الخزانة الثامنة..
فقه الإيمان باسم الله الحى:
الله ﷿ هو الملك الحق الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له؛ لما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى،والأفعال الجميلة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ [طه: ٨].
هو سبحانه الحيي الستير الذي لا يفعل ما لا يتناسب مع عظمته وجلاله، ومع عظيم عفوه وحِلمه، وما لا يتناسب مع سعة رحمته وكرمه.
هو سبحانه الحيي الذي مع كمال الغنى عما سواه، وكمال قدرته على كل ما سواه؛ يستحي من هَتكِ سِترِ من عصاه، ويستحي من فضيحته بين الناس، فيستره، ثم يعفو عنه،ويغفر له: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].
هو سبحانه الحيي الذي يستحيي ممن شاب في الإسلام أن يعذبه ويفضحه، الحيي الكريم الذي يستحيي ممن مدَّ يديه إليه بالدعاء أن يردهما صفرًا خائبتين: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
هو سبحانه الحيي، الحليم، الستير؛ فهو سبحانه الحليم الذي لا يعاجل العاصي بالعقوبة، بل يمهله ليتوب إليه، ويستره، ويستر عليه ذنبه، لأنه الستير، ويقبل توبته إذا تاب إليه، لأنه التواب، ويستحي منه إذا انكسر بين يديه مقرًا بذنبه، فيجيب دعاءه، ويغفر ذنبه: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠)﴾ [النساء: ١١٠].
وقال النبي ﷺ: «إن اللهَ ﷿ حليمٌ حييٌّ، سِتِّيرٌ، يُحِبُّ الحياءَ والسِتْرَ، فإذا اغتسَلَ أحدُكم فلْيَسْتَتِرْ».
أخرجه أبو داود، والنسائي.
وهو سبحانه الحيي الذي حياؤه حياء كرمٍ وبر، وحياء جلالٍ وجمال، فهو سبحانه مع كمال ذاته وأسمائه وصفاته، وكمال غناه، وكمال قدرته حليمٌ حييٌ يستحي من هتك ستر عبده العاصي وفضحه، مع أنه أفقر شيءٍ إليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٤٣)﴾ [البقرة: ١٤٣].
هو سبحانه الحيي الذي لا يستحيي من الحق أن يبيَّنه، ولا يستحيي من ضرب الأمثال في تقرير الحق لأنه حق، والله لا يستحيي من الحق.
قال ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦].
فسبحان الحيي في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، وفي أحكامه.
ما أمر بشيءٍ إلا أعان عليه، وما نهى عن شيءٍ إلا أغنى عنه، ما أمر بشيءٍ إلا واطمأنت النفوس إليه، وما نهى عن شيءٍ إلا أبغضته النفوس، واستحيت من فعله، ولا أباح شيئاً إلا سهل الوصول إليه، ولا خلق شيئاً إلا أحسن صورته.
فاعلم يا عبد الحيي إن الحياء أن تستحي من الذي خلقك، ورزقك، وهداك أن تعصيه في ملكه بنعمه، وهو يراك ويسمعك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
واعلم أن التوحيد ألا ترى مع الله أحدًا، وكلما زاد التوحيد والإيمان في قلب العبد زاد إيمانه بربه، وزادت محبته له، وزادت تقواه له، وزاد الحياء منه: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠)﴾ [الأنبياء: ٩٠].
فاستحي من الله أن تشرك معه غيره، واستحي من الله أن تدعو غيره، واستحي من الله أن تعصيه في ملكه، وأستحي من الله أن تعصيه بنعمه، واستحي من الله أن تخالف أمره: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦)فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾ [السجدة: ١٥ - ١٧].
وإذا كان الله ﷿ حييٌ، كريمٌ، رحيمٌ، يستحي من عبده إذا رفع يديه إلى السماء أن يردهما صفرًا خائبتين؛ فمتى يستحي العبد من ربه أن يعصيه؟ وهو يسكن في ملكه، وهو الذي غمره بأنواع نعمه:﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ [لقمان: ٢٠].
من عرفَ الله ﷿ بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وأفعاله الجميلة استحى من ربه أن يعصيه، وعظُم حياؤه ممن خلقه ورزقه وهداه، وانقبضت نفسه عن محارم الله، وابتعد في ظاهره وباطنه عن معصية من يسمعه ويراه؛ لعلمه أن الله معه يراه ويسمعه،ويحصي عليه عمله: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٥٤)﴾ [الأحزاب: ٥٤].
