الخزانة الخامسة..
فقه التوحيد:
المخلوقات كلها في العالم العلوي والعالم السفلي، وفي الدنيا والآخرة، لا تكون إلا من خالق واحد: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ [الأنعام: ١٠٢ - ١٠٣].
والأرزاق لا تكون إلا من الرزاق: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ [هود: ٦].
فالأرزاق مقسومة كميةً ونوعيةً، ومكانًا وزمانًا: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢].
والصور لا تكون إلا من مصور واحد: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ [الحشر: ٢٤].
وقال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦)﴾ [آل عمران: ٦].
والنعم لا تكون إلا من المنعم وحده لا شريك له:﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ [النحل: ٥٣].
وهذا الكون العظيم لا يكون إلا من الله الذي خلق كل شيءٍ وكونه: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ [يس: ٨٢ - ٨٣].
وكل شيءٍ لا يكون في هذا الكون إلا بمشيئة الله، ومشيئة الإنسان تحت مشيئة الله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩].
ومن ظن أن له مشيئةً من دون الله فيُقال له: أخلقك الله كما شئت أو كما شاء؟: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾ [التين: ٤ - ٦].
ويُقال له: أخلقك الله لِما شاء أو لِما شئت؟: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٨].
ويُقال له: يوم القيامة: تأتيه أيها العبد بما شئت أو بما شاء؟: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ [النجم: ٣٩ - ٤١]
فإذا مات الإنسان رجع أهله وماله، وبقي عمله يقدم به على ربه يوم القيامة: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٦ - ٨].
فقه الطاعة:
جاءت الطاعة في القرآن الكريم على ثلاثة أضرب:
الأول: أن يتحد المطاع، وهو الله والرسول في أمرٍ من الأمور كقوله سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
وقوله سبحانه: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].
الثاني: أن يأتي الأمر من الله إجماليًا، ويأتي الرسول ﷺليفصله فيقول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول كما قال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩].
الثالث: أن يفوض الله الخلق بطاعة الرسول ﷺ كقوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ [الحشر: ٧].
فإذا قال الله ﷿ وأطيعوا الله والرسول، فهذا أمرٌ جاء عن الله، وأكده الرسول ﷺ، كالتأكيد على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ونحو ذلك.
وإذا قال: وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فهذا نطيع الله فيما أمر به إجمالًا، ونطيع الرسول ﷺ فيما فصله كأحكام الصلاة والزكاة ونحوهما.
وإذا قال: وأطيعوا الرسول، فهذا فيما جاء به الرسول ﷺفقط.
أنواع الطاعة: الطاعة الواجبة قسمان:
الأول: طاعةٌ مطلقة، وهي طاعة الله ورسوله كما قال سبحانه: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران: ١٣٢].
الثاني: طاعةٌ مقيدة، وهي طاعة ما سواهما من الوالدين أو غيرهم.
وهذه الطاعة مقيدةٌ بأمرين:
الأول: الاستطاعة: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
الثاني: المعروف، فإذا أُمرت بما لا تستطيع سقط الأمر، وسقط الوجوب، وإذا أُمرت بما تستطيع، لكنه حرام سقط وجوب الطاعة، إنما الطاعة في المعروف، فالطاعة بالمعروف، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤)وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥)﴾ [لقمان: ١٤ - ١٥].
حكمة النكاح الشرعي:
من حكمة الله ﷿ أن جعل في الرجل الماء الذي يُرسل، وفي المرأة الفرج الذي يستقبل، فإن كان الزواج شرعيًا جاء الولد طيبًا، وكل ما سوى هذا خبيثٌ وضار ومحرم.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٢٩) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٣٠)فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٣١)﴾ [المعارج: ٢٩ - ٣١].
لهذا جعل الله ﷿ الأكل والشرب سببًا للحياة، وقرن الله حفظ النوع بالمتعة بالنكاح الشرعي، فإذا اكتفى الرجل بالرجل، أو اكتفت المرأة بالمرأة، أو جعلت المرأة وعاءها إناءٌ لمياهٍ متعددة من رجالٍ أجانب، جاء الفساد والضرر والفناء.
