الخزانة الخامسة..
٤ - صفة التيمم
التيمم هو التعبد لله بضرب الصعيد الطيب باليدين بنية استباحة الصلاة وغيرها، والتيمم من خصائص الأمة الإسلامية، وهو بدل طهارة الماء.
عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً».
متفقٌ عليه.
• حكم التيمم:
يشرع التيمم للمحدث حدثًا أصغر أو أكبر إذا تعذر استعمال الماء، إما لفقده، أو التضرر باستعماله، أو العجز عن استعماله، أو شرائه.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)﴾ [المائدة: ٦].
• ما يجوز التيمم به:
يجوز التيمم بكل ما على الأرض من صعيد طاهرٍ، من تراب، أو رملٍ، أو حجرٍ، أو طينٍ رطب أو يابس.
• صفة التيمم:
أن ينوي المسلم التيمم، ثم يضرب الأرض مرةً واحد بباطن يديه، ثم ينفخهما لتخفيف الغبار عنهما، ثم يمسح بهما وجهه، ثم كفيه، يمسح ظهر اليمنى بباطن كف اليسرى، ثم يمسح ظهر اليسرى بباطن كف اليمنى، وأحيانًا يقدم مسح اليدين على الوجه، يفعل هذا مرة، وهذا مرة إحياءً للسنة.
عن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر أَنَّا كنا في سفر أنا وأنت فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فَتَمَعَّكْتُ فصليت فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال النبي ﷺ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ».
متفقٌ عليه.
وعن عمار بن ياسر ﵁ في صفة التيمم وفيه: فقال النبي ﷺ: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا، فَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ ضَرْبَةً عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ ثُمَّ مَسَحَ بِهَا وَجْهَهُ».
متفقٌ عليه.
• ماذا يرفع التيمم؟.
إذا نوى بتيممه أحداثًا متنوعة كما لو بال، وتغوط، واحتلم، ومن أصابه جنابة، أو حيض، أو نفاس أجزأه التيمم عن الكل، فلله الحمد على التيسير، ورفع الحرج: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الحج: ٧٨].
والمتيمم كالمتوضئ فيما يشرع ويباح كالصلاة، والطواف، والوطء ونحو ذلك، لأن التيمم بدل الماء.
• مبطلات التيمم:
يبطل التيمم بما يلي:
وجود الماء، زوال العذر من مرض أو حاجة ونحوهما، أحد نواقض الوضوء السابقة.
• ما يشرع له التيمم:
أولاً: يشرع التيمم للطهارة من الحدث الأصغر أو الأكبر.
أما طهارة الخَبث، سواءً كانت على البدن أو الثوب فليس لها تيمم، فيزيلها، فإن لم يستطع إزالتها صلى بحسب حاله.
ثانيًا: مَنْ عَدِم الماء، وما يجوز التيمم عليه، أو لم يقدر على استعمالهما، صلى على حسب حاله بلا وضوءٍ ولا تيمم، ولا إعادة عليه.
ثالثًا: مَنْ جُرح وخاف أن يضره الماء إذا اغتسل مسح عليه، وغسل الباقي، فإن تضرر بالمسح تيمم له، وغسل الباقي، ويكون التيمم بعد الفراغ من الوضوء.
رابعًا: إذا وجد المتيمم الماء، وهو في أثناء الصلاة، بطل تيممه، فيقطعها، ثم يتوضأ ويصلي، وإن وجد الماء بعد أن صلى فصلاته صحيحة، ولا إعادة عليه.
عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ اَلصَّلَاةَ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا اَلْمَاءَ فِي اَلْوَقْتِ.
فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا اَلصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ اَلْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ»،وقال للذي توضأ وأعاد: «لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ».
أخرجه أبو داود والنسائي بسندٍ صحيح.
- أحكام الحيض والنفاس
• الحيض هو دم طبيعة وجِبِلَّة يرخيه الرحم فيخرج من فرج المرأة في أوقاتٍ معلومة.
