فقه الجهاد في سبيل الله (٣)
والمقاتلون في ساحات القتال فريقان يقاتلون تحت رايتين مختلفتين:
الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله لتحقيق منهجه، وإقرار شريعته في الأرض، وإقامة العدل بين الناس.
والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، لتحقيق مناهج شتى غير منهج الله، وإقرار شرائع شتى غير شريعة الله.
{الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)} [النساء: ٧٦].
ويقف الذين آمنوا مستندين إلى ولاية الله وحمايته ورعايته.
ويقف الذين كفروا مستندين إلى ولاية الشيطان بشتى راياتهم وشتى مناهجهم.
فعلينا مقاتلة أولياء الشيطان، متوكلين على الله الذي تكفل بنصر من ينصر دينه، ويقيم شرعه كما قال سبحانه: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)} [الحج: ٤٠، ٤١].
فالجهاد في سبيل الله رحمة للبشرية كلها:
فبه يتم إقرار منهج الله في الأرض.
وإقامة نظامه العادل في ربوع العالم.
وإنشاء قوة عليا في هذه الأرض ذات سلطان.
تمنع أن تغلق الحدود دون دعوة الله.
وتمنع أن يحال بين الناس وبين الاستماع للدعوة في أي مكان على سطح الأرض.
وتمنع أن يفتن أحد عن دينه، والكف عن مطاردته في رزقه أو نشاطه حيث هو.
وحرب الله ورسوله التي يقوم بها أعداء الدين متحققة بالحرب لشريعة الله ورسوله، وللجماعة التي ارتضت شريعة الله ورسوله، وللدار التي تنفذ فيها شريعة الله ورسوله.
والإسلام دين العدل والرحمة، لا يعاقب العاصي والمجرم بالسيف وحده، إنما يرفع سيف العقوبة ويصلته ليرتدع من لا يردعه إلا السيف.
فأما اعتماده الأول فعلى دعوة الناس إلى الخير، وتربية القلوب وتزكيتها، فإذا ردع بالعقوبة التي تزجر عن الفساد، أخذ طريقه إلى القلوب يستجيش فيها مشاعر التقوى، ويحثها على الإيمان والجهاد في سبيله كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٥)} [المائدة: ٣٥].
والإسلام لا بدَّ له أن ينطلق في الأرض لإزالة الواقع المخالف لمنهج الله بالبيان والجهاد مجتمعين:
جهاد باللسان لتقرير منهج الله في الأرض، وتنفيذ شرعه في عباده.
وجهاد بالسيف لإزالة حكم الطواغيت الذين يحكمون الناس بغير شريعة الله، والتي تحول بينهم وبين الاستماع إلى البيان واعتناق الدين الذي مَنَّ الله به على عباده، وإقامة منهج الله في الأرض كلها.
وإذا كان البيان باللسان يواجه العقائد والتصورات والمذاهب الضالة، فإن الجهاد بالسيف كذلك يواجه القوى المادية الشرسة، وهما معاً يواجهان الواقع البشري بجملته لرده إلى ربه، وانتزاعه من العبودية لغيره.
والجهاد في الإسلام له بابان:
الأول: باب يخرج منه ليدافع المهاجمين له؛ لأن مجرد وجود الدين كمجتمع إسلامي مستقل، الحاكمية فيه لله وحده، لا بد أن يدفع المجتمعات الجاهلية من حوله لسحقه، دفاعاً عن وجودها ذاته، وهنا لا بد له أن يدافع عن نفسه، إذ لا يمكن التعايش بين الحق والباطل.
الثاني: أن الإسلام ذاته لا بدَّ أن يتحرك إلى الأمام ابتداءً لنشر الدين في العالم، ولإنقاذ الإنسان في العالم من العبودية لغير الله، ولا يترك البشرية في الأرض للشر والفساد والعبودية لغير الله.
إن الإسلام جاء ليقرر ألوهية الله في الأرض، وعبودية البشر جميعاً لإله واحد، فمن حقه أن يزيل العقبات كلها من طريقه، ليخاطب وجدان الأفراد وعقولهم، دون حواجز ولا موانع مصطنعة.