ولهذا حرم الله اللواط والسحاق والزنا، وجعل لذلك عقوباتٍ بحسب نوع الجريمة من لواطٍ أو سحاقٍ أو زنا.
فالزواج الشرعي يحقق حفظ النوع، وقضاء الشهوة، واللواط والسحاق والزنا فيه المتعة القذرة، وهلاك النوع.
فالمرأة الشاذة تُحبس في البيوت حتى تموت أو تتوب وتتزوج، منعًا للفساد.
أما الرجال فهم معدون للإرسال، والنساء للاستقبال، فإن دخل إرسالٌ على استقبالٌ شرعي حصل النوع الطيب من الرجال والنساء.
وإن خالف ذلك حصل الفساد، فإن حصل إرسالٌ على غير استقبالٍ شرعي جاء الضرر والفساد في الأمة.
فالنكاح الشرعي نعمةٌ أنعم الله بها على عباده، وهي آيةٌ من آياته: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ [الروم: ٢١].
وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].
وقال الله ﷿ في المخالطة الشاذة بين امرأتين: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ [النساء: ١٥].
وقال سبحانه في المخالطة الشاذة بين رجلين في فاحشة اللواط: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ [النساء: ١٦].
وقال سبحانه في المخالطة الشاذة بين رجلٍ وامرأة: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ [النور: ٢ - ٣].
فهذه أربعة أقسام بينها الله في القرآن في العلاقة بين الرجل والمرأة، وكلها محرمة إلا الأخيرة وهي النكاح الشرعي:﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾ [النساء: ٣].
فالبكر مع البكر حده الجلد، والثيب مع الثيب حده الرجم، والبكر مع الثيب أو عكسه، لكلٍ حكمه، والأمة عليها نصف العذاب وهو الجلد بكرًا أو ثيبًا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ [النور: ٦٣].
فليحذر العبد من مخالفة أوامر الله ورسوله، وليعلم أن الله يراه إن تحرك ويسمعه إن تكلم، ويعلم بما في قلبه إن أضمر: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ [الملك: ١٣ - ١٤].
واقتحام تلك المعاصي من لواطٍ، أو سحاقٍ، أو زنا، استهانةٌ بأمر الخالق ﷻ، وسوء أدبٍ مع من أنعم عليه وأكرمه، وبين له وجوه الحلال: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والشيطان يجر الإنسان إلى وجوه الحرام: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ [فاطر: ٦].
فعلى العبد أن يخاف من ربه، ومن عقوبته، ومن عذابه:﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ [الرحمن: ٤٦].
لمن خاف مقام ربه من الجن جنة، ومن الإنس جنة، أو جنتان لكل مسلم من الجن والإنس؛ لأن المسلم يرث منزل الكافر في الجنة، مع الجنة التي أعدها الله له، أو جنتان جنة معرفة الله بأسمائه وصفاته ودينه وشرعه في الدنيا وجنة النعيم في الآخرة، أو جنتان للسابقين من ذهب، وجنتان للأبرار من فضة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٧٢)﴾ [التوبة: ٧٢].
وقال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾ [البقرة: ٢٥].
أقسام الحيوانات:
الحيوانات من حيث جواز قتلها خمسة أقسام:
الأول: ما يُباح قتله وصيده في الحِل دون الحرم أو المحرم، وهو الصيد البري المأكول، وصيد البحر.
الثاني: ما يُستحب قتله للمحرم وغيره، وهي الحيوانات المأمور بقتلها من كل مؤذٍ كالسباع والحية والعقرب والفأرة والبعوض والحدأة والأسد ونحوها.
الثالث: ما فيه نفعٌ ومضرة كالعقاب والصقر، فهذه إن آذت تُقتل، وإن لم تؤذِ فلا تقتل.
الرابع: ما لا يظهر فيه نفعٌ ولا ضرر كالخنافس والجعلان والذباب، فهذه إن آذت قتلت، وإن لم تؤذِ لا تقتل؛ لأن الله ﷿ خلق هذه المخلوقات لتدل على عظمته، وعظمة أسمائه وصفاته، وجميعها تُسبح بحمد ربها: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)﴾ [الإسراء: ٤٤].
الخامس: ما نهى الشرع عن قتله كالنملة والنحلة ونحوهما، فهذه لا تقتل في الحِل ولا في الحرم.
