الخزانة الثامنة..
٦ - أحكام العمرة
• العمرة هي التعبد لله ﷿ بالطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، والحلق أو التقصير.
• حكم العمرة:
العمرة سنةٌ مؤكدة، وتسن في كل وقت من العام، وفي أشهر الحج أفضل من سائر العام، والعمرة في رمضان تعدل حجة،ويسن تكرارها والإكثار منها ويجب إتمامها: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وسميت العمرة عمرة، لأنها تُفعل في العمر كله، وتُفعل في موضع عامر بالأعمال الصالحة، مشتقة من عمارة المسجد الحرام بالأعمال الصالحة.
عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أتى هذا البيت فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع كيوم ولدته أمه».
متفق عليه.
• عدد عمر النبي ﷺ.
اعتمر النبي ﷺ في حياته أربع عمر كلها في أشهر الحج وهي:
١ - عمرة الحديبية.
٢ - ثم عمرة القضاء.
١ - ثم عمرة الجعرانة.
٢ - ثم عمرته ﷺ مع حجته.
وكل عمر النبي ﷺ كانت في ذي القعدة.
• أركان العمرة:
أركان العمرة ثلاثة وهي:
١ - الإحرام.
٢ - والطواف.
٣ - والسعي.
• واجبات العمرة:
١ - الإحرام من الميقات.
٢ - والحلق أو التقصير.
• شروط صحة الطواف بالبيت:
يشترط لصحة الطواف بالكعبة ما يلي:
نية الطواف، والطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، ستر العورة، الطواف سبعًا بالكعبة، أن يبدأ من الحجر الأسود ويختم به، الطواف بكامل البيت، أن يجعل البيت عن يساره، الموالاة بين الأشواط إلا لعذر: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧].
• حكم الطهارة للطواف بالبيت:
يشترط لصحة الطواف بالكعبة، الطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، وهذا هو الموافق لفعل النبي ﷺ حيث توضأ ﷺ قبل أن يطوف، وأمر بأخذ جميع المناسك عنه، ونهى الحائض أن تطوف بالبيت حتى تطهر وتغتسل.
عن عائشة ﵂: «أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ، أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً، ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ مِثْلَهُ».
متفق عليه.
وعن عائشة ﵂ قالت: «خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا نَرَى إِلَّا الْحَجَّ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِسَرِفَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: أَنَفِسْتِ يَعْنِي الْحَيْضَةَ، قَالَتْ:قُلْتُ: نَعَمْ، قَال: إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الْحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي».
متفق عليه.
وعن عائشة ﵂ أن: «صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺحَاضَتْ في حجة الوداع، فقال النبي ﷺ: أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟فقلت: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ يا رسول الله وطافت بالبيت، فقَالَ النبي ﷺ فَلتنفر».
متفق عليه.
• أحوال الحائض عند الإحرام:
للحائض عند الإحرام ثلاث حالات:
الأولى: إذا غلب على ظنها أنها ستطهر في مكة، فعليها أن تحرم، وتدخل مكة محرمة، فإذا طهرت اغتسلت في سكنها وأكملت عمرتها.
الثانية: إذا كانت لا تدري هل ستطهر في مكة أم لا، فعليها أن تحرم وتشترط، فإن طهرت أكملت العمرة، وإن لم تطهر وخرجت فلا شيء عليها، وكتب الله لها عمرةً بنيتها.
الثالثة: إذا مرت بالميقات وهي حائض، ولم تحرم جهلًا منها، وهي تقصد العمرة، ثم دخلت مكة وطهرت، فعليها أن ترجع إلى الميقات وتحرم منه، فإن لم تستطع أحرمت من الحل كالتنعيم أو غيره: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨].
٧ - صفة العمرة من الإحرام إلى التحلل
• صفة العمرة التي فعلها النبي ﷺ وبيَّنها:
أن يحرم من يريد العمرة بها من الميقات إذا كان مارًا به، ومن كان دون الميقات أحرم من حيث أنشأ النية، ويستحب أن يدخل مكة ليلًا أو نهارًا من أعلاها من جهة كداء إن كانت على طريقه، ويعرف اليوم بريع الحجون، وأن يخرج من أسفلها من جهة كُدى إن كانت على طريقه، جهة مشروع جبل عمر، ويقطع التلبية إذا دخل أدنى حدود الحرم.
فإذا وصل المُحرِم المسجد الحرام دخله متوضئًا، من أي باب شاء، ويبدأ بالطواف بالكعبة من الحجر الأسود، ويجعل البيت عن يساره، ويقول عند دخول المسجد ما يقوله عند دخول المساجد: اللهم افتح لي أبواب رحمتك.
ويسن للرجل أن يضطبع قبل أن يطوف، بأن يجعل وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر في جميع الأشواط.
ويسن أن يرمل، وهو المشي بقوة ونشاط في الأشواط الثلاثة الأولى من الحجر إلى الحجر، ويمشي في الأشواط الأربعة الأخيرة.
والاضطباع والرمل سنة للرجال فقط دون النساء، في طواف القدوم في الحج، وطواف العمرة.
فإذا حاذى الحجر الأسود استقبله واستلمه بيده، وقبّله بفمه، فإن لم يستطع وضع يده اليمنى عليه وقبلها، فإن لم يستطع استلمه بمحجن، أو عصا ونحوهما مما في يده وقبلها، فإن لم يستطع أشار إليه بيده اليمنى ولا يقبلها، ويمضي ولا يقف.
ويقول إذا حاذاه: الله أكبر مرة واحدة، ويفعل ذلك في كل شوط، ثم يدعو أثناء طوافه بما شاء من الأدعية الشرعية الواردة في القرآن والسنة، ويذكر الله ويوحده ولا يتكلم إلا بخير، ويجوز له أن يأكل ويشرب أثناء الطواف والسعي إن شاء.
