الخزانة الرابعة..
الإيمان باليوم الآخر:
الإيمان بالغيب هو الذي يحكم سلوك الإنسان، فالذي يؤمن بالغيب وباليوم الآخر، وبالحساب والميزان، والجنة والنار، يخشى الله ﷾ في كل عملِ يعمله، فإذا أراد أحد أن يسرق تذكر الله، وتذكر أنه ملاقيه، وأنه سيحاسبه على ذلك، فيتراجع عن هذه السرقة.
وإذا أراد أن يرتكب ما حرم الله، وتذكر الآخرة والحساب، خشي الله وتراجع عن فعله السيئ، فأساس السلوك البشري في الدنيا هو الإيمان بالغيب، والإيمان بالغيب يدخل فيه أساسًا الإيمان باليوم الآخر.
وأركان الإيمان كلها غيب وهي:
أن تؤمن بالله … وملائكته.
وكتبه … ورسله.
واليوم الآخر … والقدر خيره وشره.
والإيمان بالغيب والآخرة هو أساس الإيمان كله، فإذا لم يعتقد الإنسان بالآخرة، فممن يخاف ويخشى؟ من ذا الذي يرفع يدك عن ضعيفٍ تغتصب حقه إلا إيمانك بالآخرة؟ ما الذي يوقفك عن أن تأكل أموال الناس بالباطل؟
هو إيمانك بالآخرة، وما الذي يمنع الناس من الظلم والبغي؟ هو الإيمان بالآخرة.
إن الرادع الذي يقول لك قف مكانك هو الإيمان بالآخرة؛ لأنك ستحس أن كل عملٍ عملته مكتوب عليك، وسيسألك الجبار عنه، فلولا الإيمان بالآخرة، لتحولت الحياة الدنيا إلى مجموعة من الوحوش، يأكل بعضها بعضًا، فيقتل القوي الضعيف، ويعتدي القادر على العاجز، ويضيع الحق، وتُباح الحرمات، وتُنتهب الأموال، وتُنتهك الأعراض.
وأخشى ما يخشاه المؤمن هو حساب اللهِ له في الآخرة، وأخشى ما يخشاه الكافر هو الحسابُ في الآخرة، فالكافر وإن كان لا يؤمن بالآخرة، ولكن في داخله شيءٌ يؤرقه، والموت الذي يراه كل يوم في أهله وقومه يملأ حياته بالرعب والفزع والخوف، وينغص عليه حياته: ﴿يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ [الجن: ١٧].
والله ﷿ على كل شيءٍ قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا في الدنيا والآخرة، يسمع ويرى ويعلم بما في الصدور، وهو قادرٌ على أن يخلق يومًا مقداره، أربعةُ وعِشرون سَاعة، وقادرٌ على أن يخلق يومًا مقداره ساعة، وقادرٌ على أن يخلق يومًا مقداره مائة ألف سنة، وقادرٌ على أن يخلق يومًا يستمر بلا نهاية كيوم القيامة الذي لا ليلةَ بعده أبدًا، ولا موت بعده أبدًا، فالمخلوق ليس قيدًا على قدرة الخالق، فالله يخلق ما يشاء، ويفعل ما يشاء ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ [الملك: ١].
فالزمان والمكان كله خاضع لإرادة الله وحده طولاً وقصرًا، والأجسام والأحجام والأشكال والألوان، خلقها سبحانه وحده لا شريك له: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ [الأنعام: ١٠٢].
وموعد قيام الساعة لا يعلمه إلا الله وحده، فهو الذي ينتهي إليه أمرها، ويعلم موعدها وحده، فلا يعلمه نبي مرسل، ولا ملكٌ مقرب، ولا ذكيٌ فطن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٤].
أما الرسول المُرسل من ربه، فوظيفته إنذار من يخشاها، فهو الذي ينفعه الإنذار، فهو الذي يشعر قلبه بمجيئها فيخشاها، ويعمل لها قبل مجيئها بالإيمان بالله وأداء الأعمال الصالحة، وهي من ضخامة وقوعها في النفس بحيث تتضاءل أمامها الحياة الدنيا بكل ما فيها، وتبدو كأنها بعض يوم: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ [النازعات: ٤٦].
