الخزانة السابعة..
• أول بيتٍ وضع في الأرض:
الأماكن التي يُعبد الله ﷿ فيها ثلاثة:
الأول: العرش العظيم، كما قال سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)﴾ [غافر: ٧].
وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ [فصلت/ ٣٨].
الثاني: البيت المعمور، في السماء السابعة، ويطوف به كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليهم:﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣)وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ [الطور: ١ - ٤].
فهذان في العالم العلوي.
الثالث: أول بيتٍ وضع في الأرض هو البيت العتيق بمكة،كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦)﴾ [آل عمران: ٩٦].
والكعبة أول بيتٍ وضع للناس في الأرض، جعله الله موضعًا للطاعات، والعبادات، والقربات، والخيرات، والبركات، وجعله قبلة للصلوات، وموضعًا للحج والعمرة.
والكعبة أول بيتٍ في الوضع والبناء، ولكونه مباركًا وهدىً للعالمين، أمر الله الملائكة ببنائه في الأرض، ليكون موضعًا لعبادة الناس ربهم في الأرض من الجن والإنس، وطاف به آدم ﷺ والأنبياء بعده إلى زمان نوح، فلما جاء الطوفان، اندرس موضع الكعبة، وذلك في زمان نوح، وبقي مختفيًا إلى أن بعث الله جبريل إلى إبراهيم ﷺ، ودلَّه على مكان البيت، وأمره ببنائه، والآمر هو الله، وجبريل هو الدليل، وإبراهيم البَناء، وإسماعيل المعين، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦].
فأول بيتٍ وضع في الأرض للناس، وأول قبلةٍ، هو الكعبة، وجميع الأنبياء من عهد آدم إلى محمد ﷺ كانوا يصلون إليه، ويحجون إليه، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
فالله ﷿ أمر إبراهيم ﷿ ببناء البيت العتيق، والمبلغ لهذا التكليف هو جبريل، والباني هو الخليل ﷺ، والمعين ابنه إسماعيل، كما قال سبحانه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ [البقرة: ١٢٥ - ١٣٠].
• حكمة وضع البيت العتيق في مكة:
الله ﷿ هو الحكيم العليم وضع بيته الحرام بوادٍ غير ذي زرع وهي مكة، ليقطع بذلك رجاء أهل حرمه عمن سواه، حتى لا يتوكلوا إلا عليه، ولا ينشغلوا إلا بعبادته، ولئلا يسكنها أحد من الجبابرة، لأنهم يريدون طيبات الدنيا، فإذا لم يجدوها، تركوا ذلك الموضع، ولئلا يقصدها أحدٌ للتجارة والنزهة، بل يكون ذلك لمحض العبادة والزيارة: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
ومن إتمامهما ألا ينشغل بغيرهما، وليظهر بذلك شرف الفقر والفقراء، حيث وضع الله أشرف البيوت في أقل المواضع نصيبًا من الدنيا، حيث جعل الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين، وكذلك يجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين، وجعل سبحانه الكعبة في موضعٍ خالٍ من جميع نعم الدنيا إشارةً إلى أنه لا يجعل كعبة المعرفة إلا في قلب خالٍ من محبة الدنيا.
• أسماء مكة:
سميت مكة ببكة من البك، وهو الازدحام والتدافع؛ لأن الناس يزدحمون في الطواف والسعي والرمي والصلاة، والمشاعر.
وقيل: سميت بكة، لأنها تبك أعناق الجبابرة، لا يريدها جبار بسوء إلا اندقت عنقه.
وسميت مكة لأنها تمك الذنوب وتزيلها كما يمك الفصيل ضرع أمه إذا مصه.
وقيل: سميت بذلك، لاجتذابها الناس من أنحاء الأرض.
وقيل: سميت مكة، لقلة مائها كأن أرضها امتكت وامتصت ماءها.
وقيل: سميت مكة وبكة فهما اسمان لمسمى واحد.
وقيل: مكة اسم للمسجد والمطاف، وبكة اسم للبلد؛فبكة ظرفٌ لمكة التي هي الكعبة والمسجد: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].
• أسماء مكة:
مكة لها أسماء، فهي: مكة، وبكةء، والمسجد الحرام، وأم القرى؛ والبلد الأمين.