إن من حق الإسلام أن يتحرك ابتداء في كل اتجاه، فالإسلام ليس نحلة قوم، ولا نظام وطن، ولكنه منهج إله، ونظام للعالم كله يحقق لهم الأمن والسعادة والطمأنينة، ويقضي على منابع الشر والعدوان، ويقطع دابر الجور والفساد في الأرض، والاستغلال الممقوت، ويقوم بذلك رجال يؤمنون بالله واليوم الآخر ولا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)} [إبراهيم: ٥٢].
وبالجهاد في سبيل الله يحق الله الحق ويثبته، ويبطل الباطل ويزهقه، ويقطع دابر الكافرين، ويخضد شوكتهم، وتعلو راية الإسلام، وتعلو معها كلمة الله، وتظهر قوة الأمة، وتقيس قوتها الحقيقية إلى قوة أعدائها، وتعلم أن النصر ليس بالعدد وليس بالعدة، إنما هو بقدر اتصال القلوب بالله، وبقوته التي لا تقف لها قوة العباد، وأن يكون هذا كله عن تجربة واقعية لا عن مجرد تصور واعتقاد قلبي.
لتوقن كل عصبة مؤمنة أن الله معها، وأنها تملك في كل زمان وفي كل مكان أن تغلب خصومها وأعداءها مهما تكن هي من القلة، ومهما يكن عدوها من الكثرة، ومهما تكن هي من ضعف العدة، ومهما يكن عدوها من كثرة العدة؛ لأن النصر من عند الله وحده، وهم مؤمنون يجاهدون في سبيل الله.
ولا تستقر هذه الحقيقة في القلوب كما تستقر بالمعركة العملية المرئية الفاصلة بين قوة الإيمان وقوة الطغيان، كما تجلى ذلك كله في غزوة بدر كما قال سبحانه: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢٣)} [آل عمران: ١٢٣].
إن غزوة بدر لتمضي مثلاً للأمة، تتمثل فيها أصول النصر والهزيمة، وتكشف عن أسباب النصر والهزيمة، الأسباب الحقيقية لا الأسباب الظاهرية المادية.
ظهرت فيها قوة لا إله إلا الله كما ظهرت في أُحد قوة محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي بدر أظهر الله قدرته، وفي أحد أظهر الله سنته، فلما عصى الرماة أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - رفع الله النصر، فالمعاصي سبب كل هزيمة.
إن غزوات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاب مفتوح تقرؤه الأجيال في كل زمان ومكان، فهي آية من آيات الله، وسنةٌ من سننه الجارية في خلقه ما دامت السموات والأرض.
وحسب المسلمين أن يبذلوا ما في طوقهم فلا يستبقوا منه بقية، وأن يمضوا في طاعة أمر الله واثقين بنصر الله في أي معركة مع الباطل، حسبهم هذا لينتهي دورهم، ويجيء دور القدرة التي تصرفهم وتدبرهم وتملك الكون كله.
وحسب العصبة المؤمنة أن تشعر أن جند الله معها لتطمئن قلوبها، وتثبت في المعركة، ثم يجيء النصر كما يجيء المطر من الله وحده، حيث لا يملك النصر غيره: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)} [الأنفال: ٩، ١٠].
إن خروج العصبة المؤمنة لإعلاء كلمة الله أمر هائل عظيم، أمر يستحق معية الله لملائكته والمؤمنين في المعركة، ليحق الحق ويبطل الباطل، وينصر أولياءه ويخذل أعداءه: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)} [الأنفال: ١٢، ١٣].
إنها سنة الله ليست فلتة عارضة ولا مصادفة عابرة أن ينصر الله المؤمنين، وأن يسلط على أعدائهم الرعب والملائكة وعباده المؤمنين.
إنما ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، يصدون عن سبيل الله، ويحولون دون منهج الله للحياة، فلهم في الدنيا الرعب والهزيمة، وفي الآخرة عذاب النار: {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)} [الأنفال: ١٤].
وقد وعد الله المؤمنين بالنصر على أعدائهم، ومن يكن الله معه فمن ذا يقف له؟.
{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)} [المجادلة: ٢٠، ٢١].
والذي وقع بالفعل أن الإيمان والتوحيد قد غلبا على الكفر والشرك، واستقرت هذه العقيدة في الأرض، ودانت لها البشرية في كثير من أنحاء الأرض، بعد كل ما وقف في طريقها من عقبات الشرك والوثنية، وبعد الصراع الطويل مع الكفر والشرك والإلحاد.