واليوم الآخر: هو يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الخلائق للحساب والجزاء، سُمي بذلك؛ لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في الجنة أبدًا، وأهل النار في النار أبدًا:﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١].
والإيمان باليوم الآخر: هو التصديق الجازم بكل ما أخبر الله ورسوله به مما يكون في ذلك اليوم العظيم
من البعثِ، والحشرِ، والحسابِ، والوزن، والعرض، والصراط، والجنةِ، والنار وغير ذلك مما يجري في عرسات القيامة، ويلحق بذلك ما يكون قبل الموت من علامات الساعة، وأشراطها الصغرى والكبرى، وما يكون بعد الموت من فتنة القبر، وعذاب القبر ونعيمه.
الإيمان بالله واليوم الآخر أعظم أركان الإيمان، ولأهمية هذين الركنين يقرن الله بينهما كثيرًا في القرآن، كما قال سبحانه: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾ [النساء: ٨٧].
وقال الله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ [الطلاق: ٢].
فاليوم الآخر يوم عظيم، وستجري على العباد فيه أحوالٍ عظيمة، ولعظمته وهوله، تعددت أسماؤه بحسب ما يجري فيه، فإن تعدد الأسماء للشيء الواحد، دلالة علي عظمته وهوله، فهو يوم القيامة، ويوم البعث، ويوم الفصل، ويوم الدين، ويوم الخروج، ويوم الخلود، ويوم الحساب، ويوم الوعيد، ويوم الجمع، ويوم التغابن، ويوم التلاق، ويوم التناد، ويوم الحسرة، وهو الغاشية، والصاخة، والواقعة، والحاقة، والقارعة، والطامة الكبرى وغير ذلك من أسمائه.
وكلما عَظُم الشيء تعددت أسماؤه وصفاته، وستحدث في هذا اليوم العظيم أحداثٌ في العالم العلوي، والعالم السفلي، أحداثٌ فلكية ضخمة، وكلها تشير إلى اختلال كامل في النظام الكوني المنظور بأفلاكه ونجومه وكواكبه، وانقلابٌ في أوضاعه وأشكاله، وحركته وارتباطاته تكون به نهاية العالم، وكلها ينبى بأن نهاية هذا العالم ستكون نهاية مروعة مخيفة مذهلة للخلائق كلهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١ - ٢].
إن نهاية العالم بقيام الساعة نهاية مخيفة مروعة حقًا، تُرج فيها الأرض وتُدك، وتُنسف فيها الجبال وتُبث، وتُسجر فيها البحار وتُفجر، وتُطمس فيها النجوم وتَنكدر، وتُشق فيها السماء وتَنفطر، وتَسقط الكواكب وتَنتثر، وتُكور الشمس، ويَخسف القمر، وتختل المسافات، فيُجمع الشمس والقمر، وتبدو السماء مرة كالدخان، ومرة وردة كالدهان، ومرة ملتهبة حمراء، إلى أخر هذا الهول الكوني العظيم.
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ [البقرة: ٢٨١].
وقد بين الله بالتفصيل أهوال هذا اليوم العظيم ليتقيه الناس، ويعملون لما ينجيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران: ١٠٢].
فما أعظم يوم القيامة، وما أشد أهوا له؟.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ [الحج: ١ - ٢].
إن يوم القيامة يوم عظيمٌ مخيف، فما ذلك اليوم؟ وماذا يجري فيه؟ وما هي أهواله؟ وما حال الناس فيه؟ وأين سوف يستقرون في دار القرار؟ أفي الجنة أم في النار؟ ذلك ما سنبينه إن شاء الله بالتفصيل على شكل مشاهد نعرض فيها لما يجري في يوم القيامة في ضوء القرآن والسنة.
***
مختارات