والحيوانات التي لا يحرم على المحرم قتلها أو ذبحها هي الحيوان الإنسي المأكول كالإبل والبقر والغنم، وصيد البحر، ومحرم الأكل كالسباع والحيات ونحوها، ودفع الصائل منها.
فقه العبادات:
أصل العبادة الطاعة، وكل عبادةٍ لها معنىً قطعًا، ومعنى العبادة قد يفهمه الإنسان وقد لا يفهمه.
فالحكمة في الصلاة إظهار التواضع، والخشوع لله، وإظهار الافتقار له سبحانه.
والحكمة في الصوم كسر النفس، وقمع الشهوات.
والحكمة في الزكاة تدريب النفس على البذل والعطاء، ومواساة المحتاجين الفقراء.
والحكمة في الحج إقبال الحاج أشعث أغبر على مولاه من مسافةٍ بعيدة، كإقبال العبد إلى مولاه ذليلًا، والخروج من زينة الدنيا وملذاتها، وتدريب النفس عى المسالمة مع الغير، ولو كان جمادًا أو نباتًا أو حيوانًا، وتذكير الإنسان بما هو عليه من النقص إذا رأى غيره.
والحج درسٌ عملي للمساواة بين الناس، ومعرضٌ عظيم يظهر فيه أثر التوحيد والإيمان والطاعة والأخلاق العالية:﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ [الحج: ٧٧].
وقال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾ [الزمر: ٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾ [آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤].
وأحكام الله ﷿ التي جاء بها الأنبياء والرسل مبنيةٌ على الظاهر، فأحكام شرائعهم مبنيةٌ على الظواهر، والله يتولى السرائر.
أما الخضر فأحكامه ليست مبنيةً على الظاهر، بل على الأسباب الحقيقية في باطن الأمر، كما في قصة موسى ﷺمع الخضر في المسائل الثلاث: وهي خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار.
شريعة موسى ﷺ أنه يحرم إفساد الشيء، وقتل النفس من غير سبب ظاهرٍ يُبيح ذلك، وإقامة الجدار من غير سبب ظاهر مع التعب الشديد أمرٌ صعبٌ على النفس، وهذا يدل على أن هذا العالم أعطاه الله قدرة أشرف بها على بواطن الأمور، فمرتبته في العلم اللدني كانت فوق مرتبة موسى ﷺ: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ [يوسف: ٧٦].
وقال الله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٥].
والمسائل الثلاث مبنيةٌ على أصلٍ واحد، وهو أنه عند تعارض الضررين يجب تحمل الأدنى لدفع الأعلى، وهو ما فعله الخضر في المسائل الثلاث، لكنه مبنيٌ على معرفة بواطن الأمور، وقد أعطاه الله ﷿ معرفة ذلك كما قال سبحانه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾ [الكهف: ٦٥].
ولهذا لما كملت مرتبة موسى ﷺ في علم الشريعة بعثه الله إلى الخضر؛ ليتعلم ويضيف إلى علم الشريعة المبني على الظواهر، علوم الباطن المبنية على حقائق الأشياء، ببناء الأحكام على تلك الأحوال الباطنة، فلهذا ظهر التفاوت بينهما، والله حكيمٌ عليم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (٢٨)﴾ [فاطر: ٢٨].
فقه الطواغيت:
الطغيان مجاوزة الحد، والطاغوت هو كل ما عُبد من دون الله وهو راضٍ بذلك، كالشيطان والسحرة والكهان وفرعون وهامان؛ لأنهم راضون بذلك.
والطواغيت كثيرون، ورؤوسهم خمسة:
الأول: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢].
الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله ﷿ كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء: ٦٠].
الثالث: كل من حكم بغير ما أنزل الله كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ [المائدة: ٤٤].
الرابع: كل من ادعى علم الغيب من دون الله كما قال سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ [النمل: ٦٥].
الخامس: كل من عُبد من دون الله وهو راضٍ بالعبادة كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [الأنبياء: ٢٩].
ما يثبت به الإسلام:
يُحكم للشخص بالإسلام بواحدةٍ من ثلاث:
الأولى: نطقه بالشهادتين كما قال النبي ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلهَ إِلاَّ الله، وَأَنَّ مُحَمَّدا رَسُولُ اللّه».
