الخزانة الثالثة..
أقسام الحكم الشرعي:
الحكم الشرعي قسمان:
الأول: الحكم التكليفي، وهو ما يترتب عليه الثواب والعقاب.
الثاني: الحكم الوضعي، وهو ما يترتب عليه الصحة والفساد.
فقولنا: جائزٌ في الحكم الوضعي نعني به ضد اللازم يعني يجوز فسخه بدون رضا الآخر، فالوكالة مثلًا عقد جائز، فلكل منهما فسخها، وضده اللازم كالبيع والإجارة ونحو ذلك.
وقولنا: جائزٌ في الحكم التكليفي نعني به ضد المحرم لا إثم فيه، فالبيع عقد جائز، والربا عقدٌ محرم والنكاح عقدٌ جائز وهكذا.
فقه الصحيح والمحرم:
كل صحيحٍ فهو جائز؛ لأن الصحة فرعٌ عن الجواز في الحكم الشرعي لا الوضعي، وليس كل محرمٍ غير صحيح، منتظر فإن عاد التحريم إلى ذات الشيء كالجهالة والغرر في البيع أو الربا أو الظلم، فهو غير صحيح، وإن عاد التحريم إلى أمرٍ خارج، فإنه صحيح، ولكنه آثم.
فتلقي الركبان محرم، والشراء من الركبان محرم، لكن البيع صحيح، لكنه لا يعود إلى جهالة المبيع ولا إلى الربا، وإنما يعود إلى تغرير البائع، ولهذا له الخيار إذا قدم البلد ودخل السوق، وكل عقدٍ محرم لا تترتب عليه آثاره، فالبيع الفاسد لا يملك المشتري السلعة، ولا البائع الثمن.
حكم الإجارة:
الإجارة هي عقدٌ على منفعةٍ معلومة، أو على عملٍ معلوم.
فالمنفعة المعلومة كسكن الدار بأجرة سنة مثلًا، والعمل المعلوم كأن يستأجر بناء ليبني له جدارًا أو بيتًا، وهي نوعٌ من البيع؛ لأنها بيع منافع ولهذا تحرم بعد نداء الجمعة الثاني، ويحرم عقد الإجارة في المسجد كالبيع.
والإجارة عقد جائز، فإذا تم الاستئجار صارت لازمة، ولا تصح الإجارة إلا بأربعة شروط:
الأول: معرفة المنفعة كسكنى الدار، وخدمة آدمي.
الثاني: معرفة الأجرة.
الثالث: إباحة نفع العين، فلا تصح على نفعٍ محرم كالزنا وسقي الخمر ونحوهما.
الرابع: أهلية المؤجر والمستأجر، بأن يكون جائز التصرف.
حكم تأجير الزوجة نفسها:
لا يجوز للزوجة أن تؤجر نفسها في تعليمٍ أو تمريضٍ ونحوهما إلا بإذن زوجها؛ لأن المرأة إذا تزوجت إنسانًا ملكها، فالزوجة عوان أي أسيرة عند زوجها مملوكة، ونفعها مملوكٌ للزوج، فوقتها مملوكٌ للزوج، ولهذا لا تصوم تطوعًا إلا بإذن الزوج، وإذا طلبت من الزوج أن تعمل في التدريس مثلًا وأذن لها جاز، ويجوز لوليها أن يشترط عند العقد أن تؤجر نفسها؛ لأن المسلمين على شروطهم.
وإن استؤجرت على عمل مشترك كخياطة ثوب أو خصف نعل، فهنا لم تؤجر نفسها، وإنما استؤجرت على عمل، فهنا إن كان هذا يشغلها عن حقوق الزوج لم يجز لها ذلك إلا بإذن الزوج، وإن كان لا يشغلها عن حقوق الزوج، ولم يضر بسمعة الزوج فلا بأس بذلك.
عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ».
متفقٌ عليه.
حكم الغناء:
الغناء هو تلحين الكلام أو القصيدة بصوتٍ جميلٍ مؤثر.
والغناء ثلاثة أقسام:
مباحٌ.
ومكروهٌ.
ومحرم.
فالغناء المحرم يدور على شيئين:
الأول: أن يكون موضوع الأغنية فاسداً، كوصف النساء والمردان والخمر وما أشبه ذلك من المحرمات، فهذا محرمٌ لذاته.
الثاني: أن يكون موضوع الأغنية غير محرم، ولكنه مصحوبٌ بآلة لهو محرمة، كآلات العزف والموسيقى والعود ونحوها، فهذا حرامٌ لما صاحبه من الآلات المحرمة أو الرقص.