والكعبة لها أسماء:
أحدها: الكعبة كما قال سبحانه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧].
الثاني: البيت العتيق كما قال سبحانه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ [الحج: ٢٩].
الثالث: المسجد الحرام كما قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)﴾ [الإسراء: ١].
الرابع: البيت الحرام كما قال سبحانه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧].
• فضائل البيت العتيق:
البيت العتيق أول بيت وضع في الأرض للعبادة، فهو مبارك في الثبوت والدوام، وزيادة الحسنات في الصلوات، وكون الحج فيه، الذي به تُغفر الذنوب، وأنه تجبى إليه ثمرات كل شيء: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾ [القصص: ٥٧].
وأن الكعبة لا تنفك عن الصلاة في أنحاء العالم في كل وقت، ولا تنفك عن الطائفين والعاكفين، والركع السجود، في كل وقت، وأن البيت العتيق هدىً للعالمين، وقبلةٌ يهتدون به إلى جهة صلاتهم، ويدلهم على وجود خالقهم،ويهديهم إلى طريق الجنة: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣)الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ [قريش: ١ - ٤].
وأن فيه آيات بينات من أمن الخائف، وإهلاك أصحاب الفيل الذين قصدوا تخريبه: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤)فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾ [الفيل: ١ - ٥].
وهو مقام إبراهيم الذي عبد الله فيه وحجه.
وحرم مكة من دخله كان آمنًا، فمن دخله لنسك التقرب إلى الله تعالى، كان آمنًا من النار يوم القيامة.
كما قال النبي ﷺ: «مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».
متفق عليه.
وقال النبي ﷺ: «الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ».
متفق عليه.
وقد أودع الله الشفقة في قلوب خلقه على كل من اتجه إليه،ودفع المكروه عنه: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ [الحج: ٢٦ - ٣٢].
٥ - أنواع النسك
أنساك الحج ثلاثة:
الأول: التمتع.
الثاني: القِران.
الثالث: الإفراد.
الأول: صفة التمتع: أن يحرم المسلم بالعمرة في أشهر الحج، ويفرغ منها، ثم يحرم بالحج من مكة أو من قربها في عامه، ويستمر في الإحرام إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم العيد، ويحلق، وعليه هدي التمتع.
وصفة النطق به: لبيك عمرة.
الثاني: صفة القران: أن يحرم المسلم بالعمرة والحج معًا، أو يحرم بالحج أولًا ثم يُدخل العمرة عليه، وعليه هدي القران.
وصفة النطق به: لبيك عمرةً وحجًا.
ويجوز لمن كان معذورًا أن يدخل الحج على العمرة قبل الشروع في طوافها كمن أصابها الحيض أو النفاس مثلًا، أو من ضاق عليه الوقت ونحوهما.
الثالث: صفة الإفراد: أن يحرم المسلم بالحج مفرِدًا.
وصفة النطق به: لبيك حجًا.
وعمل القارن كعمل المفرِد سواء، إلا أن القارن عليه هدي، والمفرد لا هدي واجب عليه.
والقران أفضل من الإفراد، والتمتع أفضل منهما.
ويسن للمسلم أن يهل بالتمتع مرة، وبالقران مرة، وبالإفراد مرة، إحياءً للسنة، وعملًا بها بوجوهها المشروعة، ويداوم على التمتع لأنه الأفضل.
عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ فقال: «مَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِحَجٍّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِل قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَأَهَلَّ رَسُولُ الله ﷺ بِحَجٍّ، وَأَهَلَّ بِهِ نَاسٌ مَعَهُ وَأَهَلَّ نَاسٌ بِالْعُمْرَةِ وَالْحَجِّ، وَأَهَلَّ نَاسٌ بِعُمْرَةٍ، وَكُنْتُ فِيمَنْ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ».
متفقٌ عليه.
• أفضل الأنساك:
ينبغي لكل حاج أن يحج متمتعًا، والتمتع أفضل الأنساك وأولاها؛ لأنه الذي أمر رسول الله ﷺ أصحابه به، وعزم عليهم أن يحلوا في حجة الوداع إلا من ساق الهدي.
