العبد، كما قال سبحانه: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)} [الحجرات: ١٧].
وقال سبحانه: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)} [النور: ٢١].
فالسمع والبصر والعقل، والتقوى والتوفيق والهداية، والإعانة والقبول ونحوها، كلها عطاء من الله وفضله ونعمته.
والذي يخلِّص العبد من طلب العوض على العمل علمه بأنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده شيئاً لا عوضاً ولا أجرة؛ لأنه مملوك لسيده، فإن أعطاه سيده شيئاً من الأجر والثواب فهو إحسان وإنعام من سيده لا عوضاً عن العمل: {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤)} [مريم: ٩٣، ٩٤].
وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)} [غافر: ٦١].
والذي يخلِّصه من رضاه بعمله وسكونه إليه أمران:
الأول: مطالعة عيوبه، وتقصيره في عمله، وما فيه من حظ النفس والشيطان والرياء.
الثاني: علمه بما يستحقه الرب جل جلاله من حقوق العبودية وآدابها وشروطها، وأن العبد أضعف وأعجز وأقل من أن يوفيها حقها.
وتمام العمل يحصل بأمور أهمها:
الإيمان بالله.
ومعرفة الحق.
وإخلاص العمل لله.
وفعله على السنة.
وأكل الحلال.
وكف الأذى عن الناس.
وحسن الخلق.
وتعظيم الرب.
وتعظيم أمره.
ومحبة الرَّب.
ومحبة ما يحب.
وكمال الإنسان مداره على أصلين:
معرفة الحق من الباطل.
وإيثار الحق على الباطل بالعمل به، والدعوة إليه.
وتفاوت منازل الخلق عند الله في الدنيا والآخرة بحسب تفاوتهم في هذين الأمرين.
وقد انقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام:
الأول: من عرف الحق وآثره على الباطل بالعمل به والدعوة إليه، فهؤلاء أشرف الخلق وأكرمهم على الله تعالى.
الثاني: عكس هؤلاء، وهم من لا بصيرة له في الدين، ولا قوة له على تنفيذ الحق على نفسه ولا على غيره.
وهؤلاء أكثر الخلق، وأكثرهم شراً وبلاء، وهم الذين غرَّهم الشيطان فصاروا من جنده وحزبه.
الثالث: من له بصيرة في الهدى، ومعرفة به، ولكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه، ولا الدعوة إليه.
وهذا حال المؤمن الضعيف، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله منه.
الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة، ولكنه ضعيف البصيرة في الدين، لا يكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان.
وليس في هؤلاء من يصلح للإمامة في الدين ولا هو موضع لها سوى القسم الأول كما قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)} [السجدة: ٢٤].
وكلما كان علم العبد بربه أتم كانت محبته أكمل، وكمال العبد بحسب هاتين القوتين: العلم والحب، وأفضل العلم العلم بالله، وأعلى الحب الحب له، وأكمل اللذة بحسبهما، فاللذة تابعة للمحبة، والحب والشوق تابع لمعرفته سبحانه والعلم به.
والعلم شيء غالٍ لا يحصل لأي أحد، وحلية ثمينة لا تساق إلا لمن طلبها، وجاهد من أجلها، وكان صالحاً لها.
فلا ينال العلم مستحيي ولا مستكبر، هذا يمنعه حياؤه، وهذا يمنعه كبره.
(١) أخرجه مسلم برقم (١٧١٨).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢٨١٠)، ومسلم برقم (١٩٠٤)، واللفظ له.
مختارات