وإذا كانت هناك فترات عاد فيها الشرك والإلحاد في بعض بقاع الأرض، فإن العقيدة في الله ظلت هي المسيطرة، فضلاً على أن فترات الإلحاد إلى زوال مؤكد؛ لأنها غير صالحة للبقاء.
ولله الأمر من قبل ومن بعد، فليست الغلبة والنصر بمجرد وجود الأسباب، بل لا بد أن يقترن بها القضاء والقدر، فـ: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)} [البقرة: ٢٤٩].
والله تبارك وتعالى خالق كل شيء ومالك كل شيء، ولكن من فضله وجوده وإحسانه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، فاستخلص سبحانه لنفسه أنفس المؤمنين وأموالهم فلم يعد لهم منها شيء.
لم يعد لهم خيار أن يستبقوا منها بقية لا ينفقونها في سبيل الله.
لم يعد لهم خيار أن يبذلوا أو يمسكوا، إنها صفقة مشتراة، ولمشتريها أن يتصرف بها كما يشاء، وليس للبائع فيها من شيء، سوى أن يمضي في الطريق المرسوم، لا يلتفت ولا يتخير ولا يجادل، فهو عبد مملوك، وليس للعبد إلا الطاعة والعمل والاستسلام والانقياد: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)} [التوبة: ١١١].
فالثمن هو الجنة.
والطريق هو الجهاد والقتل والقتال لإعلاء كلمة الله، وكف العدوان، وإزالة الفساد.
والنهاية هي النصر أو الشهادة التي بعدها الجنة.
والمؤمنون هم الذين اشترى الله منهم فباعوا، فمن بايع هذه البيعة، ووفى بها فهو المؤمن الحق.
ومن رحمة الله أن جعل للصفقة ثمناً، وإلا فهو واهب الأنفس والأموال، وهو مالك الأنفس والأموال وكل ما في الكون.
وهي بيعة رهيبة لازمة في عنق كل مؤمن، لا تسقط عنه إلا بسقوط إيمانه، وقد جعل الله مناط الحساب والجزاء هو النقض أو الوفاء بهذه البيعة، كما قال سبحانه: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)} [الإسراء: ٣٤].
وقد تحولت هذه البيعة من فورها في القلوب المؤمنة إلى واقع مشهود، وقد قبلها أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتلقوها للعمل المباشر بها، وحولوها إلى صورة منظورة عجيبة، لا إلى صورة متأملة تحكي ولا ترى.
فكم بذلوا من أجلها من نفس؟.
وكم أنفقوا من مال؟.
وكم هجروا من أجلها من دار؟.
وكم تركوا من شهوات؟.
وكم تركوا من أهل وأولاد؟.
وكم بذلوا من أوقات؟.
وكم جاعوا وأوذوا؟.
وكم قاتلوا وقتلوا؟.
فلله درهم، لقد وفّوا وصدقوا: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (٢٣)} [الأحزاب: ٢٣].
خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْخَنْدَقِ، فَإِذَا الْمُهَاجِرُونَ وَالأنصار يَحْفِرُونَ فِي غَدَاةٍ بَارِدَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَبِيدٌ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَلَمَّا رَأى مَا بِهِمْ مِنَ النَّصَبِ وَالْجُوعِ، قال: «اللَّهُمَّ إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الآخِرَهْ فَاغْفِرْ لِلأنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ»، فَقالوا: مُجِيبِينَ لَهُ: نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا مُحَمَّدَا، عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أبَدَا.
متفق عليه (١).
فالجهاد في سبيل الله بيعة معقودة في عنق كل مؤمن، منذ كان دين الله، فهي سنة جارية لا تستقيم الحياة بدونها كما قال سبحانه: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)} [البقرة: ٢٥١].
إن الحق الذي أرسل الله به رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - لا بدَّ أن ينطلق في طريقه في جميع الأرض، لتحرير البشر من العبودية للعباد، وردهم إلى العبودية لله وحده.
والحق إذا سار في الأرض فلا بدَّ أن يقف له الباطل في الطريق، بل لا بدَّ أن يقطع عليه الطريق، بل لا بدَّ أن يهاجمه في عقر داره كما قال سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (٣٦)} [الأنفال: ٣٦].