والتمتع أيسر الأنساك، وأسهلها، وأكثرها أجرًا وعملًا وثوابًا.
وإذا أحرم الإنسان قارنًا أو مفردًا فالأولى أن يقلب نسكه إلى عمرة، ليصير متمتعًا، ولو بعد أن طاف وسعى إذا لم يسق معه الهدي، فيقصِّر ويحل؛ إتباعًا لأمر النبي ﷺ، وأما من ساق الهدي فيظل في إحرامه ولا يتحلل إلا بعد الرمي والحلق يوم النحر؛ وذلك بعد الذبح.
عن عائشة ﵂ قالت: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا نُرَى إِلَّا أَنَّهُ الحَجُّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا تَطَوَّفْنَا بِالْبَيْتِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ أَنْ يَحِلَّ، فَحَلَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَاقَ الهَدْيَ، وَنِسَاؤُهُ لَمْ يَسُقْنَ فَأَحْلَلْنَ».
متفق عليه.
• صفة دخول مكة:
إذا أحرم المسلم بالحج أو العمرة قصد مكة ملبيًا، ويسن دخوله من أعلاها إن كان أرفق لدخوله، وأن يغتسل ثم يدخل المسجد الحرام من أي جهة، وإذا دخل المسجد الحرام قدم رجله اليمنى، ثم قال ما يقال عند دخول المساجد: «اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ».
أخرجه مسلم.
«أَعُوذُ بِالله العَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ القَدِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».
أخرجه أبو داود بسندٍ صحيح.
• ما يفعله المسلم إذا دخل المسجد الحرام:
إذا دخل المُحرِم بالحج أو العمرة المسجد الحرام بدأ بالطواف مباشرة إلا أن يكون وقت فريضة، أو صلاة جنازة، فيصليها ثم يطوف.
ويبدأ المعتمر عمرةً مفردة، أو عمرة تمتع بطواف العمرة، ويبدأ القارن والمفرد بطواف القدوم، وهو سنة وليس بواجب.
• أحوال التحلل من النسك:
التحلل من النسك يكون بما يلي:
إما بإتمام النسك من حج أو عمرة، أو التحلل لعذرٍ إن اشترط، أو التحلل بالحصر بعد ذبح الهدي والحلق: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦].
• آداب المسجد الحرام:
المساجد بيوت الله تعالى، دعا كل مسلم لدخولها وعبادته بأنواع العبادة فيها، ومن واجب العبد أن يعرف قدر ربه الذي أذن له بدخول بيته، وأن يستعد لمناجاته، وأن يتأدب معه في بيته بما يليق بعظمته وجلاله، وأن يحب مساجده ويعظمها ويحترمها، خاصةً بيت الله الحرام؛ لأنها بيوت الله، بُنيت لعبادته وذكره وتعظيمه وحمده وشكره وتلاوة كتابه وتعليم شرعه.
• ومن آداب بيوت الله تعالى:
الذهاب إلى المسجد متوضئًا من بيته، وأن يتطيب ويلبس الثياب النظيفة والجميلة، ويمشي للمسجد بسكينة ووقار، فإذا دخل المسجد صلى تحية المسجد، ويجتنب مزاحمة إخوانه، وتخطي رقابهم، وأن يلين بأيدي إخوانه عند التراص في الصفوف ونحوها، ويُفسح لهم، ويجتنب أكل الثوم والبصل والكرات، وما له رائحة كريهة تؤذي المصلين والملائكة.
ويغلق أجهزة الاتصال التي تؤذي أهل المسجد بأصواتها وأجراسها، وألا يلوث المسجد بالمستقذرات كالبصاق والمخاط والمناديل المستعملة ونحو ذلك، ويجتنب اللهو واللعب واللغو والثرثرة، ورفع الصوت والخصومات، والبيع والشراء، وإنشاد الضالة، وسؤال الناس المال، وأن يحافظ على نظافة المسجد، وأثاث ومصاحف المسجد، وتجتنب النساء الزينة، والطيب، والتبرج، وأن تصلي في المكان المخصص للنساء، ولا تفتن الناس بقولٍ أو فعل: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال الله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٨)﴾ [النور: ٣٦ - ٣٨].
قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ [الحج: ٢٦].
***
مختارات