فإذا مر بالركن اليماني استلمه بيده اليمنى في كل شوط إن تيسر بدون تقبيل ولا تكبير، فإن شق استلامه مضى في طوافه بلا تكبير ولا إشارة.
ويحرم على المرأة مزاحمة الرجال في الطواف والسعي وغيرهما، ويقول من يطوف بالكعبة بين الركن اليماني والحجر الأسود: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾ [البقرة: ٢٠١].
فيطوف سبعة أشواط كاملة من وراء الكعبة والحِجر، يكبر كلما حاذى الحجر الأسود، ويستلمه، ويقبّله في كل شوط إن أمكن، ولا يستلم الركنين الشاميين.
وله أن يلتزم ما بين الحجر الأسود والباب بعد طواف القدوم، أو الوداع، أو غيرهما إن تيسر، فيضع صدره، ووجهه، وذراعيه عليه، ويدعو ويسأل الله تعالى.
فإذا فرغ من الطواف غطى كتفه الأيمن، وتقدم إلى مقام إبراهيم ﷺ وهو يقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: ١٢٥].
ثم يسن أن يصلي ركعتين خفيفتين خلف مقام إبراهيم إن تيسر وإلا صلى في أي مكان من المسجد الحرام، ويسن أن يقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة ما تيسر من القرآن، وفي الثانية بعد الفاتحة ما تيسر من القرآن، ثم ينصرف من حين يسلم، والدعاء بعد الركعتين هنا غير مشروع، وكذلك الدعاء عند مقام إبراهيم لا أصل له، ومن خالف السنة وقع في البدعة:﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
ثم إذا فرغ من الصلاة يسن أن يذهب إلى الحجر الأسود ويستلمه إن تيسر.
ثم يتوجه إلى الصفا، ويسن أن يقرأ إذا قرب منه مرة واحدة فقط: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨].
ويقول: أبدأ بما بدأ الله به، فإذا صعد على الصفا ورأى البيت، وقف مستقبلًا القبلة وكبر ثلاثًا رافعًا يديه للذكر والدعاء بطونهما للسماء لا على هيئة تكبير الصلاة، يوحد الله ويكبره ويحمده قائلًا: «لا إلَهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا إلَهَ إلا الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَهُ».
متفق عليه.
ثم يدعو بما شاء، ثم يعيد هذا الذكر مرة ثانية، ثم يدعو بما شاء، ثم يعيد الذكر فقط مرة ثالثة، يجهر بالذكر، ويسر بالدعاء.
ثم ينزل من الصفا متجهًا إلى المروة يذكر الله، ويدعوه بخشوع وتذلل، ويمشي حتى يحاذي العلم الأخضر، فإذا حاذاه سعى سعيًا شديدًا إلى العلم الأخضر الثاني، ثم يمشي إلى المروة، وفي كل ذلك يهلل، ويكبر، ويدعو، والمرأة تمشي كعادتها في جميع أشواط السعي.
فإذا وصل إلى المروة رقاها، واستقبل البيت، وكبر ثلاثًا رافعًا يديه، ووقف يذكر الله تعالى ويدعوه، ويقول ما قاله على الصفا من الذكر والدعاء، ويكرره ثلاثًا كما سبق، ثم ينزل من المروة إلى الصفا، يمشي في موضع مشيه، ويسعى في موضع سعيه، يفعل ذلك سبعًا، ذهابه سعية ورجوعه سعية، يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ [البقرة: ١٥٨].
وتسن للسعي الطهارة والموالاة، والمرأة إذا طافت ثم حاضت أكملت السعي وما بعده، والسعي مكانه بعد الطواف، فلا يجوز للحائض وغيرها أن تسعى ثم تطوف بعد أن تطهر:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
والسنة أن يطوف ويسعى في الدور الأرضي، ويجوز أن يطوف ويسعى فيما فوقه من الأدوار، لعذر أو لغير عذر.
وتسن الموالاة بين الطواف والسعي إن تيسر، وله أن يستريح بينهما أو فيهما لعذر من تعبٍ ونحوه، ولا يخرج أثناء الطواف والسعي إلا لضرورة أو عذر مبيح من وضوء ونحوه، ثم يعود فورًا ويكمل من حيث انتهى.
والمرأة كالرجل في الطواف والسعي إلا أنها لا ترمل في طواف، ولا تسرع في سعي، وتجتنب إظهار الزينة، وكشف الوجه أمام الرجال، ورفع الصوت، ومزاحمة الرجال.
فإذا أتم الرجل السعي حلق وهو الأفضل، أو قصَّر من شعر رأسه كله.
وأفضل الحلق ما أزال الشعر كله بالموس، أما حلق الشعر بالماكينة، فإن أزالت الشعر كله فهو حلق، وإن أبقت منه شيئًا ظاهرًا فهو تقصير، والحلق والتقصير في النسك يكون لشعر الرأس كله، ومن حلق شعره أو قصر بعضه وترك بعضه، فهذا قد أتى ببعض الواجب، وحلقه أو تقصيره ناقص، فعليه إكمال ما ترك، ليكمل أجره من ربه.
والأصلع لا حلق عليه ولا تقصير، ولا يلزمه إمرار الموس على رأسه، لسقوط الواجب بفقد الشعر.
أما المرأة فتقصر من طرف شعرها قدر أنملة، وبذلك تمت العمرة، وحلَّ للمعتمر كل شيء حرم عليه وهو محرم كاللباس والطيب والنكاح ونحو ذلك: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ [البقرة: ١٩٦].
***
مختارات