متفقٌ عليه.
الثانية: الولادة لأبوين مسلمين كما قال النبي ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ».
متفقٌ عليه.
الثالثة: الصلاة، فمن صلى حكمنا بإسلامه كما قال النبي ﷺ: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ».
أخرجه الترمذي والنسائي.
وقال النبي ﷺ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ».
أخرجه مسلم.
حكم النذر:
النذر إلزام المكلف نفسه شيئًا لم يكن واجبًا عليه بأصل الشرع، فيصبح بنذره واجبًا عليه.
والنذر عبادة من العبادات لا يكون إلا لله، فينعقد،ويلزم الوفاء به: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)﴾ [البقرة: ٢٧٠].
وعن ابن عمر أن عمر قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
قَالَ: أَوْفِ بِنَذْرِكَ».
أخرجه البخاري.
وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ».
أخرجه البخاري.
أما النذر المشروط كأن يقول المسلم: لله علي إن شفى الله مرضي أو ربح مالي أن أذبح أو أتصدق أو أصوم، فهذا النذر مكروه إلا أنه يجب الوفاء به؛ لقوله ﷺ: «إِنَّ النَّذْرَ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، إِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ».
متفقٌ عليه.
والنذر لغير الله شرك؛ لأنه عبادةٌ للمنذور له، والنذر لغير الله لا ينعقد إطلاقًا، ولا تجب فيه كفارة، بل هو شرك يجب التوبة منه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ [الحجرات: ١١].
وأما نذر المعصية فينعقد، لكن لا يجوز الوفاء به، كمن نذر ألا يزور أباه أو أمه، فهذا عليه كفارة يمين، فكل من حلف على محرمٍ فإنه ينعقد، وفيه كفارة يمين.
ومن نذر لغير الله من الأصنام والقبور والشمس والقمر، فعليه أن يتوب، ويستغفر الله من فعله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
حكم زيارة القبور:
زيارة القبور تنقسم إلى قسمين:
الأول: الزيارة الشرعية، وهي زيارة القبور من أجل تذكر الآخرة والاعتبار، والسلام على أهلها المؤمنين، والدعاء لهم، وحصول الأجر المترتب على فعل السُنَّة.
الثاني: الزيارة غير الشرعية وهي أقسام:
الأول: الزيارة المحرمة، وهي التي تتضمن شيئاً من المناهي الشرعية، ولم تصل إلى درجة البدعة، وإن كانت من الكبائر كلطم الخدود، والنياحة والجزع وغير ذلك مما يوحي بالتسخط على قدر الله.
الثاني: الزيارة البدعية، وهي أن يزور قبرًا من أجل أن يدعو الله عنده، أو يصلي عنده، أو يقرأ القرآن عنده أو نحو ذلك.
الثالث: الزيارة الشركية، وهي أن يدعو فيها المقبور من دون الله، ويطلب منه قضاء الحوائج، وتفريج الكرب، ودفع المكروه، أو يصلي له، أو يذبح له، ليقضي حاجته ونحو ذلك: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥].
حكم الرقية:
الرقية الشرعية هي ما كانت بكتاب الله، أو بما ورد من سُنَّة رسول الله ﷺ، فهذه رقية جائزة.
عن عوف بن مالك ﵁ قال: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللهِ: ما تقول فِي ذَلِكَ فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ».
أخرجه مسلم (١).
وعن جابر قال: كَانَ خَالِي يَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ، فَلَمَّا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الرُّقَى أَتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، وَإِنِّي أَرْقِي مِنَ الْعَقْرَبِ، فَقَالَ: مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ».
أخرجه مسلم (٢).
فقه الإمامة الكبرى:
تثبت الإمامة بأحد ثلاث طرق:
الأولى: النص من الإمام الأول على الثاني كما نص النبي ﷺعلى خلافة أبي بكرٍ بالإشارة، ونص أبو بكر ﵁ على خلافة عمر ﵁ بالتعيين.
الثانية: النص على جماعة كما فعل عمر ﵁ بأن اختار ستة من كبار الصحابة ليختاروا واحدًا منهم، فاختاروا عثمان بن عفان ﵁.