فأهل الباطل يقاتلون أهل الحق حسداً وبغياً من عند أنفسهم ليردوهم إلى الكفر والضلال كما قال سبحانه: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)} [البقرة: ٢١٧].
فما دام في الأرض كفر.
وما دام في الأرض باطل.
وما دام في الأرض عبودية لغير الله.
تذل كرامة الإنسان.
وتصرفه عن ربه.
فالجهاد في سبيل الله ماض.
والبيعة في عنق كل مؤمن تطالبه بالوفاء.
وإلا فأين الإيمان والوفاء والبيعة؟.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُّحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاق» أخرجه مسلم (٢).
فليستبشر من بذل نفسه وماله في سبيل الله، وأخذ الجنة عوضاً وثمناً كما وعد الله في كتبه المنزلة.
وما الذي فات المؤمن الذي يسلم لله نفسه وماله، ويستعيض الجنة؟.
والله ما فاته شيء، بل ربح كل شيء، فالنفس إلى موت، والمال إلى فوت، والغبن يوم التغابن.
ألا ما أعظم هذا الإنسان المؤمن وهو يعيش لله، حسب أمر الله، وفق سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
يجاهد في سبيل الله، وينتصر إذا انتصر لإعلاء كلمة الله، وتقرير دينه، وتحرير عباده من العبودية لسواه.
ويستشهد إذا استشهد في سبيله، ليؤدي لدينه شهادة بأنه خير عنده من الحياة وجميع ما فيها.
فإذا أضيف إلى ذلك كله الدرجات العالية في الجنة، ورضوان ربه عليه، فهو بيع يدعو إلى الاستبشار، وفوز لا ريب فيه ولا جدال: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)} [التوبة: ١١١].
إن الجهاد في سبيل الله بيعة معقودة بعنق كل مؤمن، ولكن الجهاد في سبيل الله ليس مجرد اندفاعة إلى القتال، إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثل في مشاعر وشعائر، وأخلاق عالية، وأعمال صالحة.
والمؤمنون الذين عقد الله معهم البيعة، والذين تتمثل فيهم حقيقة الإيمان، هم قوم يحملون أفضل الصفات الإيمانية وأحسنها وأعلاها، وهؤلاء المؤمنون هم: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢)} [التوبة: ١١٢].
إن أهل هذه البيعة عليهم أن يفوا بها ليدخلوا الجنة، وعليهم أن يتقوا الله فيما عاهدوا الله عليه، ولا يتخلفوا عن الجهاد مع المجاهدين الصادقين: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)} [التوبة: ١١٩].
ولا يليق بأهل هذه الدعوة، وحماة هذا الدين، وهم في عهده - صلى الله عليه وسلم - أهل المدينة الذين آووا ونصروا، وبايعوا واستعدوا، ومن حولهم من القبائل التي أسلمت.
لا يليق بهؤلاء.
وهؤلاء أن يتخلفوا عن رسول الله، وليس لهم أن يؤثروا أنفسهم على نفسه كما قال سبحانه: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ} [التوبة: ١٢٠].
فالخروج في سبيل الله لإعلاء كلمة الله، ورد كيد الأعداء، في الحر أو البرد، وفي الشدة أو الرخاء، وفي العسر أو اليسر، أمر مطلوب من كل مسلم، ولا يحل لأحد التأخر عنه في كل زمان أو مكان لمن يريد التأسي برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وهو واجب يوجبه الحياء من رسول الله والمؤمنين المجاهدين، فضلاً عن الأمر الصادر من الله بقوله: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١)} [التوبة: ٤١].
ومع ذلك فالجزاء على هذا الخروج في سبيل الله ما أسخاه: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢١)} [التوبة: ١٢٠، ١٢١].
إن الله عزَّ وجلَّ كريم يعطي المجاهدين على الظمأ جزاء.
وعلى النصب جزاء.
وعلى الجوع جزاء.
وعلى الخطى جزاء.
وعلى كل نيل من العدو جزاء.
يكتب به للمجاهد عمل صالح.
ويحسب به من المحسنين.
وكذلك على النفقة الصغيرة والكبيرة أجر.
وعلى الخطوات لقطع الوديان أجر.
أجر كأحسن ما يعمل المجاهد في الحياة.
ألا ما أجزل هذا العطاء من رب العالمين.
وما أوسع رحمته لعباده.
وما أعظم فضله عليهم.