والحياء من الله أن تحفظ أيها العبد الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتذكر الموت والبلى، وأن تستقيم على أوامر الله التي كلها من أجل سعادتك في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
وحظ العبد من هذا الاسم الكريم محبة الله، وتعظيمه، وحمده، وشكره على نعمه التي لا تُعد ولا تُحصى؛ لما يعلمه من إمهال العصاة، وعدم معاجلتهم بالعقوبة،لكمال حلمه ورحمته: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ [الحج: ٦٥].
وقال رسول الله ﷺ: «ليس أحَدٌ أصْبَرُ علَى أذًى سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ، يَدَّعُونَ له الوَلَدَ، ثُمَّ يُعافيهم ويَرْزُقُهُمْ».
متفق عليه (١).
فسبحان الرحيم، الحيي، الستير، الذي لو عاجل العصاة بالعقاب لما ترك على ظهر الأرض أحدًا: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾ [فاطر: ٤٥].
ومن عرف ربه باسمه الحيي استحيا منه، ومقت نفسه؛ لما يراه من عظمة جلاله وجماله، وعظمة إحسانه إليه، وعظيم تقصيره في عبادته، وأن عبادته لا تليق بجلال الله، وأن قدر الله أعلى وأجلّ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾ [الزمر: ٦٧].
وكذا الحذر من غضب الله؛ لأنه إذا غضب لم يقف لغضبه شيء، والحليم الرحيم لا يغضب إلا على من لا يستحق الرحمة لكبره، وإصراره، وعناده بعد أن أمهله الله ليتوب، فلم يستجب: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾ [المؤمنون: ٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ [هود: ١٠٢].
فتعبَّد لله يا عبد الحيي بخلق الحياء، فالله حيي يحب الحياء وأهله، و «كانَ النَّبيُّ ﵌ أشَدَّ حَيَاءً مِنَ العَذْرَاءِ في خِدْرِهَا».
متفق عليه.
والحياء شعبةٌ من شعب الإيمان؛ وإذا عرفت هذا،فاعلم أن حياء الناس أنواع:
حياء الجناية: فمن عصى الله استحيا منه، وهو يتقلب في نعمه.
وحياء الجلال: فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أجلَّه، واستحيا من تقصيره في عبادته: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
وحياء التقصير: فمن قصر في حق الله استحيا منه.
وحياء السؤال: فيستحي العبد أن يسأل ربه وهو مقيمٌ على معاصيه.
واعلم يا عبد الله أن الحياء والإيمان قُرِنا معًا؛ فإذا رُفع أحدهما رُفع الآخر، وكلما زاد الإيمان في القلب زاد الحياء، وكلما قلَّ الإيمان قلَّ الحياء، فكن حييًا من ربك العزيز الرحيم، فلا تعصه بنعمه، وكن حييًا من خلقه، فلا تفعل ما يسوء بينهم ومعهم، ولا تكن أسوةً سيئةً لهم في أقوالك، وأعمالك، وأخلاقك قال النبي ﷺ: «إنَّ ممَّا أدركَ النَّاسُ من كلامِ النُّبوَّةِ الأولَى: إذا لم تستحْ فاصنَعْ ما شئتَ».
أخرجه البخاري.
واعلم أن الحياء درجات؛ فمن استحى من الناس، ولم يستح من نفسه، فنفسه أخس عنده من الناس، ومن استحى من الناس ولم يستح من ربه، فهو أجهل الناس بربه: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨)﴾ [النساء: ١٠٨].
فاستحِ يا عبد الله من نفسك، واستحِ من الناس، واستحِ من ربك العظيم أن تعصيه وأنت في ملكه، وتأكل من رزقه، وتحت عنايته.
ومن قوي حياؤه استحى من الأحياء والأموات،واستحى في سره وعلانيته: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾ [الملك: ١٢].
وقال النبي ﷺ: «كُلُّ أُمَّتي مُعافًى إلَّا المُجاهِرِينَ، وإنَّ مِنَ المُجاهَرَةِ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ باللَّيْلِ عَمَلًا، ثُمَّ يُصْبِحَ وقدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عليه، فَيَقُولَ: يا فُلانُ، عَمِلْتُ البارِحَةَ كَذا وكَذا، وقدْ باتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، ويُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عنْه».
متفق عليه.
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وارزقنا عبادتك كأننا نراك، واغفر لنا زلاتنا، وعثراتنا، إنك أنت العفو الغفور الرحيم.
***
مختارات

