الشهادة… وعي يتجدد وقوة تنهض
قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
الموت حقيقة مشتركة بين البشر جميعاً، لكن قيمة الإنسان تُقاس بكيفية رحيله وبالأثر الذي يتركه بعده.
فالموت في سبيل الله ليس نهاية فحسب، بل هو انتقال إلى حياةٍ أرفع، ورسالة تبقى حية في وجدان الأمة.
من هنا كان الشهيد أكبر من فردٍ يرحل؛ إنه رمزٌ يختصر معاني العزة والصمود، ويحوّل موته إلى طاقة فاعلة في المجتمع.
الشهداء عبر التاريخ لم يكونوا مجرد مقاتلين في ساحة المعركة، بل كانوا أيضاً محرّكات وعي.
فهم الذين يفضحون الظلم ويكسرون حاجز الخوف ويمنحون الأمة نموذجاً عملياً لما تعنيه التضحية.
وحين تُسفك دماؤهم، تتحول إلى خطابٍ بليغ يتجاوز الخطب والكتب، فيوقظ الضمائر ويعيد تشكيل أولويات الناس.
إن معركتنا ليست عسكرية فقط، بل إعلامية وفكرية أيضاً.
لذلك تأتي قيمة الشهادة مضاعفة: فهي ترد على دعاوى الأعداء، وتكشف زيف ادعاءاتهم بالحرية والإنسانية، وتفضح تواطؤ المنافقين والمتآمرين من أبناء الأمة الذين كانوا خنجراً مسموماً في خاصرة الأمة.
الشهيد بهذا المعنى لا يواجه رصاصة العدو فقط، بل يواجه منظومة كاملة من التضليل والتطبيع والانهزام.
ولعل أعظم ما تمنحه الشهادة للأمة هو إعادة الثقة بالذات.
فالأجيال الجديدة حين ترى من يضحّي بنفسه بثبات وإيمان، تدرك أن العدو ليس قدراً لا يُقاوَم، وأن الهزيمة ليست قدراً محتوماً.
وهنا تتحول الشهادة إلى وقودٍ لحركة التغيير والتحرر، كما تتحول دماء الشهداء إلى خريطة طريق ترسم للأمة معالم نهضتها القادمة.
إن الأمة التي تحيا بدماء شهدائها أمةٌ عصيّة على الموت، وإن الراية التي يحملها شهيد تسقط من يده لتلتقطها ألف يد.
وهكذا تتواصل المسيرة، جيلاً بعد جيل، حتى يتحقق وعد الله: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
مختارات

