فقه الإيمان بالقضاء والقدر (٥)
والقدر قدران:
أحدها: قدر مطلق مثبت، وهو ما في أم الكتاب، اللوح المحفوظ، الإمام المبين، فهذا لا يتبدل ولا يتغير، ولا يعلمه إلا الله وحده.
الثاني: قدر معلق أو مقيد، وهو ما في صحف الملائكة، فهذا الذي يقع فيه المحو والإثبات كما قال سبحانه: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)} [الرعد: ٣٩].
والقدر الذي هو علم الله ومشيئته وكلامه غير مخلوق.
أما المقدرات من الآجال والأرزاق والأعمال والأحوال فكلها مخلوقة.
وكذلك الشرع الذي هو أمر الله ونهيه غير مخلوق، لأنه كلامه.
وأما الأفعال المأمور بها والمنهي عنها فهي مخلوقة.
فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع صفاتهم وأفعالهم مخلوقة.
والعبد له في المقدور حالان:
حال قبل القدر.
وحال بعد القدر.
فعليه قبل المقدور أن يستعين بالله، ويتوكل عليه، ويدعوه.
فإذا وقع المقدور بغير فعله:
فإن كان نعمة شكر الله عليها، وإن كان مصيبة صبر عليها، وإن رضي بها وشكر الله عليها فهو الأفضل.
وإن وقع المقدور بفعله:
فإن كان نعمة حمد الله عليها، وإن كان ذنباً استغفر ربه منه.
وعلى العبد أن يفعل ما أمره الله به، فإذا انكشف ستر الغيب عن تدبير لله غير تدبيره فليتقبل قضاء الله بالرضا والطمأنينة والاستسلام، لأنه الأصل الذي كان مجهولاً له، فكشف عنه الستار: {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)} [البقرة: ٢٣٢].
وعلى العبد كذلك أن يستعين بالله في فعل ما أمره الله به، ويتوكل عليه ويدعوه، ويرغب إليه مفتقراً إليه في طلب الخير، وترك الشر، ينظر إلى القدر في المصائب لا في المعائب، فيصبر على المصائب، ويستغفر من المعائب.
وهذان الأصلان يحصل بهما راحة القلب وطمأنينته لكل ما قدر الله عزَّ وجلَّ.
وقد أمر الله عزَّ وجلَّ بالاستفادة بكلمات الله التامات كل من نزل منزلاً كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِذَا نَزَلَ أحَدُكُمْ مَنْزِلا فَلْيَقُلْ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فَإِنَّهُ لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ» أخرجه مسلم (١).
وكلمات الله التي يستعان بها نوعان:
كلمات كونية.
وكلمات شرعية.
والكلمات الكونية: هي التي كون الله بها الكائنات، لا يخرج عنها بر ولا فاجر، ولا أي مخلوق في الكون.
فما من ملك ولا سلطان، ولا مال ولا جمال، ولا علم ولا حال، ولا تحريك ولا تسكين، ولا تدبير ولا تصريف إلا هو واقع بمشيئة الله وقدرته، وكلماته التامات.
ولكن من ذلك ما هو محبوب لله مأمور به، ومنه ما هو مكروه لله منهي عنه: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)} [يس: ٨٢].
والطاعات والمعاصي كلها واقعة بقضاء الله وقدره، ومشيئته وإرادته.
لكنه سبحانه لم يأمر بالمعاصي والذنوب، ولا يرضاها ولا يحبها، بل يبغضها ويعاقب من فعلها وإن كان ذلك بإرادته وقدره.
فإن القدر كما جرى بالمعصية جرى كذلك بعقابها، كما يقدر على العبد أمراضاً تعقبه آلام.
فالمرض بقدره، والألم بقدره، فإذا قال العبد قد تقدمت الإرادة بالذنب فلا أعاقب، كان بمنزلة قول المريض، قد تقدمت الإرادة بالمرض، فلا أتألم ولا أعالج.
وهذا مع أنه جهل فإنه لا ينفع صاحبه، بل اعتلاله بالقدر، ذنب ثان يعاقب عليه؛ لأنه أذنب، وكذب على الله.
وإنما اعتل بالقدر إبليس، وأما أدم فتاب فتاب الله عليه.
فمن أراد الله سعادته ألهمه أن يقول كما قال آدم - صلى الله عليه وسلم -: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)} [الأعراف: ٢٣].
ومن أراد الله شقاوته اعتل بعلة إبليس أو نحوها فأبى واستكبر وكفر كما قال سبحانه: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)} [البقرة: ٣٤].
فالقدر نؤمن به ولا نحتج به.
ومن احتج بالقدر فحجته داحضة.
ومن اعتذر بالقدر فعذره غير مقبول.
ولو كان الاحتجاج بالقدر مقبولاً، لقبل من إبليس وغيره من العصاة.
ولو كان القدر حجة للعباد على أفعالهم، لم يعذب أحد من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة.
ولو كان القدر حجة لم تقطع يد سارق، ولا قتل قاتل، ولا حد شارب، ولا أقيم حد، ولا جاهد أحد في سبيل الله، ولا أمر بالمعروف أحد، ولا نهى عن المنكر أحد.