خلقنا.
ورزقنا.
وهدانا.
واشترانا.
ووفقنا للعمل الصالح.
ويسره لنا.
وأعاننا عليه.
وحببه إلينا.
وأكرمنا بالإسلام.
وشرفنا بالدعوة إليه.
وضاعف لنا الأجر.
ووعدنا على ذلك الجنة: {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)} [الجمعة: ٤].
إن العبادة أمانة.
وإن دعوة الناس إلى الله أمانة.
وإن تعليم الناس أمانة، وإن الجهاد في سبيل الله أمانة.
ونحن فيها خلفاء.
وعليها بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - أمناء.
ونحن مسئولون عنها.
فعلينا جميعاً أن نقوم بأداء هذه الأمانات حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
وإذا اتسعت رقعة الأرض الإسلامية، وكثر عدد الرجال المستعدين للجهاد في سبيل الله، فقد آن أن توزع الجهود في الجهاد، وعمارة الأرض، والتجارة، وغيرها مما يحتاجه المجتمع المسلم، فهذه مرحلة أخرى، يصار إليها إذا صار الواقع كذلك كما قال سبحانه: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)} [التوبة: ١٢٢].
فالمؤمنون لا ينفرون كافة، ولكن تنفر من كل فرقة منهم طائفة على التناوب، لتتفقه هذه الطائفة في الدين بالنفير والخروج والجهاد والحركة بهذه العقيدة، وتنذر الباقين من قومها إذا رجعت إليهم بما رأته وما فقهته من هذا الدين في أثناء الخروج والجهاد من ثمرات الإيمان، كنصر الله لأوليائه، وخذلانه لأعدائه، ونزول الهداية على الخلق، وظهور الآيات، وتسخير المخلوقات كنزول الملائكة في بدر، وانفلاق البحر لموسى - صلى الله عليه وسلم -، وانبجاس الحجر بالماء لموسى، والتقاء ماء الأرض والسماء لنصرة نوح - صلى الله عليه وسلم - وإهلاك أعدائه، وغير ذلك من الآيات.
فهذا الدين كله جهد وعمل، لا يفقهه إلا من يتحرك به، فالذين يخرجون للجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله هم أولى الناس بفقهه، بما يتكشف لهم من أسراره ومعانيه، وبما يتجلى لهم به من آياته وتطبيقاته العملية في أثناء الحركة به.
فهذه الأمة خير أمة أخرجت للناس لها عمل وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ولها أخلاق تتزين بها بين الناس وهي أوامر الدين، وعليها مسئولية وهي الدعوة إلى الله وإعلاء كلمة الله في الأرض.
لذلك وصف الله المؤمنين بأعمالهم، وأثنى عليهم بأفعالهم المطلوبة منهم كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧٥)} [الأنفال: ٧٤، ٧٥].
فالمؤمنون صنفان:
مهاجرون يجاهدون بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، ويدعون إلى الله في أرضه.
وأنصار يؤوون ويناصرون المهاجرين والخارجين في سبيل الله.
وبهذين الصنفين من المؤمنين أظهر الله دينه، وأعلى كلمته حتى دخل الناس في دين الله أفواجاً.
وهذا عمل الأمة إلى يوم القيامة لمن كان يرجو رحمة الله، دعوة وجهاد، وهجرة ونصرة، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)} [البقرة: ٢١٨].
وبالهجرة والنصرة من أجل إعلاء كلمة الله ونشر دينه تنتشر الهداية في العالم، ويزول الباطل من الأرض، وتنزل رحمة الله على عباده، ويحصل لهم رضوانه، والفوز بجنته كما قال سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠)} [التوبة: ١٠٠].
أما الذين يقعدون عن الجهاد في سبيل الله فهم الذين يحتاجون أن يتلقوا ممن خرجوا؛ لأنهم لم يشاهدوا ما شاهد الذين خرجوا، ولا فقهوا فقههم، ولا وصلوا من أسرار هذا الدين إلى ما وصل إليه هؤلاء الخارجون من أجله.
ولعله يتبادر إلى الذهن أن الذين يتخلفون عن الغزو والجهاد والدعوة والحركة هم الذين يتفرغون للتفقه في الدين، ولكن هذا وهم، فإن الجهد والجهاد والمجاهدة قوام هذا الدين، ومن ثم لا يفقهه إلا الذين يتحركون به، ويضحون من أجله بكل شيء، ويجاهدون لتقريره في حياة الناس.