أما الغناء المباح فمثل حداء الإبل، أو الغناء على الأعمال المباحة يستعان به على التعب، إذا اشتمل على مصلحةٍ شرعية، أو غرضٍ صحيح كبناء المسجد أو الدار، أو رصف الطريق، أو إذا اشتمل على الخير والشجاعة وكان بعيدًا عن الفحش والخناء كما كان الصحابة ينشدون وهم يبنون المسجد مع النبي ﷺ، وكانوا يقولون وهم ينقلون الصخر، وهم يرتجزون والنبي ﷺ معهم وهو يقول: «اللَّهُمَّ لَا خير إِلَّا خير الْآخِرَهْ فَاغْفِرْ للْأَنْصَارِ والمهاجرة».
متفقٌ عليه.
وأما الغناء المكروه فمثل ما أشغل عن فعلٍ مستحب، وليس فيه ضررٌ أو فتنة.
فقه الأحكام:
إذا نص الشرع على شيءٍ له فائدة وقت الرسالة، ثم عدمت فائدته أو منفعته التي كانت في وقت الرسالة كالشعير والإقط في زكاة الفطر، ففي وقتنا في بلاد الحرمين ليسا قوتًا، وفي زمن الرسالة هما قوتٌ للناس، وكالسباق على الخيل ونحو ذلك.
فهنا يُنظر للمنفعة والمصلحة، ويُنظر للمعنى والعلة التي شرع الله ذلك من أجلها.
فإذا كان الشعير غير قوتٍ للناس فلا يُجزيء، وإذا كان السباق على الخيل للتجارة لا للتدرب على الكر والفر من أجل الجهاد في سبيل الله، والسباق على الأقدام إذا كان للتجارة لا للتدريب، فلا يجوز ذلك؛ لئلا ينشغل الناس بها ويتخذونها تجارةً تلهيهم عن ما هو أهم منها: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣].
تبعيض الأحكام:
الأحكام أحيانًا تتبعض، فإذا وجدنا ما يثبت أحدهما من وجه دون الآخر، حكمنا بالوجه الثابت، وتركنا الذي لم يثبت، فإذا ادعى شخصٌ مثلًا على آخر أنه سرق ماله من بيته، وأتى على ذلك برجلٍ وامرأتين،فهذه تضمنت حكمين: ضمان المال، وقطع اليد.
فالحد لا يثبت إلا بشهادة رجلين، والمال يثبت بشهادة رجلٍ وامرأتين، ففي هذه الحال يضمن السارق المال ولا تقطع يده، لوجود مقتضى أحدهما دون الآخر، وذلك لأن الحد لا يثبت إلا بشهادة الرجال دون النساء.
الفرق بين الملك والاختصاص:
الملك هو تملك الدراهم أو السيارات أو المزارع أو الأشياء ونحوها.
والاختصاص هو الشيء الذي لا يُملك، ولكن صاحبه أخص به مثل كلب الصيد، فهذا لا يُملك، ولهذا لا يُباع ولا يُشترى، فإذا استغنى عنه أعطاه غيره، ولا يجوز بيعه، ومثل السرجين النجس كروث الحمير فصاحبه أخص به، وليس بمال، ولهذا لا يُباع ولا يُشترى.
حكم تصرفات الغاصب:
الغصب هو الاستيلاء على حق غيره قهرًا بغير حق من عقارٍ ومنقولٍ ومالٍ.
وجميع تصرفات الغاصب من حيث الحكم التكليفي كلها حرام.
ومن حيث الحكم الوضعي، ومن حيث الصحة والنفوذ،تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما له حكمٌ من صحة أو فساد يكون تصرف الغاصب فيه باطلًا وجوده كعدمه، لأن ما بني على الباطل، فهو باطل فلو باع المغصوب مثلًا كسيارة أو وقفها وأجرها، فكل ذلك باطل؛ لأن الغاصب لا يملك المغصوب، ولا يملك التصرف فيه، وفعله محرم، فإن أجازها المالك فهي صحيحة، لأن المال له.
الثاني: ما ليس له حكم، يكون تصرف الغاصب فيه نافذًا كما لو غصب ماءً فأزال به نجاسةً في ثوبه، فإن الثوب يطهر، ولكنه آثم.
حكم المعاملات بين الخلق:
المعاملات بين الخلق لا يُعذر فيها بالجهل، أما العبادات فيُعذر فيها بالجهل؛ لأنها معاملةٌ بين المخلوق وخالقه، وحقوق الله ﷿ مبنيةٌ على المسامحة والرحمة بالخلق، فمن كسر وأتلف مال غيره ضمنه صغيرًا كان أو كبيرًا، متعمدًا أو مخطئًا، ومن صلى بغير وضوءٍ جاهلًا فلا إثم عليه، لكن عليه أن يتوضأ، ويعيد الصلاة المفروضة.