الثالثة: إجماع أهل الحل والعقد، فإذا مات الإمام الأول، ولم يستخلف أحدًا فلأهل الحل والعقد من العلماء والوجهاء وذو الرأي السديد، أن يختاروا إمامًا صالحًا يكون خليفةً عليهم، وعلى أهل الآفاق السمع والطاعة له.
وإن وثب على الإمامة من يصلح للإمامة من غير مشورة ولا اختيار، وبايع له الناس تمت له البيعة.
وإن وثب عليها من ليس أهلًا لها من الفساق، وأخذها بالقهر والغلبة، فلا طاعة له؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
شروط الإمامة:
يُشترط في الإمام الذي يخُتار لإمامة المسلمين ما يلي:
أولًا: أن يكون من صميم قريش؛ لأن الأئمة من قريش ما أقموا الدين.
ثانيًا: أن يكون مسلمًا.
ثالثًا: أن يكون حرًا لا عبدًا.
رابعًا: أن يكون بالغًا.
خامسًا: أن يكون عاقلًا.
سادسًا: أن يكون عدلًا لا فاسقًا.
سابعًا: أن يكون عالمًا مجتهدًا، لئلا يحتاج إلى غيره في أكثر مسائل الشرع.
ثامنًا: أن يكون ذا خبرةٍ ورأيٍ حصيف بأمور الحرب، وتدبير أحوال الأمة، وتدبير الجيوش ونحو ذلك.
تاسعًا: أن يكون قويًا لا تلحقه رقة في إقامة الحدود الشرعية، ولا فزعٌ من ضرب الرقاب، وقطع الأطراف.
عاشرًا: أن يكون ذكرًا.
الحادي عشر: أن يكون سليم الأعضاء.
ويجوز نصب الإمام المفضول مع وجود الفاضل، إذا خيفت الفتنة، وعدم استقامة الأمور؛ دفعًا للهرج والفساد، وتعطيل الأمور، وتمزيق الأمة، وسفك الدماء.
وإذا نُصب الإمام ثم فسق خلعت إمامته بالفسق الظاهر.
ويجب على الإمام أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصًا يؤثر في الإمامة.
ولا تجوز متابعة إمامين معاً، وإذا بويع لخليفتين فيُقتل الأخر منهما، درءاً للفتنة والشقاق، ومن خرج على إمامٍ عدل وجب على الناس جهاده ودفعه بما يكف شره:﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾ [المائدة: ٢].
حكم الاستعاذة:
الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والاستعاذة به من شر كل ذي شر: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١) مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢) وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ (٣) وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ (٥)﴾ [الفلق: ١ - ٥].
وحقيقة الاستعاذة الهرب من شيءٍ تخافه إلى من يعصمك منه.
فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه القادر على كل شيء، وفر إليه، والتجأ إليه، واستجار به، واعتصم به، وألقى نفسه بين يديه.
فالاستعاذة بالله حق: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ [فصلت: ٣٦].
والاستعاذة بغير الله شرك: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦].
أقسام الاستعاذة:
الاستعاذة تنقسم إلى قسمين:
الأول: استعاذةٌ بالله ﷿، وهذا عبادةٌ من العبادات: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ [النحل: ٩٨ - ١٠٠].
الثاني: استعاذةٌ بغير الله، وهي قسمان:
الأول: استعاذة بالمخلوق فيما يقدر عليه، وهذا ليس من الشرك، إلا إذا تعلق القلب بالمخلوق، فتكون من الشرك الأصغر، مثل تعلق القلب بالطبيب أو بقائد الطائرة ونحو ذلك.
الثاني: استعاذةٌ بغير الله ﷿ فيما لا يقدر عليه إلا الله،وهذه تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما يقدر عليه الإنسان في العادة، ولكنه يطلبه من غائبٍ أو ميت.
الثاني: ما لا يقدر عليه الإنسان أصلًا في العادة كشفاء المرضى ونحو ذلك.
فهذان النوعان كلاهما من جنسٍ واحد، وهما من الشرك الأكبر؛ لأنها صرفٌ للعبادة لغير الله ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ [الكهف: ١١٠].
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)﴾ [الزمر: ٦٤ - ٦٦].
***
مختارات