والجهاد في سبيل الله ماض إلى يوم القيامة، وخطة الجهاد ومداه بينها الله ورسوله وخلفاؤه من بعده، وقد سارت عليها الفتوحات الإسلامية، بالدعوة إلى الله، وقتال الظالمين من المستكبربن والمعاندين والطغاة، بداية بمن يلون دار الإسلام ويجاورونها مرحلة مرحلة كما أمر الله المؤمنين بذلك بقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٢٣)} [التوبة: ١٢٣].
فلما أسلمت الجزيرة العربية أو كادت، كانت غزوة تبوك على أطراف الروم، ثم كان انسياح الجيوش الإسلامية في بلاد الروم، وفي بلاد الفرس، فاتسعت رقعة الإسلام، فإذا هي كتلة ضخمة شاسعة الأرجاء، متماسكة الأطراف.
ثم كان فتح مصر وشمال أفريقية، وبلاد ما وراء النهر، ثم فتح الأندلس وما جاورها.
وهكذا صارت دولة الإسلام بهذا الحجم الكبير تحت راية واحدة، وقيادة واحدة، تقول كلمة التوحيد، وتعمل بها، وتدعو إليها.
فلما ضعف الإيمان.
ضعف الهم والعمل.
وأعرض كثير من الناس عن الدعوة إلى الله والجهاد في سبيل الله.
واشتغلوا بحاجات دنياهم عن حاجات دينهم.
وقدموا شهوات النفس على أوامر الرب، هانوا على الله وعلى خلقه، ونزلت بهم العقوبات جزاء مخالفتهم لأوامر الله.
وعمل الأعداء بتدبير خبيث ماكر على تمزيق وحدتهم، وتقويض هذا البنيان الكبير وتمزيقه، ففرقوا أهل التوحيد، وأقاموا الحدود المصطنعة فيما بينهم على أساس تلك البيوت، أو على أساس القوميات، أو على أساس بيع الحكم مقابل ضرب الإسلام وأهله.
وستظل هذه الشعوب التي جعل منها الإسلام أمة واحدة في دار الإسلام وراء فواصل الأجناس واللغات والأنساب والألوان، ستظل ضعيفة مهينة مقهورة إلا أن تثوب إلى دينها، وتعمل بشرع خالقها، وتتبع خطى رسول الله في حياتها، وبذلك يحصل لها العز والنصر والتمكين.
إن الأمر بقتال الذين يلون المسلمين من الكفار هو الأمر الأخير الذي يجعل الإنطلاق بهذا الدين، ليشمل الأرض كلها هو الأصل الذي ينبثق منه الجهاد، وليس هو مجرد الدفاع كما كانت الأحكام المرحلية أول العهد.
فالجهاد في الإسلام جهاد لتقرير ألوهية الله في الأرض، وطرد الطواغيت المغتصبة لسلطان الله، جهاد لتحرير الإنسان من العبودية لغير الله، ومن فتنته بالقوة عن أن يدين بالتوحيد لله وحده، وجهاد لتغليب منهج الله الهادي على مناهج العبيد الظالمة، وإخراج البشرية من الظلمات إلى النور بإذن ربهم كما قال سبحانه: {اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)} [البقرة: ٢٥٧].
ومن ثم ينبغي له أن ينطلق في الأرض كلها لتحرير البشرية كلها من عبادة العبيد إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
والجهاد في سبيل الله ليس لإكراه الناس على العقيدة، بل لضمان حرية الاعتقاد التي انتهكها أعداء هذا الدين، وفرضوا على الناس من العقائد والمذاهب ما لا يقبله عقل، وفتنوهم بشتى الوسائل عن سماع الحق، وعن العمل به، وعن تعليمه، وعن الدعوة إليه.
ومن هنا ينطلق الإسلام بالسيف ليحطم هذه الأنظمة التي قهرت العباد، وأضلتهم وأفسدت حياتهم، ويدمر هذه القوى التي تحميها.
ثم ماذا؟.