والله سبحانه علم الأمور وكتبها على ما هي عليه.
فهو جلَّ وعلا قد كتب أن فلاناً يؤمن ويعمل صالحاً فيدخل الجنة.
وفلاناً يكفر ويعصي ويفسق فيدخل النار.
كما علم سبحانه أن فلاناً يتزوج فيأتيه ولد، ويأكل فيشبع، ويشرب فيروى.
فمن ظن أنه يدخل الجنة بلا إيمان وعمل صالح كان ظنه باطلاً، كمن اعتقد أنه يأتيه ولد بلا وطء، فالله قدر الأسباب والمسببات، وقد جعل الله لكل شيء سبباً.
فللدنيا أسباب.
وللجنة أسباب.
وللنار أسباب.
والله سبحانه كتب أفعال العباد خيرها وشرها، وكتب ما يصيرون إليه من الشقاوة والسعادة، لكمال علمه بالشيء قبل وقوعه.
لكنه جعل الأعمال سبباً للثواب والعقاب وكتب ذلك وعلمه، كما كتب الأمراض وجعلها سبباً للآلام، وكما كتب أكل السم وجعله سبباً للموت.
فالله قدر وكتب هذا.
وهذا، لأنه الذي أحاط وحده بكل شيء علماً.
وكذلك بأن من فعل ما نهى الله عنه من الكفر والمعاصي فإنه يعمل ما كتب عليه وهو مستحق لما كتبه الله من الجزاء لمن عمل ذلك.
فكل ما يجري في هذا الكون كائن بقضاء الله وقدره.
وقد أمرنا الله عزَّ وجلَّ أن نزيل الشر بالخير بحسب الإمكان.
وأن نزيل الكفر بالإيمان، ونزيل البدعة بالسنة، والمعصية بالطاعة، والسيئة بالحسنة، فيدفع المسلم ما قدره الله من الشر، بما قدره الله من الخير مستعيناً بالله، كما يدفع شر الكفار والفجار بالقوة ورباط الخيل، وكالدعاء والصدقة اللذين يدفعان البلاء، وكالدواء الذي جعله الله سبباً للشفاء وهكذا.
وما يكون من الشر جعله الله محنةً لنا وابتلاءً، والله لم يأمرنا أن نرضى بما يقع من الكفر والفسوق والعصيان، بل أمرنا أن نكره ذلك وندفعه بحسب الإمكان.
فندفع قدر الله بقدر الله وبما أمر الله مع الصبر والتوكل عليه والاستعانة به في كل أمر، وهذا هو الابتلاء: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)} [الفرقان: ٢٠].
والله تبارك وتعالى له الخلق والأمر، فهو الخالق لكل شيء، ولكل ما يقع في هذا الكون، ولكل ما يقع للناس من أحوال، ولكل ما يقع من الناس من أعمال.
فالناس يملكون بما أقدرهم الله عليه أن يتجهوا وأن يحاولوا، ولكن تحقق الفعل ووقوعه لا يكون إلا بإرادة من الله وقدر.
فالإنسان قد يتجه ويحاول فعل الخير بالوسائل التي أرشد الله أنها تحقق الخير، ولكن تحقق الخير فعلاً يتم بإرادة الله وقدره، لأنه ليست هناك قدرة غير قدرة الله تنشئ الأشياء والأحداث، وتتحقق ما يقع في هذا الكون من وقائع: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٧)} [الأنفال: ١٧].
وإذن يكون تحقق الخير بوسائله التي اتخذها الإنسان، وباتجاه الإنسان وجهده، عملاً من أعمال القدرة الإلهية، فالله أقدره على الفعل، والله سدد رميته فأصاب.
وكذلك الإنسان قد يتجه إلى تحقيق السوء، أو يفعل ما من شأنه إيقاع السوء، ولكن وقوع السوء فعلاً لا يتم إلا بقدرة الله، وقدر الله، لأنه ليس هناك قدرة منشئة للأشياء والأحداث في هذا الكون غير قوة الله.
وفي الحالين يكون وجود الحدث وتحققه من عند الله كما قال سبحانه: {وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)} [النساء: ٧٨].
وكذلك الإنسان يسمع ويرى، ويعقل ويفهم، ويريد ويعمل، ويحاسب على إرادته وعمله كما قال سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)} [فصلت: ٤٦].
والهدى هدى الله، فمن هداه الله فهو المهتدي حقاً، ومن أضله الله فهو الخاسر حقاً كما قال سبحانه: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)} [الأعراف: ١٧٨].
والله سبحانه يهدي من يجاهد لطلب الهداية كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)} [العنكبوت: ٦٩].
وكذلك يضل من يبغي الضلال لنفسه، ويعرض عن دلائل الهدى، وموجبات الإيمان، ويغلق قلبه وسمعه وبصره دونها كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)} [الأعراف: ١٧٩].
(١) أخرجه مسلم برقم (٢٧٠٨).
مختارات