• أصل دم الحيض:
خلق الله دم الحيض لحكمة غذاء الولد في بطن أمه، لذلك قَلَّ أن تحيض الحامل، فإذا ولدت قَلَبه الله لبنًا يَدرُّ من ثدييها، لذلك قَلَّ أن تحيض المرضع، فإذا خلت المرأة من حمل ورضاع بقي لا مصرف له، فيستقر في الرحم، ثم يخرج في كل شهرٍ ستة أو سبعةٍ أيام غالبًا، والحيض دمٌ نجس.
• حد الحيض:
غالب مدة الحيض ستة، أو سبعة أيام، وغالب مدة الطهر ثلاثة أو أربعة وعشرون يومًا، ولا حد لأقل الحيض، ولا لأكثره، ولا لبدايته، ولا لنهايته، ولا حد لأقل الطهر ولا لأكثره.
وبعض النساء حيضها أو طهرها أكثر من ذلك أو أقل منه، وبعضهن يأتيها الحيض مرةً كل شهرين أو ثلاثة، وبعضهن يأتيها مرةً كل ستة أشهر، وبعضهن يأتيها كل سنةٍ مرة.
• النفاس هو الدم الخارج من قُبل المرأة عند الولادة، أو معها، أو قبلها، أو بعدها.
• غالب مدة النفاس:
غالب مدة النفاس أربعون يومًا، فإذا طهرت قبله صلت وصامت بعد أن تغتسل، ولزوجها وطؤها، وإن زاد إلى ستين فهو نفاس، لكن إن استمر، فهو دم فساد تغتسل منه مرة، ويستحب أن تتوضأ لكل صلاة، وتؤدي العبادات كغيرها من الطاهرات.
• حكم الدم الذي يخرج من الحامل:
الحامل إذا خرج منها دمٌ كثيرٌ أحمر، ولم يسقط الولد فهو دم فسادٍ لا تترك الصلاة لأجله، لكن تتوضأ لكل صلاة.
وإذا رأت المرأة دم الحيض المعتاد الذي يأتيها في وقته وشهره ولونه فهو حيض، تترك من أجله الصلاة والصوم وغير ذلك.
• ما يحرم على الحائض والنفساء:
يحرم على الحائض والنفساء الصلاة، والصوم، والطواف بالبيت الحرام، والوطء في الفرج، حتى تطهر وتغتسل.
• حكم تناول ما يقطع الحيض:
يجوز للمرأة إن احتاجت تناول ما يقطع الحيض ما لم تتضرر، ويكون طهرًا تصوم فيه وتصلي، وتفعل ما تفعل الطاهر.
• علامة طهر الحائض:
أن ترى المرأة سائلًا أبيضاً يخرج إذا توقف الحيض، ومن لم تر هذا السائل فعلامة طهرها أن تُدخل قطنة بيضاء في محل الحيض، فإن خرجت ولم تتغير فهو علامة طهرها، ويسمى الجفاف.
• حكم الصفرة والكدرة عند النساء:
الصفرة والكدرة في زمن العادة حيض، وإن رأت ذلك قبل العادة أو بعدها فليس بحيض، فتصلي وتصوم، ولزوجها أن يباشرها، وإن تجاوزت الصفرة أو الكدرة العادة الغالبة للنساء فتغتسل وتصلي كالطاهرات، والمرأة إذا حاضت بعد دخول وقت الصلاة، أو طهرت قبل خروج وقت الصلاة، وجب عليها أن تصلي تلك الصلاة، ومثلها النفساء.
• حكم مباشرة الحائض:
يجوز للرجل مباشرة زوجته وهي حائض من فوق الإزار.
عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَاشِرُ نِسَاءَهُ فَوْقَ الْإِزَارِ وَهُنَّ حُيَّضٌ».
أخرجه مسلم.
• حكم وطء الحائض:
يحرم وطء الحائض في الفرج، كما يحرم وطء المرأة في الدبر:﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ [المؤمنون: ٥ - ٧].
ولا يجوز وطء الحائض حتى ينقطع دم حيضها وتتطهر أي تغتسل، ومن وطئها قبل الغسل فهو آثم، عليه التوبة والاستغفار، وإذا وطئ الرجل زوجته مختارًا متعمدًا عالمًا أنها حائض فهو آثم، وعليه التوبة والاستغفار، والمرأة مثله:﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٩)﴾ [المائدة: ٣٩].