ثم يترك الناس بعد ذلك أحراراً حقاً في اختيار العقيدة التي يريدونها إذا كانوا أهل كتاب، إن شاءوا دخلوا في الإسلام ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وإن شاءوا بقوا على عقائدهم وأدوا الجزية مقابل حمايتهم، وكفالة عاجزهم ومريضهم في حضن الإسلام، ولا إكراه في الدين.
إن المسلمين اليوم هم هذا الغثاء الذي تتقاسمه المذاهب والأهواء، وتحكمه الرايات القومية والجنسية والعنصرية، وإن المسلمين لن يستطيعوا أن يفقهوا أحكام هذا الدين وهم في مثل ما هم فيه من الهزال.
إنه لا يفقه أحكام هذا الدين إلا الذين يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم من أجله، ليُعبد الله وحده لا شريك له في الأرض.
وحفظ ما في بطون الكتب، والتعامل مع النصوص في غير حركة تغير طريقة الحياة، لا يؤهل لفقه هذا الدين، والتضحية من أجله.
وهذا ما خدع به الكفار كثيراً من المسلمين، فشغلوهم به عن الخروج إلى ساحات الجهاد، وميادين الدعوة في العالم، فأثمر ذلك ذل المسلمين وهوانهم.
وزيادة الظلم والجهل والضلال في العالم.
وردة كثير من المسلمين عن دينهم.
فلله كم خسر العالم؟.
وكم ضل في العالم؟.
وذلك بسبب ترك المسلمين للدعوة والجهاد في سبيل الله.
فهل يكفي أن تسكب العبرات على هذه الجراحات الدامية الأليمة؟.
أم لا بد من حركة قوية لإنقاذ البشرية من هذا الدمار الشامل الذي يأكل الأخضر واليابس في كل حين؟.
والغلظة التي أمر الله بها المجاهدين في سبيله تكون على الذين من شأنهم أن يحاربوا وحدهم، وفي حدود الآداب العامة لهذا الدين.
إنه قتال يسبقه إعلان وتخيير بين قبول الإسلام، أو دفع الجزية، أو القتال، ويسبقه نبذ العهد إن كان هناك عهد في حالة الخوف من الخيانة، فمن أبى أن يجيب دعوة الله وينقاد لحكمه فهذا يجاهد ويغلظ له كما قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٩)} [التحريم: ٩].
عن بريدة - رضي الله عنه - قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، إِذَا أمَّرَ أمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أوْ سَرِيَّةٍ، أوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قال: «اغْزُوا بِاسْمِ اللهِ، فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ، اغْزُوا وَلا تَغُلُّوا وَلا تَغْدِرُوا وَلا تَمْثُلُوا وَلا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلاثِ خِصَالٍ (أوْ خِلالٍ)، فَأيَّتُهُنَّ مَا أجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإسْلامِ، فَإِنْ أجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأخْبِرْهُمْ أنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أبَوْا أنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا فَأخْبِرْهُمْ أنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلا أنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أبَوْا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَقَاتِلْهُمْ» أخرجه مسلم (٣).
وأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذاً إلى اليمن فأوصاه بقوله: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَأنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأعْلِمْهُمْ أنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أطَاعُوا لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وكَرَائِمَ أمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ» متفق عليه (٤).
إن العبادات والشعائر والشرائع الإلهية التي تنظم حياة البشرية، لا بدَّ لها من حماية تدفع عنها الذين يصدون عن سبيل الله، وتمنعهم من الاعتداء على حرية العقيدة، وحرية العبادة، وأماكن العبادة، وحرمة الشعائر، وتمكن المؤمنين العابدين العاملين من تحقيق منهاج الحياة القائمة على العقيدة، المتصل بالله، الكفيل بتحقيق الخير للبشرية كافة في الدنيا والآخرة.
ومن ثم أذن الله للمسلمين بعد الهجرة في قتال المشركين ليدفعوا عن أنفسهم وعن عقيدتهم اعتداء المعتدين بعد أن بلغ أقصاه، وليحققوا لأنفسهم ولغيرهم حرية العقيدة، وحرية العبادة، وحرية الدعوة في ظل دين الله كما قال سبحانه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)} [الحج: ٣٩].
إن قوى الشر والباطل والضلال تعمل في هذه الأرض، والمعركة مستمرة بين الخير والشر، والهدى والضلال، والصراع قائم بين قوى الإيمان وقوى الطغيان منذ خلق الله الإنسان.