حكم المعازف:
المعازف هي آلات العزف الموسيقية، وتحرم جميع آلات العزف، ويستثنى من ذلك استعمال الدف في المناسبات، فالسنة جاءت بجوازه كاستعمال الدف في الأعراس، واستعمال الدف في الأعياد، واستعمال الدف عند قدوم الغائب الكبير الذي له إمرة، كل هذا جاءت به السنة، وكل ماعدا الدف من آلات الزمر والعزف والموسيقى فهو محرم،وكل ماعدا الأحوال التي رُخص فيها بالدف فهي حرام:﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
وقال رسول الله ﷺ: «لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الحِرَ والحريرَ، والخَمْرَ والمَعَازِفَ ولينزلَنَّ أقوامٌ إلى جنبِ عَلَمٍ، يروحُ عليهم بسارحةٍ لهم، يأتيهِم-يعني الفقيرَ- لِحاجةٍ فيقولوا: ارجِع إلينا غدًا، فيبيِّتُهمُ اللَّهُ، ويضَعُ العَلَمَ، ويمسخُ آخرينَ قِرَدةً وخنازيرَ إلى يومِ القيامَةِ».
أخرجه البخاري معلقًا.
فيجب على ولاة أمور المسلمين تكسير آلات العزف وإتلافها، وعدم السماح ببيعها، لأنهم مسئولون عن الأمة، وهم قادرون على إزالة المنكر، لئلا تشيع الفاحشة والمنكر في أمتهم، وإذا اتقوا الله ﷿ في الأمة اتقت الأمة ربها فيهم، ومن أذل الخلق في طاعة الله أعزه الله بهذه الطاعة.
وجميع المعاصي ضرر على العاصي، وعلى الأمن، وعلى الولاة، وعلى الأمة، لأن النفوس إذا أبعدت عن الخالق لم ترحم المخلوق، وهذه الأشياء تُبعد الخلق عن الخالق، لأنها تلهي وتصد عن سبيل الله، وعن ذكر الله، وعن الصلاة، وهي أسلحة الشيطان التي يقتل بها من أطاعه ويجره إلى النار:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١].
وقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾ [النور: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
حكم العمل للغير بلا عقد:
من عمل للغير عملًا بلا عقد فليس له شيء إلا في ثلاث حالات:
الأولى: إنقاذ مال المعصوم من الهلاك، من حريق أو غرق ونحوهما.
فهذا يُعطى أجرة المثل، تشجيعًا للناس على المبادرة لحفظ الأموال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
الثانية: رد العبد الآبق من سيده.
الثالثة: إذا أعد الإنسان نفسه للعمل كخياط وحداد ونحوهما، فإذا أعطوه ثوبًا من أجل أن يخيطه، فله أجرة المثل.
ولكن من المروءة والإحسان أن تكافئ كل محسن إليك، لأنه عمل بك معروفًا، ولما فيه من تشجيع الناس على فعل الخير، وأداء الأمانة، وفعل ما يجلب المحبة، وحفظ الأموال.
قال النبي ﷺ: «من صنع إليكم معروفًا فكافِئوه، فإن لم تجدوا ما تُكافِئوه به، فادعوا له».
أخرجه أحمد.
حكم من وجد مالًا:
من وجد مالاً فله ثلاث حالات:
الأولى: أن يعلم أن صاحبه تركه رغبة عنه، فهذا لواجده، كما يوجد بعض الكراسي والأواني المرمية في الأسواق والصحاري ونحو ذلك مما استغنى عنه أهله.
الثانية: أن يكون مما لا تتبعه همة أوساط الناس كقلم ومال زهيد وعصا ونحوه، فهذا من وجده فله أخذه إن لم يعلم صاحبه.
الثالثة: أن يكون مما تتبعه همة أوساط الناس، فهذا يجب أن يُعرف سنة، ولا يتركه ليأخذه غيره.
أما لقطة مكة فلا تحل إلا لمنشد، فإن عجز عن الوصول لصاحبها سلمها للحاكم، ولا يتملكها أبدًا، فالفرق بين اللقطة واللقيط أن اللقطة هي ضياع الأموال، واللقيط ضياع الآدميين، وميراث اللقيط إن لم يكن له ورثة لواجده، وديته كذلك.
***
مختارات