• والمستحاضة هي من استمر خروج الدم منها في غير أوانه:
والفرق بين الحيض والاستحاضة:
أن الحيض سيلان دم عرقٍ في قعر الرحم، يسمى العاذر، ولون هذا الدم أسود، ثخين، غليظ، منتن، كريه، لا يتجمد إذا ظهر.
والاستحاضة: سيلان دم عرقٍ في أدنى الرحم يسمى العاذل، ولون هذا الدم أحمر، رقيق، غير منتن، يتجمد إذا خرج؛ لأنه دم عرقٍ عادي.
• صفة غسل الحائض والمستحاضة والنفساء:
غسل الحائض والنفساء كغسل الجنب، إلا أنه يستحب من الحائض والنفساء نقض شعرها، والغسل بماءٍ وسدر، ودلك الرأس دلكًا شديدًا، ومسح الفرج بقطعةٍ من مسك، فالمستحاضة تغتسل مرةً واحدة عند إدبار الحيض، ولا يلزمها الوضوء لكل صلاة عن هذا الدم، لكن يستحب، وتحشو فرجها بخرقةٍ أو نحوها، لئلا تتنجس، وتتلوث.
• أحوال المستحاضة:
المستحاضة لها أربع حالات وهي:
الأولى: أن تكون مدة الحيض معروفةً لها، فتجلس تلك المدة، ثم تغتسل وتصلي.
الثاني: أن تكون مدة الحيض غير معلومة لها، فتجلس ستة أو سبعة أيام؛ لأن ذلك غالب مدة الحيض، ثم تغتسل وتصلي.
الثالثة: أن لا تكون لها عادة، ولكنها تستطيع تمييز دم الحيض الأسود من غيره، فإذا انقطع دم الحيض المميَّز، اغتسلت وصلت.
الرابعة: أن لا تكون لها عادة، ولا تستطيع أن تميز الدم فتجلس ستة أو سبعة أيام ثم تغتسل وتصلي، وتسمى المبتدئة.
• حكم من اقتربت دورتها:
من اقتربت دورتها من النساء فأصبحت تأتيها في الشهر أكثر من مرة، فإن تيقنت أنه حيض، فهو حيض، وإن لم تتيقن أنه حيض، فهو دم فساد تغتسل منه مرة وتصلي، ولزوجها أن يجامعها.
• حكم ما يخرج من المرأة:
أولًا: إذا وضعت المرأة نطفة، فهذا ليس بحيض ولا نفاس، وإن وضعت الجنين لأربعة أشهر، فهذا نفاس، وإن وضعت علقةٍ أو مضغةٍ غير مُخلَّقة فليس بنفاس، ولو رأت الدم، وإن وضعت مضغةً مُخلَّقة، بأن تم له ثلاثة أشهر تأكد أنه ولد، وأنه نفاس، وإن أسقطت المرأة ما تبين فيه خلق الإنسان من رأسٍ، أو أذنٍ، أو رجل، ونحوها، فهي نفساء لها أحكام النفاس.
ثانيًا: المرأة التي تستعمل اللولب لمنع الحمل إذا نزل منها دمٌ بعد انقطاع الحيض، ورؤية الطهر، فهذا من أثر اللولب فقط، فلا يعتبر حيضًا.
• ما تفعله المستحاضة:
يجب على المستحاضة أن تصلي الفرائض، وتصوم رمضان، وتجلس ولا تصلي قدر عادتها من كل شهر، ويسن لها كغيرها فعل التطوعات من صلاةٍ، أو صومٍ، أو طواف، ونحو ذلك، ولزوجها أن يجامعها.
عن عائشة ﵂ أن فاطمة بنت أبي حبيش ﵂ سألت النبي ﷺ قَالَتْ: إِنِّي أُسْتَحَاضُ، فَلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فقال:«لا، إنَّ ذَلِكَ عِرْقٌ، وَلَكِن دَعِي الصَّلاةَ قَدْرَ الأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا، ثُمَّ اغْتَسِلِي وَصَلِّي».
متفقٌ عليه.
***
مختارات