والشر جامح، والباطل مسلح، وهو يبطش غير متحرج، ويضرب غير متورع، ويملك أن يفتن الناس عن الخير إن اهتدوا إليه، وعن الحق إن تفتحت له قلوبهم.
فلا بدَّ للإيمان والخير والحق من قوة تحميها من البطش، وتقيها من الفتن، وتحرسها من الأشرار والبغاة والطغاة، وقد أمرنا الله بذلك في قوله: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)} [الأنفال: ٦٠].
ولم يشأ الله عزَّ وجلّ أن يترك أهل الإيمان والخير والحق عزلاً تكافح قوى الطغيان والباطل والشر اعتماداً على قوة الإيمان في النفوس، وتغلغل الحق في الفطر، وعمق الخير في القلوب.
فالقوة المادية التي يملكها الباطل قد تزلزل القلوب، وتفتن النفوس، وتزيغ الفطر، وللصبر حد، وللطاقة البشرية مدى تنتهي إليه، والله أعلم بقلوب الناس ونفوسهم.
ومن ثم لم يشأ الله أن يترك المؤمنين للفتنة إلا ريثما يستعدون للمقاومة، ويتهيأون للدفاع، ويتمكنون من وسائل الجهاد، وعندئذ أذن لهم في القتال لرد العدوان، والله سيتولى الدفاع عنهم فهم في حمايته: {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)} [الحج: ٣٨].
والله سبحانه يكره أعداء المؤمنين لكفرهم، فهم مخذولون حتماً، والمؤمنون مظلومون غير معتدين، فليطمئنوا على حماية الله لهم، ونصره إياهم كما قال سبحانه: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)} [الحج: ٣٩].
فلا بدَّ للمسلمين من الجهاد في سبيل الله لحماية العقيدة، وأماكن العبادة، والدفع عنها؛ لئلا تنتهك حرماتها، فما أرحم الله بعباده إذ شرع لهم الجهاد في سبيل الله: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: ٤٠].
والصوامع أماكن العبادة المنعزلة للرهبان.
والبِيَع للنصارى عامة.
والصلوات أماكن العبادة لليهود.
والمساجد أماكن العبادة للمسلمين.
وهذه الأماكن كلها معرضة للهدم، لا يشفع لها في نظر الباطل أن اسم الله يذكر فيها، ولا يحميها إلا دفع الله الناس بعضهم ببعض، أي دفع حماة العقيدة لأعدائها الذين ينتهكون حرماتها، ويعتدون على أهلها.
فالباطل متبجح لا يكف ولا يقف عن العدوان ما وجد حق، إلا أن يدفعه الحق بمثل القوة التي يصول بها ويجول، ولا يكفي الحق أنه الحق ليقف عدوان الباطل عليه، بل لا بدَّ له من القوة تحميه، وتدافع عنه، وترهب أعداءه، وهي سنة شرعية مأمور بها كما قال سبحانه: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (٦٠)} [الأنفال: ٦٠].
إن هذا الدين لا يقوم بغير حراسة، ولا يتحقق في الأرض بغير جهاد، ولا ينتشر بغير دعوة، ولا يبقى عزيزاً منيعاً بغير جهاد.
جهاد لتأمين العقيدة.
وتأمين الدعوة.
وحماية أهله من الفتنة.
وحماية شريعته من الفساد.
ومن ثم كان للشهداء في سبيل الله مقامهم، وكان لهم قربهم من ربهم كما قال سبحانه: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)} [آل عمران: ١٦٩].
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الشهداء في سبيل الله: «أرْوَاحُهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ، فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمِ اطِّلاعَةً، فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي؟ وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأوْا أنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أنْ يُسْألُوا، قَالُوا: يَا رَبِّ! نُرِيدُ أنْ تَرُدَّ أرْوَاحَنَا فِي أجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مَرَّةً أخْرَى، فَلَمَّا رَأى أنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا» أخرجه مسلم (٥).
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (٢٨٣٤)، واللفظ له، ومسلم برقم (١٨٠٥)
(٢) أخرجه مسلم برقم (١٩١٠).
(٣) أخرجه مسلم برقم (١٧٣١).
(٤) متفق عليه، أخرجه البخاري برقم (١٣٩٥)، ومسلم برقم (١٩) واللفظ له.
(٥) أخرجه مسلم برقم (١٨٨٧)
مختارات
